تفاصيل الخبر

رسالة الممثل المقيم الجديد لصندوق النقد الدولي: لا مساعدات قبل البدء بإقرار الإصلاحات!

29/06/2022
ممثل صندوق النقد الدولي "فريدريكو ليما" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.

ممثل صندوق النقد الدولي "فريدريكو ليما" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.


 حرك وصول الممثل المقيم لصندوق النقد الدولي (IMF) السيد "فريدريكو ليما" الى بيروت الاسبوع الماضي، ملف العلاقات اللبنانية مع الصندوق الذي "نام" بعد الاعلان عن اتفاق مع فريق موظفي الصندوق على برنامج العمل الذي سيعتمد لاقرار خطة النهوض الاقتصادي وجعلها حيز التنفيذ تباعاً كشرط اساسي لتكريس دعم الصندوق للبنان في محاولة عملية لاخراجه من ازمته الاقتصادية الراهنة، في وقت يستعد مجلس النواب المباشرة في درس عدد من مشاريع القوانين التي احالتها اليه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قبل اعتبارها مستقيلة ودخولها في مرحلة تصريف الاعمال. وبدا من الرسائل التي حملها "ليما" معه الى المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم ان ادارة الصندوق لا تزال عند "ثوابتها" التي تتلخص بضرورة اجراء الاصلاحات التي تم الاتفاق عليها مع الحكومة على رغم اعتراف فريق التفاوض مع لبنان بان بعض هذه الاصلاحات صعبة، انما المهم - كما قال "ليما"- ان يبدأ العمل لاقرارها فيكتسب لبنان زخماً في قبول الاصلاحات ما يجعل الموقف اللبناني قوياً لدى الانتقال الى مرحلة التفاوض النهائي الذي يفترض ان يفضي - اذا سارت الامور كما يجب - الى بدء اعطاء الصندوق دفعات من المليارات الثلاثة التي ستوضع بتصرف لبنان والذي لن تكفيه لبدء الخروج من ازمته الصعبة جداً، لكنها ستدفع بالدول المانحة الى الاقبال على المساعدة بالنظر الى وجود خطة واضحة التزمتها الحكومة اللبنانية وحظيت بموافقة ادارة الصندوق.

لم يخف "ليما" ان وجوده في بيروت كممثل مقيم لصندوق النقد الدولي هو اشارة مهمة تعكس حرص الصندوق على التعاون مع لبنان لأن سنوات عدة مرت لم يكن في لبنان ممثل مقيم للصندوق، بل انه طمأن المسؤولين الذين التقاهم بأنه سيلعب دور "المستشار الموثوق"، الذي يضع بتصرف الحكومة اللبنانية خبرة وامكانات وقدرات وهذه كلها عوامل ايجابية مساعدة، لكن المهم بالنسبة اليه هو اطلاق برنامج الاصلاحات لأنه يعيد بذلك ثقة اهتزت بين المجتمع الدولي ولبنان، وبعدما يلمس الصندوق تطوراً مفيداً على صعيد الاصلاحات يمكن الانطلاق ذلك ان المهم – حسب "ليما" – ان نكون عمليين ونجد حلولاً ونبدأ من مكان ما ونتخذ اجراءات والباقي يتبع، اي ان نظهر نية حسنة في اتجاه تطبيق الاصلاحات وهذا هو المرتكز الاساس. وعندما سئل ليما اذا ما كان في الامكان ان يمد الصندوق لبنان بمساعدات مالية طارئة الى حين بدء اقرار الاصلاحات، كان جوابه واضحاً وخلاصته ان الصندوق يملك وسائل تمكنه من منح او تخصيص المال في حالات الطوارىء، وهذه الاموال استعمل لبنان حيزاً كبيراً منها لمواجهة جائحة "كورونا" ولن يكون من السهل طلب المزيد لأن مثل هذه المساعدات الطارئة تستعمل مرة واحدة فقط. لم ينفع "التذاكي" الذي اظهره الجانب اللبناني خلال البحث مع ليما في هذه المسألة لأن جوابه كان واضحاً... ونقطة على السطر! وبوضوح قال ان مبلغ الـــ 3 مليارات دولار التي سيعطيها الصندوق للبنان على مدى اربعة اعوام سوف تؤمن بعد اقرار الاصلاحات وذلك على دفعات، لكن ما يمكن ان يقدمه الصندوق فهو المساعدة على تقديم الجهات المانحة الدعم المادي سواء من خلال البنك الدولي او عبر الاتحاد الاوروبي وبنك الاستثمار فيه وستلقى مثل هذه الطلبات تأييد الصندوق الذي سيسأل من قبل الجهات المانحة عن رأيه فيها وهذا الرأي سيكون بمثابة ضمانات من الصندوق لهذه الدول او الجهات المانحة. الاساس يبقى اظهار جدية في اقرار الاصلاحات ومن دون ذلك لا يمكن الوصول الى حل.

ولعل ما استوقف اكثر من مسؤول في بيروت هو إصرار "ليما" على الاسراع في العمل قبل ان يأخذ مجلس ادارة صندوق النقد اجازته الصيفية خلال شهر آب (اغسطس) المقبل والتي تمتد شهراً لا يلتئم خلالها الا في حالة الطوارىء. من هنا الاسراع في تجهيز الملفات سيساعد في ان يكون الصندوق مرناً في اقرار الجداول الضرورية وتحديد المهل القصيرة ما يدفع مساهمة الصندوق الى الامام، والاسراع يريده "ليما" من خلال اقرار مجلس النواب القوانين الاصلاحية المطلوبة، والتزام الصندوق واضح في هذا الاتجاه. والصندوق لا يعمل على "العمياني" بل هو ينطلق في عمله من التدقيق في امكانات لبنان المادية ولاسيما في موجودات مصرف لبنان من العملة الصعبة ومن الذهب حيث بات الصندوق على علم بكميات الذهب التي يملكها لبنان والموجودة في الولايات المتحدة الاميركية وتبقى معرفة كمية الذهب الموجودة في خزائن مصرف لبنان والتي لم ينجز تعدادها بعد لأنها موزعة على سبائك وليرات ذهبية وعملة  نادرة لها قيمة كبيرة لا بد من احتسابها في سياق اجراء جردة الموجودات. اما القوانين التي لها اولوية في الاقرار، حسب ليما، فهي قانون "الكابيتال كونترول" وقانون السرية المصرفية واصلاح هيكلية القطاع المصرفي فضلاً عن معالجة مسألة سعر الصرف غير الموحد في السوق المالية اللبنانية، وكلها مسائل مهمة بالنسبة الى الصندوق لا يمكن تجاهلها اذا اراد لبنان فعلاً استكمال مفاوضاته المليارات الثلاثة تباعاً على مدى 4 سنوات...

المفتاح في مجلس النواب...

ولأن المفتاح اصبح الآن في يد مجلس النواب لدرس مشاريع القوانين المحالة اليه واقرارها تباعاً لاعطاء اشارات ايجابية لصندوق النقد، فإن العيون شاخصة على ما تنوي لجنة المال والموازنة فعله في هذا الاطار. وخلال الاجتماع الذي جمع الممثل المقيم للصندوق في لبنان مع رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيم كنعان ورئيس لجنة الادارة والعدل النائب جورج عدوان كان حديث صريح عن القوانين التي يفترض انجازها قريباً والمراحل التي قطعتها. وفي هذا السياق، قال النائب كنعان ان هذه القوانين كانت الشغل الشاغل للجنة قبل الانتخابات النيابية وبعدها، وابرزها اقرار مشروع قانون موازنة 2022، واعادة القطاع المصرفي وتعديل القانون المتعلق بالسرية المصرفية واعادة مشروع "الكابيتال كونترول". واضاف كنعان: "لطالما كان الخلل في مكانين: السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، اذ ان لجنة المال كانت تنجز كل هذه المشاريع والاقتراحات او تطلبها، الا انها كانت تصطدم دوماً بعقبة التنفيذ او عدم الرد على توصيات اللجنة والمجلس"، ويذكر كم مرة كانت لجنة المال تناشد الحكومة التعجيل في اقرار الموازنات العامة، وارسال قطوعات الحساب معها، وهي قطوعات ضرورية وملحة، اضافة الى مناشدة ديوان المحاسبة في هذا المجال ايضاً. ولهذه الغاية، اجتمعت لجنة المال مع الحكومة للاطلاع منها على المرحلة التي وصلت اليها هذه المشاريع، فحتى ان كانت الحكومة الحالية الآن، هي حكومة تصريف اعمال فغن العمل استمرارية ولاسيما في الشق المالي. ولكن هل هذا يعني ان المشاريع كلها عالقة في الحكومة؟ يشرح كنعان: "الكابيتال كونترول عالق في مجلس النواب، ولكن انتهى في اللجان. مشروع الموازنة شبه منته وثمة انكباب عليه، اما اعادة هيكلة القطاع المصرفي فهي منتظرة من الحكومة، مثل تعديل القانون المتعلق بالسرية المصرفية، اذ ثمة اضافات عليه عادت الحكومة وانجزتها، بعدما درسته لجنة المال وانهته". 

واللافت ان قيمة الخسائر تخطت 69 مليار دولار وان نحو 80 في المئة من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، والدوران في حلقة مفرغة وخطيرة لم يعد ينفع، تماماً كما لم تعد تنفع الترقيعات. من هنا، فإن ثمة عوامل مطلوبة لتنفيذ هذه الاصلاحات ومشاريع القوانين، وان جاز التعبير، لا بد من "بيئة حاضنة" لكل هذه الاصلاحات تكون بمثابة عوامل مساعدة للسير. ابرز هذه الخطوات توحيد سعر الصرف، اعادة هيكلة الدين العام، تحسين الحوكمة ومحاربة الفساد، اصلاح القطاع العام، وفي مقدمه قطاع الكهرباء الذي لم يعد يقبل تأخيراً او ترقيعاً. وهذه العوامل التي يفرضها صندوق النقد ستكون بوابة الدعم الواضح والجدي للبنان.

ميقاتي مستعجل للوصول الى حلول

من جهته يبدو الرئيس ميقاتي مستعجلاً لذلك وزع اوقاته بين الاستشارات النيابية كرئيس مكلف تشكيل الحكومة واجتماعات مع لجنة المال التي حمله اليها اقتراحات معدلة في شأن مسألة الخلاف المحورية مع القطاع المالي لتوزيع المسؤوليات والخسائر التي يتم تقديرها بما يناهز 73 مليار دولار. وذلك التزاماً بأسبقية "الاعتراف بالخسائر في البداية والعمل على توزيعها" من ضمن توجهات محدثة يفترض أن تسهم أساساً بتبديد المخاوف لدى المودعين في البنوك الذين توجسوا من تكبد اقتطاعات كبيرة جراء الاقتراح المعتمد في مذكرة الإنقاذ المالي، والقاضي بشطب نحو 60 مليار دولار من توظيفات البنوك لدى البنك المركزي بهدف سد الفجوة المسجلة في ميزانيته. كما ترددت معلومات عن وجود تصور جديد لدى رئيس الحكومة بشأن الاقتراحات الداعية إلى إنشاء صندوق سيادي يستهدف تفعيل الموارد المالية العامة وتحسين استثمار الأصول المملوكة من القطاع العام، ما يتيح مشاركة الدولة في حمل جزء وازن من الخسائر المحققة من قبلها أو من قبل البنك المركزي بوصفه مؤسسة من القطاع العام والممول الرئيسي لحاجاتها المالية وعجوزات موازناتها ومؤسساتها، وفقاً لكشوفات المبالغ التراكمية التي ناهزت 62 مليار دولار، والتي أفصح عنها حاكم البنك المركزي أخيراً. وذلك ما يضمن الوصول إلى معادلة التوزيع "العادل" مع القطاع المصرفي مع الحفاظ على كامل حقوق الودائع بمستوى 100 ألف دولار، وتقليص الاقتطاعات على الشرائح الأعلى. ويمثل إقرار مشروع قانون الموازنة شرطاً رئيسياً من حزمة الشروط التشريعية التي تضمنها الاتفاق الأولي مع بعثة صندوق النقد، والذي تم الإفصاح عنه رسمياً كاتفاق أولي على مستوى الخبراء بشأن السياسات الاقتصادية مع لبنان للاستفادة من "تسهيل الصندوق الممدد" لمدة أربع سنوات، على أن يخضع هذا الاتفاق لموافقة إدارة الصندوق العليا ومجلسه التنفيذي، بعد تنفيذ كل الإجراءات المسبقة المطلوبة في حينها وتأكيد الدعم المالي من الشركاء الدوليين لقاء إتاحة موارد من الصندوق بقيمة 2173.9 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، أي ما يعادل 3 مليارات دولار أميركي. ويقتضي الالتزام بتحسين المالية العامة وتخفيض الدين العام، اعتماد تدابير لتوليد الإيرادات والإصلاح الإداري بغية ضمان توزيع العبء الضريبي بصورة أكثر عدالة وشفافية. وتعد ميزانية 2022 خطوة أساسية في هذا الاتجاه؛ إذ ينبغي أن تهدف إلى تحقيق عجز أولي بنسبة 4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي يدعمه تعديل في تقييم الواردات للأغراض الجمركية والضريبية بحيث يعتمد على سعر صرف موحد. ومن شأن هذا أن يسمح بزيادة علاوات موظفي القطاع العام لاستئناف نشاط الإدارة العامة، وزيادة الإنفاق الاجتماعي، بهدف حماية الأكثر ضعفاً. وسيتم تمويل عجز الميزانية من خلال التمويل الخارجي، وسيتم إلغاء الإجراء الذي يسمح بالتمويل من مصرف لبنان.

ولا تقل حزمة الشروط التشريعية المكملة أهمية عن إقرار الموازنة التي تعدها إدارة الصندوق أساسية كمنطلق للإصلاحات المالية الهيكلية. فالتشريعات المالية المتصلة بخطة التعافي التي تأخر إقرارها بسبب "تمرير"استحقاق الانتخابات النيابية منتصف الشهر الماضي، تتطلب جهوداً استثنائية لبلوغ مرحلة الصياغات النهائية والواضحة بغية تسريع إقرارها في اللجان النيابية وتصديقها لاحقاً من قبل الهيئة العامة، ولا سيما أنها تحدد معالم خريطة الطريق للإنقاذ المنشود والإصلاحات الهيكلية المطلوبة لفتح أبواب الدعم المنشود من المجتمع الدولي. ويأتي في مقدمة هذه التشريعات التي يفترض أن تقدم الحكومة تصورات واضحة وشبه نهائية بشأنها من ضمن التزامها المسبق بإجراء عدة إصلاحات حيوية قبل عرض الملف على اجتماع المجلس التنفيذي للصندوق، مشاريع القوانين المتعلقة بوضع الضوابط الاستثنائية على الرساميل والتحويلات (كابيتال كونترول)، والتعديلات المقترحة على قانون السرية المصرفية، وبرنامج إعادة هيكلة المصارف، من ضمن مشروع إعادة هيكلة القطاع المالي لكي تستعيد البنوك مقومات الاستمرار وقدرتها على تخصيص الموارد بكفاءة لدعم التعافي. وينبغي على السلطات اللبنانية بموجب الالتزامات الواردة في الاتفاق الأولي والتي تسعى إلى إدراجها في الخطة المكتملة، وضع برنامج لإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، ولا سيما قطاع الطاقة، لتقديم خدمات ذات جودة دون استنزاف الموارد العامة، وتنفيذ إصلاحات مالية تضمن بقاء الدين في حدود مستدامة وخلق حيز للاستثمار في الإنفاق الاجتماعي وإعادة الإعمار والبنية التحتية، على أن يتم إكمال ذلك بإعادة هيكلة الدين العام الخارجي التي ستؤدي إلى مشاركة كافية من الدائنين لإعادة الدين إلى حدود مستدامة وسد فجوات التمويل. وضمن نطاق الموجبات التي التزمتها السلطات اللبنانية، يتعين إقامة نظام للنقد والصرف يتسم بالموثوقية والشفافية، من خلال قيام مصرف لبنان بتوحيد أسعار الصرف لمعاملات الحساب الجاري المصرح بها، وهو أمر بالغ الأهمية لتعزيز النشاط الاقتصادي، واستعادة المصداقية وسلامة الوضع الخارجي. إلى جانب الاسترشاد بالأهداف الكلية المؤدية إلى خلق ظروف تسمح بتراجع التضخم، وإعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي والحفاظ على سعر صرف موحد يحدده السوق، ما سيساعد القطاع المالي على العمل، ويسهم في تحسين توزيع الموارد في الاقتصاد، ويسمح باستيعاب الصدمات الخارجية.

ومع الرئيس نجيب ميقاتي.

ومع الرئيس نجيب ميقاتي.

ومع رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان.

ومع رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان.