تفاصيل الخبر

تسييس الملف القضائي لحاكم مصرف لبنان يضع "الحرب" عليه في خانة الكيدية

29/06/2022
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.


 الى متى ستستمر "الحرب" الدائرة بين فريق الحكم ورئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل من جهة، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة من جهة اخرى؟ هذا السؤال كان مدار بحث الاسبوع الماضي في الاوساط الديبلوماسية في بيروت بعدما اخذت هذه "الحرب" منحى تصعيدياً على اثر دهم المدعي العام في جبل لبنان القاضية غادة عون لمنزل سلامة في الرابية للمرة الثانية في اقل من 48 ساعة، اذ كانت الاولى خلال بث مقابلة تلفزيونية مع الحاكم رد فيها على الاتهامات التي توجه اليه، سواء كانت متعلقة بإدارته لمصرف لبنان وللسياسة النقدية في البلاد، ام من خلال تناول النواحي الشخصية المتعلقة بثروته والاتهامات الموجهة اليه من دول اوروبية لا تزال في مرحلة الشبهات ولم تنتقل الى الادعاء. فضلاً عن الخلاف الذي نشأ في القضاء اللبناني حول الجهة التي يفترض ان تتولى التحقيق مع الحاكم سلامة بعد احالة ملف قضائي هو غير الملف الذي تعمل عليه القاضية عون، من المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات الى النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي زياد ابو حيدر، الذي تنحى عن النظر في الملف لتعود محكمة الاستئناف في بيروت برئاسة القاضي حبيب رزق الله وتعيده الى ابو حيدر معتبرة ان شروط التنحي لم تتحقق في هذه القضية لان إبداء الرأي المسبق (الذي اعلنه ابو حيدر) يفترض حصوله قبل ان يضع يده على الملف علماً ان ابو حيدر تسلم الملف من النيابة العامة التمييزية وسجله في قيود النيابة العامة في بيروت وبالتالي فإن اعلانه عدم صلاحيته للادعاء على الحاكم سلامة لا يكون رأياً مسبقاً لأن هذا الرأي هو في صلب عمله. الا ان القاضي ابو حيدر اعاد مجدداً الملف الى المدعي العام المالي علي ابراهيم عملاً بصلاحية ابراهيم في النظر في الامور المالية التي تتمحور حولها احالة القاضي عويدات!.

وفي الوقت الذي كانت فيه "الحرب" على سلامة مستقرة على اكثر من جبهة كان الحاكم يرفض المثول امام القاضية عون لأنه قدم دعوى مخاصمة ضدها رفضت تسلمها، علماً ان هذه الدعوى تكف يد القاضية عون عن الملف وفقاً للاصول ويحال الى قاض غيرها وتتوقف هي عن النظر في القضية، كما حصل مع قاضي التحقيق العدلي في جريمة مرفأ بيروت طارق البيطار التي رفعت في حقه دعاوى مخاصمة فتوقف عن متابعة التحقيق منذ اشهر في انتظار ان تنظر هيئة محكمة التمييز بدعاوى الرد المقدمة ضده... لكن بين الجدل القانوني والرد والرد المضاد، يأخذ ملف التعاطي مع الحاكم سلامة بعداً سلبياً اخذ ينعكس بقوة على الوضع المالي في البلاد المهترىء اساساً فضلاً عن التعاطي الدولي مع القطاع المصرفي اللبناني الذي بات هو على "المقصلة" في انتظار صدور "الحكم" المبرم بحقه. وفي هذا الاطار ترى مصادر متابعة ان الاستمرار في التعاطي مع الحاكم سلامة على هذا النحو لن يفضي الي اي نتيجة لأن الملف بات مسيساً وتلعب فيه الكيدية دوراً كبيراً في تعطيله من الناحية القانونية. ولم يعد خافياً على احد ان حملات فريق الحكم والنائب باسيل التي تجاوزت حدوداً واسعة لن تتوقف في المدى المنظور، علماً ان المطالبة باقالته من منصبه لن تجد الصدى الايجابي لاسباب عدة، ابرزها عدم قدرة مجلس الوزراء على الانعقاد لاتخاذ مثل هذا القرار نظراً لوجود الحكومة في مرحلة تصريف الاعمال، اضافة الى عدم صدور اي حكم قضائي حتى الساعة يفرض اقالة الحاكم الذي يتعاطى مع الدعوات المناهضة له بردود قانونية صرفة وبدفاع يستند الى مستندات وادلة ثبوتية لاسيما في ما خص ما يؤخذ عليه بأنه صرف امواله من المصرف المركزي تلبية لطلبات رسمية وردته من الحكومات المتعاقبة خصوصاً على قطاع الكهرباء. ولا يزال الحاكم سلامة يحظى بدعم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال امام زواره مؤخراً ان التهم المساقة ضد سلامة لم تثبت بعد ولم يصدر اي حكم في حقه فكيف نحاكمه ونحاسبه من دون ان تكون الجرائم التي يقال انه ارتكبها مثبتة بالادلة والبراهين، في وقت يرى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان اي اجراء يتخذ بحق الحاكم ينبغي ان يرتكز على قواعد قانونية فضلاً عن ان اقالته تستوجب تأمين البديل الذي يحظى بتوافق واسع كي يمر في مجلس الوزراء عندما يصبح في مقدوره الالتئام من خلال حكومة كاملة الاوصاف. وتبدي الاوساط المعنية استغرابها حيال ما تردد عن ان النائب باسيل يشترط التزام الرئيس ميقاتي باقالة الحاكم من اجل ان يسهل له تشكيل الحكومة الجديدة، وترى هذه الاوساط في هذا الشرط تسييساً للملف الذي يفترض ان يبقى قضائياً ويعتمد على الاصول المعتمدة في عمل القضاء، سواء النيابة العامة او المحاكم المختصة.


ارتياح لأرقام الحاكم ومعطياته

في هذه الاثناء، وبعيداً عن حالات "الكر والفر" التي تحمل عناوين قضائية، فإن مراجع مالية ومصرفية ابدت ارتياحها للتصريحات التي ادلى بها سلامة في اطلالته التلفزيونية الاخيرة، وذلك عقب توتر فرضه تباعد المواقف بين السلطة النقدية والقطاع المالي على خلفية المقاربات والمقترحات الواردة في خطة التعافي التي اقرتها الحكومة قبل اعتبارها مستقيلة اثر الانتخابات النيابية، واكدت هذه المراجع ان اقرار سلامة، ولو بالاستنتاج المبني على معطيات رقمية وموثقة، بمسؤولية الدولة المباشرة عن الفجوة المالية في ميزانية البنك المركزي التي تصل إلى نحو 62 مليار دولار، "من شأنه إعادة تصويب قاعدة تحميل المسؤوليات بخلاف ما اقترحته الحكومة بشطب مبالغ من توظيفات المصارف وتحميلها مع مودعيها أعباء تغطية هذه الخسائر". ورجحت حصول تفاعلات إيجابية في أسواق النقد والتعاملات المالية، في ظل تمديد مفاعيل التعاميم الخاصة بضمان تدفق السيولة بالدولار النقدي وبالليرة، إلى جانب التمسك بالدور المحوري للبنك المركزي في إدارة المبادلات اليومية عبر منصة «صيرفة»، علماً بأن الأخيرة تعززت بتدابير تقلص من قدرات المضاربين وتجار العملات على استغلالها، ويجري ترجمتها بتراجع حجم العمليات إلى حدود 30 مليون دولار يومياً مع ثبات سعر صرف الدولار في المنصة دون 25 ألف ليرة لكل دولار. واشارت الى ان تحديد نقطة بدء الانهيار بقرار الحكومة السابقة بتعليق دفع مستحقات سندات الدين الدولية (اليوروبوندز)، من شأنه فتح ملف شائك وكبير يتصل بالتوصيفات المؤذية التي لحقت بالمؤسسات المالية والمصرفية، وتصنيفها بـ"الزومبي"، بينما تثبت الوقائع الميدانية أنها، وبالتعاون الوثيق مع السلطة النقدية، نجحا في إدارة التعامل مع مشكلات جسيمة بنيوياً وخدماتياً على مدار نحو 3 سنوات متواصلة من الانهيارات، ووسط عجز الدولة بكل سلطاتها عن أي دعم أو فعل مساند، ولا سيما لجهة الإهمال المتعمد لأولوية إقرار قانون تنظيم ووضع ضوابط على السحوبات والتحويلات (كابيتال كونترول)، مما ساهم بتأجيج المواجهات بين البنوك وزبائنها. واعتبرت المراجع أن جمعية المصارف "معنية بإعادة تجميع أوراقها استناداً إلى إفصاحات الحاكم، وتجديد التواصل المباشر لاحقاً مع مسؤولين حكوميين ورؤساء الكتل النيابية، بهدف إرساء معادلة متوازنة لتوزيع المسؤوليات والخسائر عبر التحديد المنهجي والنهائي لحجم الفجوة المالية وضرورة الاتفاق بين الأطراف المعنية"، أي الدولة والبنك المركزي والقطاع المصرفي على كيفية توزيع أحمالها والمدى الزمني لاستيعابها، بموازاة توافق على آليات حماية المودعين من الفئات كافة، باستثناء ما يتم إقراره من اقتطاعات على كتلة الفوائد المحققة أو التحويلات التي تتضمن شبهات استغلال الأزمة.

ووفقاً لتقديرات سلامة، فإن لبنان سيحتاج إلى ما بين 15 و20 مليار دولار للنهوض، وهو بحاجة لصندوق النقد، فمن خلاله سيكتسب الثقة مجدداً والممر المطلوب من لبنان، مؤكداً في المقابل، أن "مهمة ميقاتي ليست سهلة، وهو يحاول إيجاد حل نهائي لأزمة لبنان، وهدفه أن يكون لدينا اتفاق مع صندوق النقد، ولا يوجد دولة في العالم عاقبت المودعين، ونحن حافظنا على البنوك للحفاظ على أموال المودعين". وكشف سلامة انه "من الفترة الممتدة من 2010 حتى 2021 أخذ قطاع الطاقة من البنك المركزي نقدا 24 مليارا و537 مليون دولار، أما القطاع العام فأخذ 8 مليارات و320 مليون دولار، وتمويل الاستيراد للمواد المدعومة كلف 7 مليارات و572 مليون دولار، إضافة إلى الخسائر التي تكبدها مصرف لبنان من اليوروبوندز التي بلغت 7 مليارات و446 مليون دولار، أما تكلفة الفائدة على هذه الأموال المأخوذة فكانت 14 مليارا و800 مليون دولار". وبذلك تكون الدولة أخذت بموجب قوانين وخلال 10سنوات 62 مليارا و670 مليون دولار. وابدى مصرفيون ارتياحهم إلى تسليط سلامة الضوء على القرارات الحكومية الخاطئة التي اتخذت والتي "كانت لها عواقب علينا جميعاً وعلى الثقة بالبلد"، معتبرين أنها "أدت إلى الأزمة على العملة"، فيما "من قاموا بذلك هم أنفسهم يلومون مصرف لبنان وحاكمه". وكان سلامة أوضح أنه "عندما وقعت الأزمة في سنة 2019 لم يرتفع سعر الدولار كثيرا، وكان بإمكان اللبنانيين سحب دولاراتهم من البنوك، إلى أن قررت الحكومة اللبنانية التوقف عن دفع السندات، وهنا بدأ التضخم، وبدأ الدولار بالارتفاع"، ليستنتج: "للأسف استطاعوا خلق الفوضى، واعتقدوا أن بإمكانهم خلق نظام آخر أفضل، ولكن النتيجة كانت انهيار الاقتصاد وهجرة اللبنانيين، وألقوا باللوم علي".


القاضية غادة عون.

القاضية غادة عون.

خلال دهم منزل سلامة في الرابية.

خلال دهم منزل سلامة في الرابية.