تفاصيل الخبر

"قطوع" الاستشارات النيابية الملزمة مرّ بصعوبة لكن سهولة تشكيل الحكومة الجديدة ليست مضمونة!

24/06/2022
الرئيس ميشال عون مع " اللقاء النيابي الشمالي" خلال الاستشارات النيابية الملزمة.

الرئيس ميشال عون مع " اللقاء النيابي الشمالي" خلال الاستشارات النيابية الملزمة.


 اذا كان قطوع الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصية تشكيل الحكومة العتيدة قد مرّ بسلام حاملاً الرئيس نجيب ميقاتي الى السراي مجدداً وإن بأصوات قليلة نتيجة عدم تسميته من قبل كتل سياسية عدة اضافة الى نواب مستقلين، فإن "قطوع" التأليف لن يكون بالأمر السهل، وفق ما تؤكد مراجع سياسية مطلعة على التوجهات السياسية في المرحلة المقبلة، وهو الأمر نفسه الذي ينسحب على الاستحقاق الرئاسي مع نهاية ولاية الرئيس ميشال عون في 31 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل، على رغم أن الرئيس عون كان أعرب عن اعتقاده بأن الانتخابات الرئاسية ستحصل قبل تاريخ نهاية ولايته وأنه سيكون للبنان في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) رئيس جديد للجمهورية. أما الأسباب التي تدعو الى الاعتقاد بصعوبة تأليف الحكومة الجديدة فكثيرة لعل أبرزها الآتي:

أولاً: تخوف السياسيين من حصول فراغ رئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس عون ما يجعل الحكومة العتيدة تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة كما ينص الدستور، ما يعني عملياً أن كل عضو من اعضاء هذه الحكومة سيكون، من خلال توقيعه "رئيساً" للجمهورية بسبب امتلاكه حق "الفيتو" لأن كل قرارات الحكومة في ظل الفراغ الرئاسي يفترض أن يوافق عليها اعضاء الحكومة مجتمعين، وبالتالي، فإن المرسوم الذي يصدر ويكرس دستورية قرارات مجلس الوزراء يجب أن يحمل تواقيع الوزراء كافة، وإذا امتنع وزير أو اكثر عن التوقيع، لا يمكن إصدار المرسوم، واستطراداً تكون قرارات مجلس الوزراء غير نافذة. والتجربة مع حكومة الرئيس تمام سلام في زمن الفراغ الرئاسي الذي حصل بعد نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان، خير دليل على ذلك اذ يروي اكثر من وزير في تلك الحكومة المرات الكثيرة التي تعطل فيها صدور مراسيم او تطبيق قرارات لعدم توافر تواقيع كل الوزراء عليها. وبالتالي فإن "الهاجس" الذي يسكن السياسيين هو ما قد تتحمله الحكومة العتيدة من مسؤوليات في حال ملأت الفراغ الرئاسي بصلاحيات الرئيس ما يجعل مواقف الكتل النيابية والاحزاب تأخذ في الاعتبار هذا الامر وتفرض قراءة متأنية لما سيكون عليه قرارها بالمشاركة في هذه الحكومة او عدم المشاركة. واذا كانت مسألة التواقيع باجماع الوزراء اثارت خلال حكومة الرئيس سلام علامات استفهام كثيرة افرزت اجتهادات دستورية، فإن هذه الاشكالية معرضة للظهور من جديد، حيث ان ثمة من يقول إن تواقيع كل الوزراء غير ضرورية اذ يكفي ان توافق الاكثرية الموصوفة على المراسيم وتوقعها لتصبح نافذة وذلك استناداً الى المادة الدستورية التي تشير الى كيفية اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء، والتي تتحدث عن قرارات تتخذ بالتوافق واذا تعذر فبأكثرية الحضور او بأكثرية ثلثي اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، وتعتبر مواضيع اساسية: تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارىء والغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة. الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الاولى وما يعادلها، اعادة النظر في التقسيم الاداري، حل مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الاحوال الشخصية، اقالة الوزراء (الفقرة 5 من المادة 64 من الدستور). وتخشى الاوساط السياسية المتابعة ان تطرح هذه الاشكالية من جديد اذا ما مارست الحكومة العتيدة صلاحيات رئيس الجمهورية في زمن الفراغ الرئاسي.


"تعفف" كتل نيابية عن المشاركة في الحكومة

ثانياً: بروز مواقف قبل الاستشارات النيابية الملزمة وخلالها من قبل كتل نيابية وازنة بعدم المشاركة في الحكومة العتيدة ما سيعقد عملية تأليفها مع وجود آراء تقول إن الحكومة يجب ان تكون حكومة وفاق وطني، اي حكومة سياسية، وآراء اخرى مناقضة وداعية الى حكومة تكنوقراط تواصل تنفيذ ما بدأته حكومة الرئيس ميقاتي الحالية لاسيما في ما خص التفاوض مع صندوق النقد الدولي ومتابعة تنفيذ خطة التعافي الاقتصادي وتقديم مشاريع قوانين امام مجلس النواب بالغاء السرية المصرفية. واعادة هيكلة القطاع المصرفي وغيرها من القوانين الاصلاحية التي يشترط صندوق النقد الدولي إقرارها لإمداد الدولة اللبنانية بقروض مالية طويلة الامد تحددت بثلاثة مليارات دولار اميركي على مدى 4 سنوات. ومعلوم ان الرئيس نجيب ميقاتي كان اعلن مراراً انه يفضل ان تكون الحكومة مشابهة لحكومته الراهنة التي تصرف الاعمال لأن تشكيل حكومة سياسيين سيدخل عملية التأليف في "بازار" الحصص "المنتفخة" للافرقاء السياسيين ما يؤدي عملياً الى تعذر الاتفاق على التركيبة الحكومية العتيدة ويغرق عملية التأليف في دوامة الاخذ والرد التي تفضي الى عدم ولادة الحكومة العتيدة وتجارب الماضي في هذا الاتجاه كثيرة جداً.


ثالثاً: امتلاك الرئيس عون حق التوقيع الاخير على مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة، ما يعني احتمال رفضه اي صيغة يمكن ان يقدمها الرئيس المكلف اذا لم تأخذ في الاعتبار المطالب التي قد يقدمها رئيس الجمهورية لاسيما في ما خص "حصته" في الحكومة الاخيرة من عهده التي هي عملياً "حصة مقنعة" لرئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الذي لم يسم الرئيس المكلف واعلن عدم مشاركة تياره في الحكومة العتيدة. وفي هذا الاطار تعود الاوساط السياسية بالذاكرة الى "المماحكات" التي رافقت تشكيل الحكومة الحالية بين باسيل والرئيس ميقاتي والتي اخرت ولادة الحكومة اسابيع عدة وانتهت بــ "تسوية" قضت بتوزير وزراء سماهم النائب باسيل وفرضهم على ميقاتي من خلال الرئيس عون على اساس ان هؤلاء هم من حصة رئيس الجمهورية، فيما هم فعلياً من اختيار باسيل شخصياً بالاتفاق مع الرئيس عون. وتقول المصادر نفسها إن أحد الشروط الرئيسية التي وضعها ميقاتي لقبوله تشكيل الحكومة الجديدة كان عدم فرض وزراء لا يوافق على توزيرهم خصوصاً اذا كانوا حزبيين "مقنعين" فهو يشترط اطلاق يده في عملية التأليف مع مراعاة نسبية لمطالب الرئيس عون شرط الا تتعدى هذه المطالب "الحد المعقول والمقبول" وان لا تكون رجع صدى لمطالب باسيل الذي ناصب ميقاتي العداء خلال الاشهر الماضية على نطاق واسع من خلال قيادته حملة انتقادات واسعة للرئيس ميقاتي وصلت الى حد اتهامه بحماية "الفاسدين" و"المرتكبين" وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وغيرها من الاتهامات التي رفضها ميقاتي وشن حملة مضادة على باسيل مباشرة حيناً وعبر وسائل الإعلام احياناً.


تصاعد قدرة المعارضين على التعطيل

رابعاً: تنامي موجة المعارضة لأي تركيبة حكومية تضم رموزاً مما يسمى "المنظومة" التي يحملها المعارضون من نواب وغير نواب مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع في البلاد، الامر الذي يجعل مسيرة الحكومة العتيدة مزروعة بالالغام التي قد تعيق تحركها لتحقيق ما هو مطلوب منها في الآتي من الايام، خصوصاً اذا ما مارست صلاحيات رئيس الجمهورية في فترة الفراغ الرئاسي المتوقع حصولها. وقد جاهر نواب المعارضة، وعددهم ليس بقليل، سلفاً بأن مسار الحكومة العتيدة لن يكون "نزهة" وانهم سيكونون بالمرصاد لادائها ولما يمكن ان يصدر عنها من قرارات او مشاريع قوانين تحال الى مجلس النواب لدرسها واقرارها. ويتضح من تركيبة المجلس النيابي الحالية ان الكتل المعارضة ليست في وارد القبول بالاساليب التي كانت معتمدة في السابق في إدارة شؤون البلاد وقد ظهرت مواقف عدة في هذا الاتجاه قبيل بدء الاستشارات النيابية، واستمرت خلالها وبعدها.

 في ضوء ما تقدم، تصبح كفة تعذر تشكيل الحكومة العتيدة راجحة على كفة تشكيلها، علماً ان اسباب عدة يمكن ان "تظهر تباعاً" من خلال مواقف الكتل النيابية ولجوء بعض النواب الى المزايدة على بعضهم الآخر كسباً للشهرة على قاعدة "خالف تعرف" او لاستقطاب الرأي العام الذي يرزح تحت عبء الضائقة الاقتصادية التي يشتد خناقها على اللبنانيين يوماً بعد يوم لأنها تمس مقومات حياتهم اليومية في حقول الغذاء والمحروقات والكهرباء وغيرها من المسائل الحياتية التي تتفاعل سلباً في ظل التدهور المستمر في سعر صرف الليرة اللبنانية حيال الدولار. وبديهي، في حال تعذر تشكيل الحكومة وحصل الفراغ الرئاسي بعد 31 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل ان تتولى حكومة الرئيس ميقاتي التي هي في مرحلة تصريف الاعمال، شؤون البلاد بصلاحيات رئيس الجمهورية، وهو ما يتوقعه كثيرون من المحللين السياسيين الى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية وهي مسألة لن تكون سهلة ايضاً في ظل الانقسامات السياسية الحادة التي فرزت الكتل النيابية الى معسكرين مختلفين بحيث سيكون من المتعذر توافر غالبية الثلثين لتأمين النصاب في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الذي سيخلف الرئيس عون في قصر بعبدا، خصوصاً اذا ما ظلت الاوضاع الاقليمية على حالها من التعقيد لأن المسار الرئاسي في لبنان يتأثر كما دائماً، بما يجري في الاقليم من تطورات لا يبدو انها ستحمل إشارات ايجابية في المدى المنظور!.

حكومة تصريف الأعمال الحالية.

حكومة تصريف الأعمال الحالية.

حكومة الرئيس تمام سلام في زمن الفراغ الرئاسي.

حكومة الرئيس تمام سلام في زمن الفراغ الرئاسي.