تفاصيل الخبر

"ماكرون" مصدوم من القيادات اللبنانية واهتمامه بلبنان تراجع وتلويح أوروبي بعقوبات على معرقلي الحكومة والإصلاحات

23/06/2022
الرئيس "ايمانويل ماكرون" خلال اللقاء الأخير مع الرئيس ميشال عون.

الرئيس "ايمانويل ماكرون" خلال اللقاء الأخير مع الرئيس ميشال عون.


 ترصد الأوساط السياسية باهتمام بالغ التحركات التي تقوم بها السفيرة الفرنسية في بيروت "آن غريو" واللقاءات التي تعقدها مع رسميين وسياسيين، ومنهم من لم تلتقهم من قبل. وقد تكشفت هذه اللقاءات بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وتحديداً بعد اعتبار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مستقيلة. وفي حين تدرج السفيرة "غريو" زياراتها في الإطار الروتيني للاستماع الى وجهات نظر الافرقاء اللبنانيين والبحث معهم في موضوع المساعدات الفرنسية للبنان بعد الاتفاق الذي تم مع السعودية على اقامة الصندوق المشترك للاهتمام بالشعب اللبناني وحاجاته الاجتماعية والانسانية، فإن مصادر متابعة تؤكد بأنه يستدل من نوعية الاسئلة التي تطرحها رئيسة الديبلوماسية الفرنسية في لبنان ان الامر يتجاوز "الزيارات الروتينية" الى جمع المعلومات لارسالها الى باريس التي لا تزال تتابع مسار الاوضاع في لبنان من دون ان تتدخل بشكل مباشر في حيثياتها كما كان يفعل الرئيس الفرنسي"ايمانويل ماكرون" في السابق. وتعزو هذه المصادر اسباب "تراجع" اهتمام "ماكرون" بالوضع اللبناني، في ما عدا بعض الاشارات المتفرقة من حين الى آخر، الى اعتبارات عدة ابرزها الآتي:


أولاً: تكونت لدى "ماكرون" قناعة بأن الاطراف السياسيين اللبنانيين لم يكونوا على قدر المسؤولية في تلقفهم مبادرته في الاول من آب (اغسطس) 2020 في قصر الصنوبر وما بات يعرف في "ورقة الطريق" (feuille de route) التي قدمها اليهم وضمنها رؤيته الى مسار الحل للأزمة اللبنانية الراهنة بشقيها السياسي والاقتصادي. وفي هذا السياق، تقول المصادر ان "ماكرون" كشف امام معاونيه قبل الانتخابات الرئاسية الاخيرة انه "مصدوم" (choqué) من اللامبالاة التي قوبلت به مساعيه للوصول الى حل الازمة اللبنانية، وان القادة الذين التقاهم في قصر الصنوبر وعدوه بشيء وفعلوا اشياء اخرى منذ ان تم تسويق السفير مصطفى اديب لترؤس حكومة اختصاصيين تنكب على اعداد الاصلاحات الضرورية لاخراج البلاد من النفق التي كانت تنزلق اليه، وصولاً الى عدم تسهيل مهمة الرئيس نجيب ميقاتي بعيد تكليفه ترؤس الحكومة التي تلت حكومة الرئيس حسان دياب. وعلى رغم الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي أرسلها "ماكرون" الى القيادات اللبنانية، فغن ردة الفعل ظلت "باهتة" ولم ترتق الى مستوى التجاوب ولو في الحد الادنى. حتى ان "عتب" الرئيس "ماكرون" طاول ايضاً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان "ماكرون" يريد منه ان يلعب دوراً اكثر فاعلية في تقريب وجهات النظر بين القيادات السياسية المختلفة وان يتحمل مسؤولياته كاملة كونه رئيس البلاد والمؤتمن على الدستور. كذلك لم يجد "ماكرون" اي مبرر للرئيس نبيه بري في عدم المبادرة من موقعه التشريعي الى اعداد القوانين الاصلاحية اللازمة وخصوصاً قانون "الكابيتال كونترول" ومسألة التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان ولم يسهل تمرير هذا التدقيق بشكل سلس بل ساهم في شكل او بآخر بتأخير البدء به. وهذا الامر دفع بالرئيس الفرنسي الى اقامة علاقات مباشرة مع القيادة السياسية لحزب الله من دون مقاربة البعد العسكري للحزب. وتجلى ذلك بوضوح في التعاون الذي قام بين وزير الحزب وزير الاشغال العامة والنقل علي حمية الذي لقي كل دعم وتعاون مع السلطات الفرنسية في كل ما طلبه سواء بالنسبة الى مرفأ بيروت (مشروع الحاويات) او بالنسبة الى اوتوبيسات النقل المشترك التي تبرعت بها فرنسا هبة الى وزارة الاشغال وارسلت الى بيروت في فترة زمنية قياسية.


ثانياً: حصول تحولات داخل الفريق المعاون للرئيس "ماكرون" سوف تبرز نتائجها بعد استكمال الانتخابات النيابية الفرنسية وتبيان نتائجها لعل ابرزها الخروج المتوقع لرئيس الاستخبارات الخارجية السفير "برنار ايمييه" من مركزه المؤثر في السياسة الفرنسية الخارجية، والذي يعتبر احد الاختصاصيين في الملف اللبناني منذ درسه عن "الغايب" يوم كان سفيراً لبلاده في العاصمة اللبنانية. ويأتي خروج "ايمييه" من موقعه الحساس بعد تعثره في سلسلة ملفات تولاها وانعكست سلباً من خلال الاداء غير المناسب الذي انعكس على العلاقات الفرنسية مع عدد من الدول. كذلك ستكون حالة المستشار السفير"ايمانويل بون" الذي كان هو الاخر سفيراً لفرنسا في بيروت وباتت كلمته مسموعة لدى "ماكرون" وأحد اركان فريقه السياسي البارزين. واذا كانت الاسباب المعلنة لخروج السفير "بون" هي اسباب صحية، الا ان الواضح ان "بون" لم يعد يجد نفسه قادراً على التعاون مع فريق "ماكرون" نتيجة تراكم الكثير من الالتباسات التي تحولت الى مشاكل بسبب شخصيته التصادمية. والملفت ان "بون" و"ايمييه" ظلا على تواصل مع قيادات سياسية لبنانية بعد زيارتي "ماكرون" الى بيروت، لكنهما لم يتمكنا من التأثير على هذه القيادات لتصحيح مسارها وتتجاوب مع رغبات "ماكرون" في اكثر من مجال.... ويتوقع ان يحل مكان "بون" و"ايمييه" من هما اقرب الى "ماكرون" من ابرز معاونيه خلال معركته الانتخابية في شهر ايار (مايو) الماضي.


ثالثا: انهماك "ماكرون" بالتطورات المتسارعة في الحرب الروسية الاوكرانية واعطائه الاولوية في معالجتها لاسيما لجهة تسهيل انضمام اوكرانيا الى اوروبا وابعادها عن "حلف الناتو" من جهة، اضافة الى تنظيم مسألة تأمين اوروبا بالمحروقات والمواد الغذائية اللازمة.  وفي هذا السياق تأتي زيارة "ماكرون" مع مستشار المانيا ورئيس الوزراء الايطالي يوم الخميس الماضي الى كييف.


عودة "نغمة" فرض العقوبات

في غضون ذلك، عادت "نغمة" فرض العقوبات على السياسيين اللبنانيين الذين يعطلون تنفيذ الاصلاحات الى الظهور من جديد في محاولة مباشرة للضغط على مراجع سياسية محددة لتسهيل ولادة الحكومة الجديدة من دون ان يعني ذلك، حسب مصدر ديبلوماسي مطلع تدخل باريس في هوية الرئيس العتيد للحكومة، وفي هذا السياق، نقل المصدر نفسه معلومات مفادها ان دول الاتحاد الاوروبي ستعيد الاسبوع المقبل خلال اجتماعها بحث العقوبات على عدد من السياسيين اللبنانيين الذين يعطلون الاصلاحات الموجودة في خطة صندوق النقد الدولي التي يجب ان تحظى بموافقة البرلمان. وقال المسؤول انه سبق لفرنسا قبل تشكيل حكومة نجيب ميقاتي ان فرضت عقوبات على سياسيين لبنانيين رافضاً الكشف عن هوياتهم، ولكنه اوضح انها رفضت اعطاءهم تأشيرات "شينغين" وان الاتحاد الاوروبي مستعد مجدداً لأن يدرس الموضوع الاسبوع المقبل.


وقال المصدر إنه لا يمكن انتظار التصويت على خطة الصندوق في البرلمان الى الأبد، لأن الصندوق قد يأتي بــ 3 او 4 مليارات دولار للبنان ولكن الأهم انه يفتح المجال لمؤتمر للمولين الدوليين تنظمه فرنسا لكي تتيح للبنان الخروج من المأزق.

الى ذلك، قال المصدر يبدو لباريس وللعواصم الغربية الاخرى المهتمة بلبنان ان مسألة تعيين رئيس حكومة وتشكيل حكومة ستكون معقدة جداً وذلك قد يزيد التدهور في لبنان اذا تأخرت الاصلاحات، وان الرئيس ميقاتي لكونه يرأس حكومة تصريف اعمال قد يكون الخيار الافضل في ظل صعوبات التكليف لتنفيذ الاصلاحات الملحة المطلوبة من صندوق النقد الدولي، وهو الاجدر مع حكومة تصريف الاعمال لان يسرع في التنفيذ من الانتظار حتى يحسم موضوع تكليف شخصية اخرى وتشكيل حكومة، ما سيأخذ وقتاً طويلاً ولبنان لم يعد بامكانه الانتظار، اما التحليل الفرنسي بالنسبة للانتخابات الرئاسية فهو انه ليس للرئيس "ماكرون" مثلما نشر في بعض وسائل الاعلام اللبنانية اي مرشح وما قيل عن الموضوع لا اساس له. فالأوساط الفرنسية المتابعة للموضوع اللبناني مدركة ان المرشحين المحتملين لخلافة الرئيس ميشال عون هم القادة المسيحيون الثلاثة المعروفون سليمان فرنجية وجبران باسيل وسمير جعجع، واذا تعذر الاتفاق على احدهم فعندئذ قد يتم الاتفاق على العماد جوزف عون فهو رابع مرشح محتمل، واذا تعذر انتخاب احد هؤلاء الاربعة فقد يتم ايجاد شخصية خامسة اخرى. فكل هذه تكهنات مبنية على تحليل مبني على الوضع في لبنان ولكن العواصم الغربية حالياً مهتمة بالحاح بتنفيذ رئيس حكومة تصريف الاعمال التي يرأسها ميقاتي الاصلاحات الضرورية للبدء بالخروج من الأزمة.

وخلال  لقائه مع القيادات السياسية في قصر الصنوبر عام 2020.

وخلال لقائه مع القيادات السياسية في قصر الصنوبر عام 2020.

السفير "برنار إيمييه".

السفير "برنار إيمييه".

السفير "ايمانويل بون".

السفير "ايمانويل بون".