تفاصيل الخبر

مجلس القضاء الأعلى أمام تحديين: "تسوية" سياسية لملف رؤساء محاكم التمييز... ومعاقبة عون وقردوحي!

23/06/2022
مجلس القضاء الأعلى مجتمعاً برئاسة القاضي سهيل عبود.

مجلس القضاء الأعلى مجتمعاً برئاسة القاضي سهيل عبود.


 مرة جديدة تبدو فيها السلطة القضائية، وهي السلطة الثالثة في لبنان، بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية، في وضع لا تحسد عليه لأنها، بعدما كانت كامرأة قيصر، باتت سلعة اختيارية تتناولها الشفاه والألسن ومواقع الإعلام والتواصل الاجتماعي، تجرّح بها، وتطلق عليها شتى النعوت، بين شماتة حيناً، وادانات احياناً، وصولاً الى حد الشتم والاساءة المعنوية والمادية. القضاء في لبنان يمر في اسوأ ايامه منذ قيام الدولة اللبنانية، في وقت لا يجرؤ اي مسؤول في السلطة التنفيذية او في مجلس النواب على معالجة ما يحصل في القضاء، لا بل فإن العكس صحيح، بمعنى ان ثمة افرقاء في السلطتين، ساهموا ويساهمون في استهداف القضاء، تارة من خلال التدخل والضغط على قضاة، وطوراً من خلال تعطيل قدرة المجلس الأعلى للقضاء على اتخاذ قرارات معينة كما حصل بالنسبة الى تعيين رؤساء محاكم التمييز، صحيح ان المجلس استطاع اصدار بعض القرارات بالاجماع معطياً صورة عن وحدته، الا انه اصطدم في قرارات اخرى بــ "قوى التعطيل" ووقف عاجزاً عن لعب دوره كسلطة يصفها الدستور بــ "المستقلة"، لكنها في الواقع خاضعة مباشرة او غير مباشرة، لمزاج السياسيين وتوجهات مصالحهم المتعددة. وفي مواجهة هذا الواقع، يحرص اركان في مجلس القضاء الاعلى على التركيز على التزامهم الحفاظ على وحدة القضاء وتماسكه وتعاضده على رغم كل "الهبات" الباردة والساخنة، التي لفحت فيه، وذلك على قاعدة ان هذا التماسك "مؤشر خير للمستقبل" لـ"خميرة" لبنانية مرتجاة في زمن التعثر السياسي. ويقول ركن قضائي بارز ان المؤسسة القضائية حافظت على "جمعة العائلة" ولم شملها في كل تلاوينها، مع التصدي الدائم لعواصف الانقسام السياسي ما مكن القضاة من مواجهة التحديات المعيشية والمعنوية التي طاولتهم وتطاولهم كسائر المواطنين، على رغم وطأة الاوضاع الاقتصادية وتجاهل السلطة السياسية لمطالب القضاة المعتكفين.

ولعل من اخطر "استهدافات" الجسم القضائي اقحام المسؤولين الكبار فيه في "اتون" الطموحات السياسية مثل الحديث عن وجود مرشحين للرئاسة الاولى او الرئاسة الثالثة في صفوف كبار القضاة على نحو ما تعرض له قضاة كبار في الماضي مثل القاضي الراحل فيليب خير الله الذي فصل في دعاوى خطيرة قبل اعوام، والقاضي الراحل منيف عويدات. وبدا ان من خلفهم اليوم في المواقع نفسها اعطوا الاولوية لمعالجة الهم الاجتماعي والمعنوي للقضاة الذين لم يشهدوا ما يعيشونه اليوم كحال البلاد كلها ومواطنيه وتداعيات ما يحصل على الدولة حيث القضاء جزء من مؤسساتها، لكن الى جانب الاهتمام بالشؤون الحياتية والاجتماعية للقضاة، تشير مصادر متابعة الى وجود تحديات اخرى مرتبطة بأداء مجلس القضاء الأعلى، الاول هو كيفية مقاربة العقدة المتمثلة بتجميد وزير المال يوسف خليل مرسوم تعيين رؤساء محاكم التمييز منذ ما قبل الانتخابات النيابية، والثاني قضية المدعي العام في جبل لبنان القاضية غادة عون التي احيلت الى التفتيش المركزي مع ما تردد من كلام نسب الى رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود الذي اقترح وقفها عن العمل مع قاض ثان هو القاضي شادي قردوحي، وصولاً الى طردهما من السلك القضائي.


تسوية في ملف رؤساء محاكم التمييز...

بالنسبة الى ملف رؤساء محاكم التمييز، تفيد المعلومات ان وزير المال لا يزال على موقفه لجهة عدم توقيع المرسوم بناء على طلب رئيس مجلس النواب نبيه بري بذريعة حصول خلل طائفي يجعل اعضاء الهيئة المسيحيين اكثر من المسلمين ( 6 مقابل 5)، الامر الذي يرد عليه مجلس القضاء بالقول انها ليست المرة الاولى التي تتشكل هيئة رؤساء محاكم التمييز على هذا النحو ولم يكن يعترض احد حتى وزراء المال الذين تعاقبوا، وكانوا ينتمون الى الطائفة الشيعية. ما يعني ان وراء الاكمة ما وراءها حيث ان المقصود عدم تمكين هيئة محاكم التمييز من الانعقاد للبت في دعاوى المخاصمة التي رفعها النائب علي حسن خليل وزميله النائب غازي زعيتر ضد المحقق العدلي القاضي طارق بيطار، والتي ادت الى تجميده عن متابعة التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت. وفي هذا الاطار قالت مصادر مطلعة ان نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب تولى بتكليف من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، القيام بوساطة مع الرئيس بري للوصول الى حل وسط يقضي بإبقاء قرار تشكيل هيئة رؤساء محاكم التمييز كما اعده مجلس القضاء الاعلى اي 11 عضواً برئاسة القاضي عبود، على ان يفوض القاضي عبود عند التئام الهيئة الى احد القضاة المسيحيين الخمسة المعينين صلاحيات الانابة عنه ما يجعل عدد الاعضاء مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، على ان يرأس عبود الهيئة عند الضرورة القصوى، اما في الحالات العادية فتكون تركيبة الهيئة مناصفة ولا يزال هذا الاقتراح قيد التداول من دون الوصول الى صيغة نهائية بعدما قيل ان القاضي عبود "تحفظ" على هذا الاقتراح، لكنه وعد الا يكون حجر عثرة امام الحل- التسوية شرط الا يتغير القرار الذي صدر عن مجلس القضاء وان يكون في استطاعته ترؤس الهيئة عند الضرورة القصوى فيمارس بذلك حقه الطبيعي. لكن ثمة من قال إن وساطة بو صعب تشمل ايضاً اكثر من ملف رؤساء محاكم التمييز الى قضايا اخرى عالقة عند الرئيس بري، مثل مراسيم ترقية العقداء في الجيش الى رتبة عميد الموقوف لدى وزير المال ايضاً، ومرسوم حراس الاحراج وتعيينات مجلس عمداء الجامعة اللبنانية. وفي المعلومات ان السعي قائم لتكون معالجة هذه المسائل العالقة لدى الوزير خليل بطلب من الرئيس بري، ضمن "سلة واحدة"، لكن هذا السعي لا يزال، على ما يبدو، يحتاج الى جهود اضافية تعهد الرئيس بو صعب الاستمرار فيها للوصول الى خواتيم سعيدة واللافت في هذا السياق ان الرئيس نجيب ميقاتي وافق على "التسوية" المشار اليها خلال الاجتماع الذي عقد في قصر بعبدا قبيل وصول الوسيط الاميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية اموس هوكستين الى لبنان قبل اسبوعين.


.... وصمت في ملف القاضيين عون وقردوحي

اما في ما خص قضية القاضية عون والقاضي قردوحي، فيسود صمت في أروقة القضاء بعد الكلام عن تداول اقتراح طلب مجلس القضاء الأعلى من هيئة التفتيش القضائي إعداد تقرير عن القاضية عون تمهيداً للطلب من وزير العدل هنري خوري وقف القاضيين عون وقردوحي عن العمل، ووصل حد التداول بهذا الموضوع الى التلويح بتطبيق المادة 95 في قانون التنظيم القضائي التي تجيز لمجلس القضاء طرد قاض من دون محاكمة في قرار مبرم يصدره بأكثرية ثمانية أعضاء. وتنص المادة 95: "خارجاً عن كل ملاحقة تأديبية، لمجلس القضاء أن يقرر في أي وقت عدم أهلية القاضي الأصيل بقرار معلل يصدر بناء على اقتراح هيئة التفتيش القضائي وبعد الاستماع الى القاضي المعني وذلك بأكثرية ثمانية من أعضائه". وقرار عدم أهلية قاض غير قابل للطعن. وتستدعي هذه المادة دعوة القاضي المعني الى مجلس القضاء. ولم يسبق ان شهد القضاء اللجوء الى هذه المادة انما اكتفى بالتلويح بتطبيقها عام 2013 بحق قضاة أصيلين عندما جرى استدعاء احد القضاة في القضاء العدلي، بعد استدعائه الى مجلس القضاء عملاً بالمادة 95، ما استتبع تقديم هذا القاضي استقالته قبل اللجوء الى تطبيقها في حقه والذي يحرمه من مستحقات التعويض. وتختلف الإجراءات المتعلقة بهذه المادة في حق القاضي عن قرار وزير العدل بوقف القاضي عن العمل. وقد طبقه الوزير السابق للعدل القاضي ألبرت سرحان عام 2019 في حق خمسة قضاة، وذلك بناء على اقتراح مجلس هيئة التفتيش القضائي وتقرير الأخير إحالتهم على المجلس التأديبي بعد التحقيق معهم أمامه. ولم يرشح أي معطيات عن مجلس القضاء في شأن هذا الطرح كون مداولاته سرية، ولاسيما تلك المتعلقة بالقضايا المسلكية والتفتيش القضائي والمجلس التأديبي السرية الطابع. كما لم يرشح اتخاذ قرار مماثل. وقد عقّبت القاضية عون، في تغريدة على "تويتر" على التداول الإعلامي لمشروع طرح إعلان عدم أهليتها بأنها لم تتبلغ أي دعوة من هذا القبيل من مجلس القضاء للحضور، ومن ثم حذفتها. وربطت في تغريداتها ما تتعرض له من إحالة على المجلس التأديبي أو تناقل الطرح الأخير لفتحها ملفات فساد، ودوّنت على صفحتها: "بدهن يطردوني بعد 40 سنة عمل دؤوب متفان بشرف وضمير حر لإحقاق الحق والعدل. لماذا؟ لأني فتحت ملفات فساد طاولت الكبار وسارقي المال العام وناهبي ثروات الناس والذين أوصلوا هذا البلد المسكين الى الحضيض. يا عيب الشوم، بس مش عارفين انّو فوق العالي أعلى وان الرب يحفظ بحدقة عينه أتقياءه. مساكين". وبدوره يأخذ القاضي شادي قردوحي المستشار المنتدب في محكمة الجنايات في جبل لبنان مسلك التعبير على وسيلة التواصل إياها وصفحته على "فايسبوك"، وكتب أخيراً: "تم الإدعاء على قاض لبناني جزائياً بجرم تحقير القضاء على خلفية منشورات على فايسبوك ينتقد فيها الفساد في القضاء". وفي تدوينة أخرى: "ما حدا يخوّفنا. معكم النفوذ والمال والإعلام المضلل والنفوس الدنيئة، بالمقابل معنا الحق". (نقطة عالسطر).

وفي تقدير متابعين ان أياً من الطرحين سواء الوقف عن العمل بقرار من وزير العدل او تطبيق المادة 95، في حال بحثهما من مجلس القضاء، مرشحة قابليته للتجميد في المرحلة الراهنة، وما دامت الإحالة على المجلس التأديبي تأخذ مجراها. الا اذا حصلت تطورات او مداخلات تدفع في اتجاه اجراءات قاسية في حق القاضيين عون وقردوحي... ويقولون بعد كل ذلك ان السلطة القضائية في لبنان مستقلة!



القاضية غادة عون.

القاضية غادة عون.

القاضي شادي قردوحي.

القاضي شادي قردوحي.

وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري خوري.

وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري خوري.