تفاصيل الخبر

لهذه الأسباب يصر البطريرك الراعي على انتخاب الرئيس العتيد ضمن مهلة الشهرين قبل انتهاء ولاية عون...

16/06/2022
الرئيس ميشال عون والبطريرك بشارة الراعي.

الرئيس ميشال عون والبطريرك بشارة الراعي.


 تكاد لا تخلو عظة أو كلمة للبطريرك الماورني مار بشارة بطرس الراعي في كل المناسبات من دعوة الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة الدستورية اي خلال شهرين من انتهاء ولاية الرئيس العماد ميشال عون في 31 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل، الأمر الذي دفع المراقبين الى التساؤل عن اسباب إصرار البطريرك الماروني على هذا الموقف الذي يكرره بشكل مستدام حتى بات لازمة في كل عظاته وخطبه، الامر الذي دفع برأس الكنيسة المارونية الى التأكيد بأن مواقفه المتكررة في هذا المجال هدفها الاضاءة على الملف الرئاسي وضرورة انجاز هذا الاستحقاق في موعده الدستوري تفادياً لحصول فراغ في موقع الرئاسة، كما حصل بعد عهد الرئيس اميل لحود والذي استمر حتى 25 ايار (مايو) 2008 وعهد الرئيس ميشال سليمان الذي استمر حتى موعد انتخاب الرئيس عون متجاوزاً فترة السنتين. وفي حسابات البطريرك ان المخاوف من حصول الفراغ الرئاسي لها ما يبررها خصوصاً بعد المشهد النيابي الذي افرزته انتخابات 15 ايار (مايو) الماضي والذي تجلى يوم انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه وهيئة مكتب المجلس، بحيث لم يتمكن الرئيس نبيه بري من الحصول على اكثر من 65 صوتاً، وكذلك نائبه الياس بو صعب، واعضاء مكتب المجلس، ما يعني ان التجاذبات التي تحيط بالكتل النيابية كثيرة والتناقض في المواقف واسع الاطار وامكانية توافر اكثرية الثلثين لتأمين نصاب الجلسة الانتخابية الرئاسية قد تكون صعبة اذا لم يتحقق الاتفاق على هوية الرئيس العتيد من قبل 84 نائباً على الاقل، وهذا الرقم يشكل اكثرية الثلثين التي يحول عدم توافرها دون توافر النصاب المطلوب. اضف الى ذلك ان البطريرك الراعي يخشى من استمرار ما يسميه "المؤامرة على الوطن" التي تلبس لبوساً متنوعاً، فهي تارة سياسية، وتارة اخرى اقتصادية وطوراً امنية. لذلك يسعى البطريرك الى الاستفادة من فترة الهدوء الذي ينعم بها لبنان حالياً، ولو مع وجود ازمة اقتصادية موجعة، لتأمين انتخاب الرئيس، الذي يصبح ممكناً ابتداء من 31 آب (اغسطس) المقبل.

وما يزيد من مخاوف البطريرك الراعي، وفق مصادر بكركي، هو الخلاف القوي بين الكتل النيابية المسيحية، وتحديداً بين "التيار الوطني الحر" من جهة و"القوات اللبنانية" من جهة اخرى، وهو خلاف اتسم بالحدة بعد فشل كل مساعي رأب الصدع التي قام بها البطريرك في اكثر من مناسبة لكن ظلت من دون نتيجة. كذلك الخلاف بين "التيار" وحزب الكتائب الذي ليس في الحدة نفسها للخلاف الاولى، لكنه موجود ومؤثر، علماً ان عدد نواب "القوات" في مجلس 2022 بلغ 19 نائباً ويمكن ان يرتفع العدد اذا ما نسجت "القوات" تحالفات مع كتل اخرى تطلق على  نفسها توصيف "الكتل السيادية" والتي  تحالفات مع بعضها في الانتخابات النيابية. علماً ان ثمة من يتحدث عن "أدوار خارجية"  تعمل على تسجيل جمع نواب "القوات" مع نواب آخرين من الطائفة السنية لتعذر اي توافق بين "القوات" ونواب الطائفة الشيعية. ويلعب التأثير السعودي في هذا لاطار دوراً لافتاً وقد ظهر في مناسبات عدة، قبل الانتخابات وبعدها قبل سفر السفير السعودي الى الرياض للتشاور مع حكومته. والواقع ان ما يقلق البطريرك ليس الخلاف المسيحي- المسيحي، بل كذلك غياب القرار السني الموحد الذي ضاع في الانتخابات الاخيرة على اثر قرار الرئيس الحريري بتعليق العمل السياسي وعدم خوض الانتخابات لا ترشيحاً ولا اقتراعاً، وقد ترك هذا القرار بصمات واضحة في نسبة الاقبال السني على الاقتراع من جهة، وفي نوعية التمثيل النيابي السني وتشتته من جهة اخرى. وبالتالي فإن غياب الموقف السني الموحد حيال الاستحقاق الرئاسي من شأنه ان يفتح الباب امام تعدد التوجهات ما يجعل امكانية التفاهم بين الكتل النيابية على مرشح رئاسي واحد، صعبة ومعقدة. ولأن رئيس الجمهورية لا بد ان يكون ممثلاً لجميع اللبنانيين فإن البطريرك يرى انه من خلال فتح الباب امام الانتخاب الرئاسي العتيد ضمن مهلة الشهرين المحددة في الدستور يفسح في المجال امام تحقيق اوسع مشاركة ممكنة بين النواب من مختلف الطوائف لعدم الوصول الى موعد انتهاء ولاية الرئيس عون من دون وجود من يخلفه في السدة الرئاسية.


المناخ الدولي وتحرك الفاتيكان وباريس

ولعل ما يدفع البطريرك الى هذا الموقف المتشدد حيال ضرورة انتخاب الرئيس العتيد، هو ان المناخ الدولي لا يزال غامضاً تجاه هذا الملف لاسيما وان العادة درجت بأن تأتي كلمة السر من الخارج، كما كان يحصل ما قبل الطائف ثم استمر بعد الطائف وإن تنوعت مصادر كلمة السر هذه. وفي هذا الاطار تقول مصادر متابعة ان العامل الخارجي كان دائماً "الناخب الاول" في رئاسة الجمهورية اللبنانية، الامر الذي جعل مراكز القرار في عدد من عواصم الدول الكبرى تدرس امكانية القيام بتحرك جدي لانقاذ الاستحقاق الرئاسي، لأن هذه المراكز تدرس عدم قدرة اللبنانيين على انجاز استحقاق كهذا. وفي هذا السياق تحدثت مصادر ديبلوماسية ان التواصل لم ينقطع بين دوائر الايليزيه والدوائر الفاتيكانية حول الملف اللبناني عموماً والملف الرئاسي خصوصاً انطلاقاً من التقاء باريس والفاتيكان على ضرورة استمرار عمل المؤسسات الشرعية اللبنانية وعدم الجنوح نحو الفراغ. واشارت هذه المصادر الى ان احد العائدين من الزيارة بعيداً عن الاضواء الى الكرسي الرسولي نقل ان ثمة من يشعر في الدائرة البابوية بالخوف على مصير الانتخابات الرئاسية خصوصا بعد تجربتي ما بعد عهدي الرئيسين لحود وسليمان، ولا يريد الفاتيكان ان يكون التعطيل من بوابة الرئاسة مدخلاً لمؤتمر تأسيسي يكون البديل عن اتفاق الطائف لأن المخاوف كثيرة من الاطاحة بالمناصفة التي كرسها الطائف، خصوصاً ان الكرسي الرسولي متمسك بصيغة التعايش المسيحي- الاسلامي، ولا يريد ان يخسر مسيحيو الشرق مركزهم الاول في لبنان. وعليه، فإن المعلومات تشير ان  الكرسي الرسولي سيفعل كل ما بوسعه لمنع الفراغ الرئاسي وان قنوات التواصل ستبقى مفتوحة مع الايليزيه لمتابعة ملف الانتخابات الرئاسية، وسيرتفع مستوى التنسيق في الاسابيع والاشهر المقبلة قبل الدخول في المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد الجمهورية. من هنا تنتظر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مهمة شاقة في لبنان، وقد تكون اصعب من زيارته بيروت بعد انفجار المرفأ وطرح تأليف حكومة اختصاصيين مستقلة، فالرئيس الفرنسي لا ينظر بعين الراحة للقوى السياسية ويعلم كيف تتحايل على المبادرات وعلى رأسها المبادرة الفرنسية الاخيرة، التي كانت كفيلة باخراج لبنان من ازمته الاقتصادية والسياسية التي تعصف به. ولا تملك باريس حتى الساعة مبادرة كاملة تتعلق بالاستحقاق الرئاسي، لكنها ستركز في الفترة المقبلة على العناوين العريضة التي ترددها دائماً وهي ضرورة تأليف حكومة وانتخاب رئيس جمهورية ومنع الفراغ والمباشرة بالاصلاحات المطلوبة لكي يحصل لبنان على المساعدات، وهذه العناوين تسبق الدخول الفرنسي في التفاصيل والاسماء.

في اي حال تتوقع الأوساط السياسية المتابعة ان يفتح الملف الرئاسي على نطاق واسع بعد الانتهاء "من ورشة تشكيل الحكومة" التي يفترض ان تبدأ الاسبوع المقبل مع إجراء الاستشارات النيابية الملزمة في قصر بعبدا.