تفاصيل الخبر

حكومة تصريف الأعمال حتى إشعار آخر... فهل تتولى صلاحيات الرئيس في زمن الفراغ؟

16/06/2022
حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في الصورة التذكارية مع الرئيسين ميشال عون ونبيه بري.

حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في الصورة التذكارية مع الرئيسين ميشال عون ونبيه بري.


 بصرف النظر عما ستكون عليه نتائج الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصية سياسية او اقتصادية تشكيل الحكومة العتيدة، فإن الأوساط السياسية لا تزال تخشى تعذر الاتفاق على التشكيل في ظل التجاذبات السياسية القوية وتشرذم مواقف الكتل النيابية الذي برز ايضا خلال انتخابات رئيس مجلس النواب ونائب الرئيس واعضاء هيئة مكتب المجلس، وتعود هذه المخاوف الى ان ثمة من يرى انه سيكون من المتعذر التفاهم على التركيبة الحكومية لاسيما وان لا اتفاق مسبقاً على نوعيتها، هل هي حكومة تكنوقراط، او حكومة سياسية كما يطالب البعض او حكومة مختلطة اي تكنوسياسية، في وقت يرى البعض ان احتمال تعويم الحكومة الحالية يبقى وارداً اذا تعذر الوصول التفاهم على حكومة جديدة، على رغم ان الرئيس نجيب ميقاتي يؤكد ان لا مجال للتعويم وان من الافضل تشكيل حكومة جديدة بصرف النظر عما اذا كانت برئاسته او برئاسة غيره. ولأن الخوف من تعثر ولادة الحكومة الاخيرة في عهد الرئيس ميشال عون الذي ينتهي في 31 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل، يبقى ماثلا امام الاوساط السياسية احتمال بقاء حكومة تصريف الاعمال على حالها لاستكمال، ضمن المفهوم الضيق لتصريف الاعمال، البحث في المشاريع التي وضعتها الحكومة قبل اعتبارها مستقيلة، اضافة الى معاودة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول خطة التعافي الاقتصادية لاسيما وان ادارة الصندوق ابلغت لبنان رسمياً انها ستستمر في برنامج التفاوض، وسوف تعتمد حضور الصندوق في لبنان لاسيما بعد تعيين ممثل مقيم له في العاصمة اللبنانية بعد انقطاع دام سنوات، فضلاً عن اقرار الموازنة وتطبيق الاصلاحات وغيرها من الخطوات الضرورية للحد من معاناة المواطنين.

وفي هذا السياق، أثار بعض المحللين مسألة قدرة الحكومة التي تصرف الاعمال على القيام بكل الخطوات المشار اليها اعلاه، وبالتالي حتمية تعويم الحكومة او بلغة غير دستورية "تفعيلها". غير ان ثمة من يرى ان المادة 64 من الدستور واضحة لجهة ان الحكومة المستقيلة تمارس صلاحياتها بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال، الامر الذي يجعل امكانية الاجتهاد في معرض النص غير  ممكنة، والحديث بالتالي عن "التعويم" هو كلام في السياسة لا ترجمة دستورية مباشرة له نظرا لوضع المادة 64 فضلاً عن ان الالية الدستورية محددة ايضا لجهة وجوب الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة ومن ثم تشكيل هذه الاخيرة. وهذا يعني ان "تفعيل" الحكومة القائمة (المستقيلة) يقتصر على اعطائها بعض الزخم في السياسة، ولكن مع استحالة تخطيها المعنى الضيق لتصريف الاعمال في ممارسة صلاحياتها، اي عدم جواز ان تعقد اتفاقات مقيدة للحكومة اللاحقة وعدم جواز عدم نفقات (قروض مثلاً) بل اقتصار دورها على ما هو ملح للغاية ولا يرتبط بمهل دستورية او قانونية ملزمة. وكذلك يعني ايضا ان الطريقة الوحيدة "للتعويم" هي عبر تسمية رئيس الحكومة ذاته (اذ قرر مجلس النواب ذلك) الذي يعرض بالاتفاق مع رئيس الجمهورية وموافقته التشكيلة الحكومية، بياناً وزارياً تتقدم به الى المجلس لنيل الثقة. اذن لا طريق آخر ولا سيناريو خارج هذا الاطار الدستوري وكل ما عداه يكون في سياق التوافق السياسي الذي قد يذهب في اتجاه منح الحكومة المستقيلة هوامش خارج المعنى الضيق لتصريف الاعمال، فتقوم بما يعتبره اجتهاد مجلس شورى الدولة منذ ستينات القرن الماضي خروجاً عن المعنى الضيق لتصريف الاعمال وقابلاً تالياً للإبطال. ويحذر القانونيون من سلوك هذا التوجه لعدم دستوريته حتى لو حصل التوافق السياسي عليه، معتبرين ان الدستور ليس وجهة نظر . 

تجدر الاشارة الى ان لبنان شهد اكثر من حالة في توسيع مفهوم تصريف الاعمال سواء قبل الطائف او بعده، ولعل تجربة الرئيس الشهيد رشيد كرامي هي الاوضح من خلال اقرار حكومة مستقيلة الموازنة. وبعد الطائف على سبيل المثال لا الحصر، اجتمعت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة صيف العام 2013 بعد تكليف الرئيس تمام سلام في 6 نيسان (ابريل) 2013، وقد اجازت لها هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ذلك، لاتخاذ قرار في شأن مرسومين يتعلقان بالتنقيب عن النفط، وبالتالي هناك سوابق في تفعيل تصريف الاعمال ولكن كل ذلك لا يعني البتة القفز فوق الدستور وعدم تطبيق مواده.


حكومة تصريف الأعمال في ظل الفراغ الرئاسي

مسألة اخرى تخشى الاوساط السياسية من حصولها، وتتمثل بامكانية حصول فراغ رئاسي لتعذر انتخاب رئيس للجمهورية بعد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس عون، واحتمال ان تكون حكومة تصريف الاعمال لا تزال قائمة لتعذر تشكيل حكومة جديدة وبالتالي تقع عليها مسؤولية ادارة شؤون البلاد وهي في حال تصريف للاعمال وليست حكومة مكتملة الاوصاف. وعلى رغم ان القانونيين يرفضون استباق الامور وحسم مثل هذه المسألة الدقيقة والحساسة في آن، الا انهم يرون في المقابل ان على مجلس النواب ان يباشر بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ابتداء من اول ايلول (سبتمبر) المقبل اذا ما ساعدت الظروف السياسية على ذلك، مع الاشارة الى ان تقريب موعد الانتخابات لن يلقى موافقة من الرئيس عون نفسه لأن ذلك يستوجب تعديل الدستور، كما حصل خلال ولاية الرئيس الراحل سليمان فرنجية ما اتاح يومها انتخاب الرئيس الراحل الياس سركيس قبل ستة اشهر من انتهاء ولاية بدلاً من شهرين، ومسألة تعديل الدستور تتطلب موافقة رئيس الجمهورية وهو امر غير وارد في حسابات الرئيس عون الذي اعلن مراراً انه سيغادر قصر بعبدا في اليوم الاخير لولايته وليس قبل ذلك التاريخ او بعده. ولا يتوقف عون عند موعد انتخاب خلفه علماً ان مجلس النواب يصبح في حالة انعقاد حكمي لانتخاب الرئيس. اما حول السؤال عما اذا كانت حكومة تصريف الاعمال قادرة دستورياً على ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية اذا انتهت ولاية عون من دون تشكيل حكومة كاملة الاوصاف، فإن اهل الدستور والقانون يذكرون بأن تولي الحكومة صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة مستند الى نص دستوري وارد في المادة 62 من الدستور التي تشير الى انه في حال خلو سدة الرئاسة لاي علة فإن صلاحيات الرئاسة تناط وكالة بمجلس الوزراء مجتمعاً. ويضيف هؤلاء الدستوريون انه في حالة الحكومة المستقيلة وبالتالي في وضع تصريف الأعمال، فإن ليس من تمييز في الدستور لهذه الجهة ولكن المبادىء العامة الدستورية تقول إن الفراغ غير ممكن وبالتالي لا يمكن تصور عدم تولي أي سلطة مهام رئاسة الجمهورية .وإذا عدنا الى المادة 64 من الدستور التي تتعلق بالحكومة المستقيلة وصلاحياتها فهي واضحة جدا، إن الحكومة المستقيلة أو التي هي في حكم المستقيلة كما هو الحال اليوم، تمارس صلاحياتها بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال. وهذا المفهوم غير محدد في الدستور الذي يكتفي بالإشارة إليه، ولكن اجتهاد مجلس شورى الدولة اللبناني بقرارات مبدئية صدرت عام 1969 وعام 1995 و2004 ، يقول بكل وضوح إن حكومة تصريف الأعمال تمارس صلاحياتها بالمعنى الضيق أي بكل ما هو ملح وضروري، شرط ألا تُلقي أعباء مالية جديدة على الدولة وألا تُلزم الحكومة المقبلة بالتزامات لا يمكن الرجوع عنها وبالتالي إذا طبقت هذه المبادىء على ممارسة الحكومة المستقيلة لصلاحيات رئيس الجمهورية، تكون هذه الممارسة ضمن المعنى الضيّق لتصريف الأعمال، ولا تستطيع الحكومة المستقيلة التي تتولى مهام الرئاسة أن تمارس هذه المهام إلا أيضاً وأيضاً بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال، وهذا يعني تسيير أمور الدولة وعدم وقف المعاملات التي تستوجب توقيع رئيس الجمهورية والتي تدخل ضمن المعنى الضيّق لتصريف الاعمال، وهذا يجعل الحكومة أكانت مستقيلة أم لا، تمارس صلاحيات الرئيس، ولكن عندما تكون مستقيلة تكون هذه الممارسة بالمعنى الضيّق لتصريف الاعمال، وطبعاً هذه واحدة من الثغرات الدستورية. ويعود الدستوريون بالذاكرة إلى سنوات مضت، تحديداً إلى حكومة الرئيس تمام سلام التي لم تكن حكومة تصريف أعمال بل حكومة مكتملة الأوصاف ومارست صلاحيات رئيس الجمهوري، مستذكرين الجدل الذي علا حينها حول ما اذا كانت هذه الممارسة تتطلب إجماعاً أم اكثرية أم ثلثين، وثار جدل لم يحسم إلا من خلال إدارة الرئيس سلام يومها لهذا الملف بكثير من الدقة والحرص على التوافق ضمن مجلس الوزراء الذي كان مؤلفاً من 24 عضواً، وكأننا أمام 24 رئيساً للجمهورية واصبحت المراسيم والقرارات تصدر بموافقة 23 وزيراً اضافة الى الرئيس سلام نفسه، وتحمل المراسيم 24 توقيعاً..

 فهل يتكرر السيناريو نفسه بعد 31 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل؟ في بلد مثل لبنان كل شيء ممكن واللامعقول يصبح معقولاً، واللامقبول يصبح حقيقة قائمة!.

حكومة الرئيس تمام سلام السابقة.

حكومة الرئيس تمام سلام السابقة.