تفاصيل الخبر

الصوت السني "المشتت" في غياب الحريري يفرض بقاء ميقاتي رئيساً حفاظاً على التوازن في الزعامات الطائفية

16/06/2022
الرئيس سعد الحريري وكتلة المستقبل القديمة.

الرئيس سعد الحريري وكتلة المستقبل القديمة.


 للمرة الأولى، منذ مرحلة ما بعد الطائف، تخلو الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية لتسمية شخصية سنية تشكيل الحكومة الجديدة، من اي حضور لتيار "المستقبل" او ما بات يعرف بــ "الحريرية السياسية" بفعل اعلان الرئيس سعد الحريري عن تعليقه العمل السياسي وامتناعه عن الترشح للانتخابات هو وكل "المستقبليين" الحزبيين، ومن فعل من "قدامى المستقبل" وترشح خسر المعركة، ومنهم من فاز وإن بأصوات قليلة لكن لا صفة "حريرية" لهم. ومع انكفاء الحضور "الحريري" عن الساحة السياسية اللبنانية، تبدو الزعامة السنية تبحث عن قائد يقود مسيرتها في الآتي من الايام، فلا تجده عملياً في لبنان، وإن كان البعض يرى ان الحريري لا يزال "الزعيم" السني الابرز ولو غاب عن مجلس النواب واستطراداً عن الحكومة. وبدا ان الانتخابات النيابية افرزت "نواباً سنة" وليسوا زعماء اذ ان بين النواب الـــ 27 السنة لا يبدو ان 4 منهم على الاقل يلتقون على رأي واحد وتوجه واحد وقناعات واحدة. حتى ان النواب "التغييريين" السنة ليسوا في صف واحد وان جمعهم تكتل سياسي واحد، لأن لكل مجموعة منهم رأيها ومواقفها وتصرفاتها وطريقة تعاطيها. هذا الواقع السني "المضعضع" غيّب كتلة سنية قوية كانت في ما مضى تقرر وتؤثر وكانت شريكة اساسية في ادارة التوازنات الداخلية، من ضمن السلطة او على مقاعد المعارضة، في مقابل كتلة شيعية متراصة يمثلها "الثنائي الشيعي" بنوابه الـــ 27 الذين ينتمون الى حركة "امل" وحزب الله، وتكتلين مسيحيين كبيرين هما "القوات اللبنانية" مع 18 نائباً مسيحياً، و"التيار الوطني الحر" مع 17 نائباً مسيحياً فاز بعضهم باصوات شيعية وحجبت عنهم الاصوات السنية على خلفية الخلاف بين رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل والقيادات السنية ولاسيما منها الرئيس سعد الحريري مع اعضاء نادي رؤساء الحكومات بمن فيهم الرئيس نجيب ميقاتي الذي تعرض ليل الاحد الماضي لحملة غير مسبوقة من النائب باسيل خلال حديث تلفزيوني.

واذا كان الامس القريب جعل كلمة نواب السنة في اختيار رئيس الحكومة في الاستشارات النيابية هي المرجحة، فإن الوضع اختلف اليوم مع وجود اكثر من رأي واكثر من مجموعة، الامر الذي دفع بالرئيس عون الى الطلب من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان المبادرة الى جمع النواب السنة في دار الفتوى لتوحيد الموقف السني في الاستشارات النيابية الامر الذي لم يلق ترحيباً سريعاً من المفتي دريان الذي فضل تقييم الموقف اكثر قبل الاقدام على مثل هذه الخطوة مع قناعته بأن ثمة خللاً بين الطوائف اللبنانية لكون الشيعة موحدين نيابياً، والمسيحيين شبه موحدين في الموقف من اختيار الرئيس ميقاتي لترؤس الحكومة العتيدة، والدروز باتوا احاديي الزعامة بعدما ضمن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي غالبية النواب الدروز باستثناء واحد هو فراس حمدان الذي هزم مرشح بري وطلال ارسلان في دائرة حاصبيا- مرجعيون الوزير السابق مروان خير الدين. لذلك فإن كلمة النواب السنة في الاستشارات النيابية الملزمة لن تكون واحدة كما كان يحصل سابقاً مع الاكثرية السنية الراجحة الممثلة بتيار "المستقبل"، ما يشكل امتحاناً صعباً للطائفة السنية خصوصاً مع التوجه بعدم تسمية الغالبية منهم شخصية مجربة تكون على مستوى التحديات بحيث تقود السلطة التنفيذية بشكل يحقق التوازن المرغوب بين الشيعة والمسيحيين. ولعل الاستحقاق الحكومي الاتي سيظهر مدى فعالية الموقف السني في تحديد هوية الرئيس المكلف العتيد، علماً ان التوجه العام لا يزال ينحو صوب الرئيس ميقاتي الذي وضع شروطاً لعودته الى السرايا قد لا تلقى تجاوباً من الرئيس عون والنائب باسيل ما سيوقع البلاد في ازمة حكومية يطول معها الانتظار حتى تولد الحكومة الجديدة، فتستمر حكومة تصريف الاعمال مع رئيسها حتى اشعار آخر.  واكثر ما يؤكد "التشتت" في الموقف السني الواحد هو غياب "المايسترو" الذي سيتولى التنسيق بين "الجزر" السنية الموزعة بين الكتل والنواب ما يجعل كفة ميقاتي الاكثر رجحاناً في العودة الى السرايا لأن ثمة مجموعة من النواب السنة "المستقلين" او المنضوين في تكتل "انماء عكار" و"قدامى المستقبل" يريدون ميقاتي رئيساً للحكومة العتيدة للابقاء على القوة السنية القريبة من الرئيس الحريري قادرة على التأثير في مجريات الاحداث الى حين عودة الحريري من الخارج وتسلمه دفة القيادة من جديد.


كيف توزعت المقاعد السنية لــ "المستقبل" في 2022

وتظهر دراسة اعدتها "الدولية للمعلومات" ان المقاعد السنية التي كانت لنواب عائدة لتيار "المستقبل" توزعت في مجلس 2022 كالاتي:

- في بيروت الثانية حلّ مكان الحريري وتمّام سلام ورولا الطبش ونهاد المشنوق كلّ من إبراهيم منيمنة (قوى التغيير)، عماد الحوت (الجماعة الإسلامية)، نبيل بدر (قريب من المستقبل)، وضّاح الصادق (قوى التغيير).

 في الشوف-عاليه حلّت حليمة قعقور (قوى التغيير) محلّ محمد الحجار.

في عكار احتفظ وليد البعريني ومحمد سليمان (مقرّبان من تيار المستقبل) بمقعدَيْهما، وفاز محمد يحيى (التيار الوطني الحر) بدلاً من طارق المرعبي.

- في طرابلس-المنية-الضنّية كان تيار المستقبل يشغل خمسة مقاعد سنّيّة ممثَّلاً بعثمان علم الدين، سامي فتفت، محمد كبّارة، سمير الجسر، وديما جمالي، فيما فاز أخيراً كلّ من أحمد الخير، عبد العزيز الصمد، عبد الكريم كبّارة (مقرّبين من تيار المستقبل)، أشرف ريفي (مستقلّ)، إيهاب مطر (ترشّح على لائحة الجماعة الإسلامية).

- في زحلة حلّ بلال الحشيمي (على لائحة القوات اللبنانية ومدعوم من فؤاد السنيورة) مكان عاصم عراجي.

- في البقاع الغربي فاز ياسين ياسين (قوى التغيير)، وحلّ مكان محمد القرعاوي (قريب من تيار المستقبل).

- في بعلبك-الهرمل حلّ ملحم الحجيري (حزب الله) مكان بكر الحجيري.

- في صيدا حلّ عبد الرحمن البزري مكان بهيّة الحريري.

أما بقية أعضاء كتلة الـ19 نائباً لتيار المستقبل، فقد خسر المقعد الأرثوذكسي في بيروت الثانية لمصلحة ملحم خلف (قوى التغيير)، والمقعد الماروني في عكّار لمصلحة جيمي جبور (التيار الوطني الحر)، والمقعد الماروني في البقاع الغربي لمصلحة شربل مارون (التيار الوطني الحر).

"ذوبان" الكتل السنيّة

وفق الجدول الأوّليّ المُرسَل من مجلس النواب إلى رئاسة الجمهورية غابت كتل "تيار المستقبل"، و"الوسط المستقلّ" (نجيب ميقاتي) و"اللقاء التشاوري" (المحسوب على 8 آذار)، وظهرت فقط كتلة اللقاء النيابيّ الشماليّ المؤلّفة من أحمد الخير، محمد سليمان، وليد البعريني، عبد الكريم كبّارة، عبد العزيز الصمد (سُنّة) وسجيع عطية (أرثوذكسي).

فيما توزّع النواب السُنّة الباقون وفق الآتي:

- كتلة التنمية والتحرير: قاسم هاشم.

- كتلة الوفاء للمقاومة: ينال الصلح وملحم الحجيري.

- كتلة لبنان القوي: محمد يحيى.

- كتلة اللقاء الديمقراطي: بلال عبدالله.

- الجماعة الإسلامية: عماد الحوت.

- جمعية المشاريع الإسلامية: طه ناجي وعدنان طرابلسي.

ويتوزّع نواب عن فئة المستقلّين: حسن مراد، جهاد الصمد، فؤاد مخزومي، أسامة سعد، عبد الرحمن البزري، أشرف ريفي، بلال الحشيمي، إيهاب مطر، ونبيل بدر. وإن كان بعضهم "سيادي"، مثل ريفي والحشيمي، وبعضهم حليف لحزب الله، مثل حسن مراد وجهاد الصمد. أمّا في فئة "التغييريين" فنجد: إبراهيم منيمنة، حليمة قعقور، وضّاح الصادق، ياسين ياسين، ورامي فنج. ووفق المعلومات لم يطرأ بعد أيّ تعديل على "خريطة" توزّع الكتل والنواب، لكن يبدو أنّ تكتلات ستولد من مجموعتَيْ "المستقلّين" و"التغييريّين"، وقد ظهرت بوادرها في جلسة انتخاب اللجان النيابية. من الواضح أنّ "الأكثريّة" التي أتت برئيس مجلس النواب نبيه بري لولاية سابعة تفضِّل خيار الرئيس ميقاتي حتى لو كُلّف ولم يتمكّن من التأليف إلى أن يحين أوان الاستحقاق الرئاسي.

سيكون الوقت الداهم الذي يقلّ عن خمسة أشهر غير كافٍ للتوافق على موزاييك الحكومة الجديدة بين القوى التقليدية إيّاها، في ظلّ ميل طاغٍ لدى قوى التغيير إلى عدم التمثّل في الحكومة المقبلة وخوض الاستحقاق من خارج التركيبة السياسية المعمول بها. ويقف هؤلاء "التغييريين" عملياً في وجه سنة 8 آذار الذين ارتفع عدد نوابهم الى ثمانية بعدما كان عددهم في مجلس 2018، ستة نواب وعرفوا في حينه باسم "اللقاء التشاوري" الذي تمكن يومها، بدعم من الرئيس عون وباسيل من فرض نائب يمثله على حكومة الحريري كان النائب المنتخب حسن مراد الذي حل مكان والده في تمثيل سنة البقاع الغربي. ولم يعد الى المجلس من "اللقاء التشاوري" سوى عدنان طرابلسي وجهاد الصمد وقاسم هاشم، يضاف اليهم طه ناجي وملحم الحجيري وينال الصلح ومحمد يحيى، فضلاً عن حسن مراد.


"اللقاء التشاوري" لن يولد من جديد

 لكن ثمة من يقول إن "اللقاء التشاوري" لن يولد من جديد على رغم وجود نية لدى البعض ببعثه الى الحياة السياسية خصوصاً مع صراع الاكثرية والاقلية الذي يخيم على ساحة النجمة منذ اعلان النتائج الرسمية للانتخابات النيابية، لكن تشكيل "لقاء تشاوري" جديد يضم النواب السنة المحسوبين على "8 آذار" بات مهمة صعبة ان لم تكن مستحيلة. ذلك ان جمعية المشاريع الخيرية (الأحباش) تريد التفرّد بقرارها السياسي عبر نائبيها، عدنان طرابلسي وطه ناجي وبالتالي ليست في وارد الدخول في تكتلات أو كتل نيابية كبرى، وتعتقد أنه باتت لديها كتلتها النيابية التي ستعبّر عن نهج الأحباش السياسي بمنأى عن أيّ لقاء شبيه بـ"التشاوري" والنائب جهاد الصمد كانت له مبادرة أفشلها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، حين منع النائب كريم كبارة المحسوب على الرئيس ميقاتي، من الانضمام إلى أي تكتل نيابي، وهنا ظهرت صعوبة تشكيل جبهة سياسية موحّدة تتألف من نواب مستقلين. أما النائب محمد يحيى المقرّب من النظام السوري، فهو ينوي التعاطي مع الملفات السياسية عـ"القطعة"، طبعاً بما يتناسب مع رغبات رئيس "التيّار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، الذي لا يحبّذ فكرة "اللقاء التشاوري" كقوى نيابية مطيعة لـ"حزب الله" حصراً. ويقف النائبان ملحم الحجيري وينال الصلح، المحسوبان بشكلٍ مباشر على الثنائي الشيعي "حزب الله" وحركة "أمل"، الى جانب "الثنائي" ولا ضرورة قصوى لانخراطهما بأيّ لقاء تشاوري مع نواب آخرين. كذلك الحال بالنسبة للنائب قاسم هاشم، الوفيّ للرئيس نبيه برّي وأحد أهمّ أعضاء كتلة "التنمية والتحرير". وأخيراً النائب حسن مراد، الذي استطاع الحفاظ على مواقفه السياسية كنائبٍ مستقل خصوصاً أنه تمكّن من تثبيت موقعه في البقاع الغربي بعد عزوف والده الوزير السابق عبد الرحيم مراد، ووفق المعطيات سيكون مراد قريباً من جميع الأطراف لما فيه المصلحة الوطنية العامة، بمعنى أنه سيقارب كلّ ملف على حدة.


اذاً هؤلاء الـ 8 نواب لن يجتمعوا في تكتّل واحد، خصوصاً أنهم لن يتفقوا على كلّ الملفات السياسية، في مقدّمها تسمية الرئيس ميقاتي لترؤس الحكومة المقبلة، لكنهم حتماً يتفقون على القضايا الكبرى كداعمين للمقاومة وأفضل العلاقات مع سوريا وغيرها من الملفات الاستراتيجية التي لطالما شكلت مادة للجدل في الوسط السياسي.


"اللقاء التشاوري" القديم.

"اللقاء التشاوري" القديم.

المفتي عبد اللطيف دريان.

المفتي عبد اللطيف دريان.

النائب اشرف ريفي.

النائب اشرف ريفي.

النائب فؤاد مخزومي.

النائب فؤاد مخزومي.

النائب إبراهيم منيمنه.

النائب إبراهيم منيمنه.

النائب وليد البعريني.

النائب وليد البعريني.

النائب حسن مراد.

النائب حسن مراد.

النائب أسامة سعد.

النائب أسامة سعد.