تفاصيل الخبر

الفلتان الأمني في البقاع ضبطه الجيش تدريجياً فمتى يصل الدور الى مناطق جنوبية؟

07/04/2021
دوريات للجيش اللبناني في منطقة البقاع.

دوريات للجيش اللبناني في منطقة البقاع.


 وكأن عذابات اللبنانيين من الاقتصاد المنهار، والعملة المتدنية، والتراجع في المستويات الاجتماعية كافة، والاوضاع الصحية والخطيرة نتيجة وباء "كورونا "... وكأن كل ذلك لا يكفي اللبنانيين، فأطل الوضع الأمني المتدهور برأسه من جديد في عدد من المناطق اللبنانية، لاسيما في البقاع والجنوب وبعض الشمال... في وقت تستنفذ القوى العسكرية والامنية امكاناتها في الاستعداد الدائم لمواجهة اعمال الشغب في التحركات الشعبية التي تحصل من حين الى آخر، وفي حماية المؤسسات والمراكز الرسمية لمنع التعرض لها كما حصل في بلدية طرابلس قبل اسابيع. ففي الجنوب مثلاً ترتفع الشكوى من مظاهر الفلتان المتنامية وقصور السلطات المختصة  عن الأخذ بناصية الامور وتتكرر الحوادث بشكل يومي ومنها السرقات والتعديات على الاملاك العامة والخاصة، والسلب والنهب وصولاً الى القتل احياناً. وعادت تظهر في عدد من البلدات الجنوبية جماعات مسلحة "تتسلط" على التجار وتفرض عليهم خوات، او تقوم بأعمال مخلة بالامن غير آبهة بما يمكن ان تقوم به القوى الامنية من اجراءات رادعة لأنها على ثقة، على ما يبدو انها لن تفعل! واكثر ما يقلق ان شكاوى المتضررين لا تلقى اذاناً صاغية من الاجهزة الامنية المختصة لعجز او لعدم رغبة في مواجهة هذه الجماعات التي تجاوزت "الهيبة" التي تفرضها مؤسسات الدولة الأمنية منها والقضائية.

 واذا كان المجال لا يتسع لسرد وقائع كثيرة حصلت خلال الاسابيع الماضية، فإن الثابت ان الكلام الواضح لعدد من المسؤولين الامنيين عن "عجزهم" على مواجهة ما يجري يرفع منسوب القلق لدى المواطنين الذين لا يرون ملاذاً يلجأون اليه، الا ملاذ الدولة ومؤسساتها. وما يجري في الجنوب من فلتان، كان تزايد في الآونة الاخيرة في البقاع حيث كانت تنتشر الجماعات المسلحة "على عينك يا تاجر" ولا تسأل عن حواجز امنية تتخطاها ولا عن اجراءات تتجاوزها. الا ان هذا الواقع المؤلم اطلق صرخات المواطنين والسياسيين على حد سواء وتوسعت الاحتجاجات في اكثر من اتجاه عن "السكون المريب" للقوى العسكرية والامنية ووصلت الى حد الحديث عن "تواطؤ" حيناً وعن "غض النظر" احياناً، وفي الحالتين النتيجة واحدة وهي توسع مساحة الفلتان.

ضبط الوضع بقاعياً... تدريجاً

 إلا أن تطورات حصلت في الاسبوعين الماضيين جعلت القوى العسكرية والامنية تضاعف جهودها لضبط الوضع الذي كان دوماً محط شكوى في البقاع عموماً وفي بعلبك خصوصاً لاسيما بعد تغييرات، وتشكيلات اجرتها قيادة الجيش ومديرية المخابرات في صفوف عدد من الضباط ما مكن الوحدات العسكرية العملانية من اعادة الامساك ولو جزئياً بالوضع الامني وبدأت الملاحقات "الحقيقية" ضد المطلوبين بعد ملاحقات "حورية" كانت تجري في السابق واكدت ارتباط بعض الامنيين بالقيمين على الجماعات المسلحة التي كانت تنشر الذعر وفرض الخوات واطلاق النار واعمال ضد الامن والاستقرار. وسجل في هذا المجال توقيف العديد من المطلوبين، وبعضهم سقط برصاص القوى الامنية، و"اختفاء" آخرين في اماكن نائية لن يتأخر الجيش في الوصول اليها، لكنهم عملياً باتوا محاصرين فيها بعدما كانوا يتحركون سابقاً بحرية مطلقة... واللافت كذلك ان تشديد الجيش قبضته الحديدية وتنفيذه حملات دعم وملاحقة في بعض احياء بعلبك، ولاسيما الشراونة، فتح الباب امام تباينات واجتهادات مختلفة. فقد علت اصوات تتهم الجيش بتنفيذ مهماته "بطريقة غير حضارية ولا تراعي المعايير والتقاليد المعمول بها"، مما تسبب بموجة ذعر بين الاهالي. وفي هذا السياق، سجل بروز سجال اعلامي بين افراد عشيرة بقاعية معروفة، اذ بعد صدور بيان اول وثان باسم العشيرة يندد بطريقة الدهم للجيش وبــ "سكون حزب الله" خصوصاً، مذكراً  بأن 11 شخصاً من افراد العشيرة سقطوا سابقاً برصاص الجيش، ردت بيانات اخرى باسم العشيرة نفسها تعلن رفضها لهذا المنطق الاتهامي وتشهر ولاءها للحزب.

 في كل الاحوال، فإن ثمة من يحلو له عقد مقارنة ومفاضلة بين "ضبط لمظاهر الخروج على النظام العام في البقاع الشمالي"، وهو ما قدم على انه ثمرة جهد واتصالات بذلها نواب المنطقة من خلال حض السلطات على القيام بدورها عبر خطة امنية مستدامة، وبين الفلتان الامني في بعض الجنوب ومناطق اخرى من لبنان، ليخلص الى استنتاج فحواه ان القوى الامنية المعنية بامكانها انجاز مهمتها على اكمل وجه اذا توافر القرار الحازم والغطاء اللازم لبث الرعب الرادع في نفوس اولئك المنتظرين لحظة ارتخاء القبضة الامنية الرسمية لكي يعيثوا في الارض فساداً وافساداً.

خطة مواجهة للجيش

 في هذا السياق، يقول وزير الداخلية والبلديات إن القوى الامنية مستنفرة لمواجهة الخلايا الارهابية النائمة التي ظهرت في عدد من المناطق ولاسيما في الشمال والبقاع، وانها تخصص من اجل ذلك الوقت الكثير ما يجعلها غير قادرة على القيام دائماً بدورها الامني التقليدي، لذلك فهي "تتكل" في احيان كثيرة على الجيش خصوصاً في منطقة البقاع التي هي اصلا منطقة عسكرية، اي انها تخضع لسلطة المسؤول عن الامن فيها. وبدا من خلال مسار الاحداث ان الجيش قرر التشدد في اجراءاته في البقاع من دون اي صدام مع العشائر او العائلات لان الهدف الاساسي هو توقيف المطلوبين ووقف الاعتداءات على الامنيين والعبث بالوضع الامني ولأجل ذلك، فإن الجيش يقوم بشكل دائم بعمليات مداهمة وتوقيفات في بعلبك لكنه لم ولن يبادر الى اطلاق النار، ما لم يتم الاعتداء عليه. لافتة الى انه "سجل في احدى المرات وقوع 18 اصابة في مداهمة واحدة، وفي العام الماضي سقط 4 شهداء فقط في هذه المنطقة في عمليات ثأرية ضد الجيش ومع تأكيدها ان المنطقة هي من اكثر المناطق خطورة التي يعمل فيها الجيش تعتبر هذه العملية جزءاً من نشاط امني للجيش اللبناني لملاحقة المطلوبين. 

 وتوضح المصادر العسكرية ان الجيش يعمل منذ اربعة اشهر في تنفيذ خطة ملاحقة المطلوبين وتثبيت الاستقرار في البقاع، فقد حفلت نهاية عام 2020 والأشهر الاولى من عام 2021، بعشرات العمليات الأمنية في منطقة البقاع، التي تراوحت بين ملاحقة مطلوبين بجرائم سرقات وقتل وآخرين منتمين لتنظيمات ارهابية، اضافة الى ضبط اماكن يتم داخلها صناعة الكبتاغون ومواد مخدرة، ونتج عنها توقيف 179 شخصاً. ومن ابرز هذه العمليات ضبط مخابرات الجيش في البقاع في 16 ديسمبر ( كانون الاول) 2020، معملاً لتصنيع حبوب الكبتاغون لتعود بعدها بأيام، وتوقف مديرية المخابرات 4 سوريين في قب الياس، للاشتباه بانتمائهم الى تنظيمات ارهابية. وفيما نجح الجيش في توقيف عدد من الاشخاص والشبكات التي تنشط في السرقة وتجارة الاسلحة وتهريب الاشخاص من اللبنانيين والسوريين، اوقف مشتبهاً بهم بقتل عسكريين وتحديداً في منطقتي الهرمل والقصر الحدودية. واوقف في 26 كانون الثاني (يناير) 4 سوريين في مشاريع القاع، للاشتباه بانتمائهم الى التنظيمات الارهابية، تلاها توقيف 3 لبنانيين و7 سوريين، في عرسال بجرم الانتماء الى تنظيم "فتح الشام" الارهابي، والقتال الى جانبه، ولتوافر معلومات عن اقدامهم عن تشكيل مجموعة متطرفة، كما تم بعد يوم واحد، توقيف سوريين في مشاريع القاع، للاشتباه بانتمائهم الى تنظيمات ارهابية.

 وفي شباط (فبراير) أوقف في عرسال ثلاثة سوريين لتوافر معلومات عن انتمائهم الى مجموعة تابعة لــ "جبهة النصرة" والتخطيط لاستهداف الجيش في بلدة عرسال وتوقيف سوري في سعدنايل، للاشتباه بانتمائه الى تنظيمات ارهابية. وفي بعلبك سجلت مواجهة بين الجيش وثلاثة مطلوبين اثر اطلاقهم النار من اسلحة حربية وقذيفة "آر بي جي" باتجاه عناصر الدورية ما ادى الى تبادل اطلاق نار بين الطرفين، واصابة احد ضباط فرع مخابرات البقاع، ما لبث ان فارق الحياة.

 في اي حال، يبدو أن قرار قيادة الجيش بالمواجهة قد اتخذ وأن الوضع الامني في البقاع قد يشهد تحسناً في المدى القريب لاسيما وأن الاحزاب والفاعليات لم تعد تحتمل حالة الفلتان التي كانت سائدة ، وأن على العدالة أن تأخذ مجراها بملاحقة كل المخلين بالأمن والمجرمين، وعلى العشائر والعائلات المبادرة الى تسليم كل مطلوب او نبذه على الاقل،  بدلاً من حمايته وتشكيل بيئة حاضنة له، فالجيش يقوم بواجبه ويقولها بالفعل "الأمر لي" فليس من المقبول بعد اليوم زعزعة امن المنطقة واستقرارها، في ظل استشراء عمليات الخطف والتشليح والسرقة، وما يجري من عمليات امنية من دون سابق انذار وبعيداً من الاضواء والاستعراضات والخطابات، تمكن الجيش فيها من قلب المعادلة وترجمها بكمائن امنية وحملات دعم خاطفة ومطاردات هنا وهناك، طاولت المطلوبين فقط".

 يواجه الجيش مهمة شاقة في المحافظة على الأمن، بين المواجهة مع المطلوبين واحتمال سقوط ضحايا من جهة، وبين الابقاء على صورة المؤسسة وحماية المواطنين الآمنين. فلطالما تصدر الهم الأمني اولويات البقاعيين نظراً الى حال الفلتان التي تعيشها المنطقة منذ سنوات مع انفلاش حركة المطلوبين وعصابات السلب والخطف وتجار المخدرات وافتعالها حوادث امنية متعددة. غير ان هذه المبادرة الفعالة من الجيش لها الأثر الفعال في إعادة زرع الثقة وطمأنة البعلبكيين، مما ينعكس ايجاباً على إعادة انطلاق العجلة الاقتصادية والتجارية في البقاع.