تفاصيل الخبر

واشنطن تضغط مجدداً في لبنان: حكومة إنقاذ قبل الانهيار... وعقوبات على المعرقلين

07/04/2021
الرئيس ميشال عون يستقبل السفيرة الاميركية دوروثي شيا.

الرئيس ميشال عون يستقبل السفيرة الاميركية دوروثي شيا.

           

 لم يكن من قبيل المصادفة، أو من المألوف، أن تذيع السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا بياناً مكتوباً من منبر قصر بعبدا بعد زيارتها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ذلك أن إدلاء السفراء بتصاريح من القصر لا يتم  إلا إذا كانت ثمة مناسبة أو رسالة معينة من حدث معين. إلا أن السفيرة شيا خالفت القاعدة وطلبت أن يتاح لها أن تدلي ببيان مكتوب بعد انتهاء الزيارة، فكان لها ما أرادت وأدلت ببيان صيغ بعبارات دقيقة جداً ومختارة "تنقل" بين عوكر والخارجية الاميركية في واشنطن للحصول على الموافقة النهائية عليه. فهل قررت الولايات المتحدة الاميركية العودة بقوة الى الساحة السياسية اللبنانية بعدما تركتها لفترة لصالح الادارة الفرنسية، وهل من مسافة جديدة رسمت في النظرة الى لبنان بين باريس وواشنطن؟

 مصادر ديبلوماسية متابعة اكدت ان الهدف من الرسالة الاميركية كان واضحاً وهو التحذير من مستوى الخطورة الذي وصل اليه لبنان، وبأن واشنطن تدعم بقوة الذهاب الى تسوية لانقاذ الوضع، لأن الانفجار الذي بات قريباً جداً ينذر بمضاعفات لا يمكن ان تحتوى لاحقاً. اضف الى ذلك التأكيد على الموقف الاميركي الذي جرى وضعه سابقاً في اطار التشويش على المبادرة الفرنسية. وان الدخول الدولي على خط الازمة الحكومية اللبنانية يكشف جانباً من الكباش الحاصل في الشرق الاوسط، والذي حشر لبنان نفسه فيه بسبب سلوك اهل السلطة وادائهم الذي تجاوز المألوف في الحياة السياسية اللبنانية. وترى هذه المصادر ان الملف الاميركي - الايراني هو الابرز حالياً في اهتمامات ادارة الرئيس بايدن ومنه تتفرع الملفات الاخرى ومنها الملف اللبناني، لاسيما مع "شد الحبال" القائم بين الاميركيين والايرانيين لتحسين شروط التفاوض وهو طال ساحات عدة في الشرق الاوسط بما فيها الساحة اللبنانية. 

 وتوقف المراقبون عند كلام مساعد رئيس مجلس الشورى الايراني حسين عبد الامير اللهيان ليؤشر الى دخول ايراني مباشر على خط الأزمة اللبنانية لاسيما وانه وضع معادلة جديدة وهي ثلاثية "المقاومة والجيش والحكومة القوية"، علماً ان عبارة " الحكومة القوية" اتت بدلاً من عبارة "الشعب" في الثلاثية المسماة ذهبية. ويضيف المراقبون ان اي "حكومة قوية" في مفهوم الايرانيين هي تلك التي تكلم عنها الامين العام لحزب الله السيد نصر الله عندما طرح فكرة حكومة "تكنو سياسية" اي انها تضم شخصيات سياسية الى جانب الاختصاصيين، ما يعني عملياً تمثيلاً مباشراً للأحزاب اللبنانية وفي مقدمهم حزب الله و"التيار الوطني الحر".

ملف لبنان عاد الى الواجهة

 المصادر الديبلوماسية قالت ايضاً إن إدارة الرئيس بايدن لم تكن ترغب في الدخول مباشرة في الملف اللبناني أان الأولوية كانت للملف مع ايران وأهمية التسوية التي سترسم خريطة جديدة للنفوذ في المنطقة مع ادراكها بأن مفاوضاتها مع ايران لن تكون سهلة وستأخذ وقتاً لاسيما اذا ما تناولت موضوع الصواريخ الباليستية. لكن، تضيف المصادر ثمة تحركات جديدة في الولايات المتحدة الاميركية حول الوضع اللبناني يقوم بها نواب ينتمون الى الحزبين الديمقراطي والجمهوري  يعملون على وضع توصية في لجنة العلاقات الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ حول الوضع في لبنان، وستأخذ المشاورات حيالها وقتاً يريده النواب ان يكون سريعاً. وبالتزامن ثمة من يتحرك على مستوى معهد الشرق الاوسط وفريق العمل الاميركي الخاص بلبنان لاقامة نقاشات حول المستوى الذي وصل اليه الوضع في لبنان بالتعاون مع خبراء ومتخصصين وضعت ضمن توصيات سترفع الى ادارة بايدن. وتقول المصادر نفسها انه في خلاصة هذه النقاشات ان المصالح الضيقة والشخصية لبعض من في السلطة اللبنانية يدفع في اتجاه تسريع الانهيار الحاصل وتدمير ما تبقى من مؤسسات وركائز الدولة سيحتاج الى وقت طويل وربما الى عقود. وأوصى هؤلاء بتوحيد الجهود الدولية ما بين الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الاوروبي ودول الخليج، للضغط على القيادة السياسية للعمل على تشكيل حكومة كفوءة ونظيفة وذات منهج اصلاحي لوقف الانحدار، والسعي للانخراط في البرنامج الموضوع من قبل صندوق النقد الدولي لاعادة انعاش لبنان اقتصادياً. ويقترح هؤلاء إنشاء صندوق دولي للمساعدات الطارئة لتخفيف النتائج القاسية لحال الفقر، والعمل على دعم قطاع الصحة والتعليم، وإعداد خطة تتضمن توفير تمويل قصير الامد للشركات والمؤسسات التي تشكل اساساً الطبقة المتوسطة لمساعدتها على الاستمرار والحفاظ على الوظائف الاساسية ومنع تمدد "الفساد" المتفشي في مؤسسات الدولة اليها.

 والاهم التوصية بدعم الجيش الذي يؤدي دوراً اساسياً في الحفاظ على اللحمة الوطنية ويضمن الاستمرار، ذلك ان انهيار الجيش سيعني الانهيار الكامل للدولة اللبنانية. ومن هنا، يمكن تفسير الاستهداف السياسي والاعلامي الذي يتعرض له الجيش بين الحين والآخر. ويركز هؤلاء على ضرورة حماية عائلات الضباط والجنود وسط التدهور المريع في سعر صرف العملة اللبنانية. وتختم هذه التوصيات بالدعوة لقيام حكومة لبنانية جديدة تكون قادرة على محاربة الفساد ومكافحته وتعمل على حماية أسس الديمقراطية.

"ضغط" السفيرة شيا

 واذا كانت الحركة في واشنطن متجددة حيال لبنان، فإن الحركة الديبلوماسية في بيروت عادت الى وتيرة عالية ويسمع من يلتقي السفيرة شيا كلاماً كثيراً عن الفساد في لبنان الذي تعتبر انه "يأكل الديمقراطية " مركزة على ضرورة مكافحته، وتقول إن السؤال يبقى "كيف"؟ مشددة على انه "من الضروري القيام بذلك لاعادة الثقة بالاقتصاد المنعدمة حالياً في ظل استمرار الانكماش الاقتصادي". وعندما تسأل السفيرة عما اذا كانت اي تسوية جديدة بخصوص الملف النووي الايراني ستنعكس على علاقة واشنطن بــ "حزب الله " توضح انها لا تريد الدخول في الفرضيات لكن الموقف من "حزب الله"  لم يتغير. معبرة عن املها في ان يكون هناك تغيير في طريقة مقاربة الامور في المنطقة، ولافتة الى ان المبعوث الاميركي الى ايران يعمل عن كثب في هذا الشأن، وشددت كذلك على ان "المجتمع الدولي لن يتساهل مع الافعال التي تتسبب بزعزعة الاستقرار في المنطقة". وفي ما يتعلق بالجهود الاميركية التي تدفع في اتجاه تشكيل حكومة في لبنان بأسرع وقت ممكن، يسمع زوار السفيرة شيا ان اللبنانيين يحتاجون الى حكومة جديدة فاعلة لكي تستطيع انقاذ الاقتصاد، مشيرة الى انها تعيد الاضاءة على ما يريده كثيرون في لبنان، اذ ان "تشكيل حكومة يعتبر الخطوة الاولى نحو بدء مسيرة تطبيق الاصلاحات"، على ان تكون حكومة ملتزمة ومصممة على تطبيق الاصلاحات الضرورية، وفق شيا، كذلك تأمل السفيرة الاميركية في ان تستكمل الطبقة السياسية مشاوراتها لايجاد طريقة تستطيع من خلالها التخلي عن بعض المطالب للنجاح بتشكيل حكومة جديدة، وذلك بالتزامن مع "معرفة اي نوع من الاصلاحات يجب البدء بتطبيقها حالياً"، اذ ان بعضها لا يحتاج الى تشريعات وبعضها الاخر تم تحضيره من قبل الحكومة الحالية.

 ولا تغيب العقوبات الاميركية عن حديث السفيرة شيا التي تقول إن بلادها لا تزال تركز على المنظمات الارهابية وداعميها ومموليها. لكنها تلفت الى تطبيق قانون "ماغنيتسكي"، الذي يتناول "ملفات الفساد الخطرة"، السنة الماضية في لبنان، بحيث يتم وضع النائب جبران باسيل على لائحة العقوبات على هذا الاساس مذكرة بأن وزيري الخارجية والخزانة آنذاك اشارا الى علاقته بــ "حزب الله". وتابعت : "الهدف من تلك العقوبات، التي قطعنا شوطاً كبيراً لتحقيق الهدف منها، هو ان نبرهن ان هناك كلفة يجب دفعها عن سياسات وتصرفات معادية لمصالح الشعب اللبناني". لافتة الى ان الكثير من اللبنانيين يطالبون بمزيد من العقوبات في هذا الاتجاه. وحول احتمال فرض الولايات المتحدة او الاتحاد الاوروبي عقوبات تستهدف شخصيات لبنانية، فضلت السفيرة الاميركية عدم استباق الاجراءات التي قد تتخذها الولايات المتحدة او اي دولة اخرى، كاشفة في الوقت ذاته ان هناك محادثات عن احتمال فرض ضغط اضافي في هذا الصدد!.