تفاصيل الخبر

"القوّات" و"التيّار".. السياسة تُفرّق ما جمعه "اتفاق معراب"

07/04/2021
الرئيس عون والدكتور سمير جعجع خلال توقيع "اتفاق معراب" عام 2016 .. حلم لم يكتمل.

الرئيس عون والدكتور سمير جعجع خلال توقيع "اتفاق معراب" عام 2016 .. حلم لم يكتمل.


بقلم علي الحسيني


 في تاريخ لبنان الحديث وتحديداً منذ عام 2006 ولغاية العام 2016، ثمّة تاريخان حددا بوصلة لبنان السياسية وأرسيا قواعد جديدة للعلاقات بين مجموعة أحزاب لعبت دوراً مُهمّاً في تجنيب البلاد مطبّات الانزلاق في حروب متعددة الأوجه، والمقصود هنا اتفاق "مار مخايل" بين "حزب الله" و"التيّار الوطني الحر" والذي أسّس لعلاقة متينة بين الفريقين وجنّب البلاد الكثير من الخضّات والانقسامات الطائفيّة، و"اتفاق معراب" بين "الوطني الحر" و"القوّات اللبنانية" والذي أفضى هو الآخر إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية بالإضافة إلى الإيجابية التي خلّفها على الساحة المسيحية وتحديداً داخل البيت الماروني.

باسيل يُصارع طواحين الهواء

 بالنسبة إلى رئيس "التيّار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الذي يُعتبر القاسم المُشترك بين اتفاقي "معراب" و"مار مخايل"، فهو يُدرك جيداً أن معركته السياسية في الداخل اللبناني، والتي وضعته في خصام مفتوح مع جميع الأطراف، وأن مواجهته للعقوبات الخارجية والتي حشرته هي الأخرى في دائرة الخيارات الضيّقة إلى حين أن يُقدّم الطاعة العلنية للولايات المتحدة الأميركية، أصبح كمن يُصارع "طواحين الهواء"، فلا هو عالم بنيات حلفائه الفعلية تجاه سَعيه في الوصول إلى كُرسي "بعبدا"، ولا هو قادر على الاستمرار في مواجهة الخارج "كرمى عيون" حليف لم يمنحه بعد أي وعد يُمكن أن يُثبّت أقدامه ويَشدّ من عزيمته لإكمال مسيرة المواجهات.

 اليوم، يخوض باسيل وحيداً غمار المواجهات السياسية والشخصية مع جميع من حوله وكأنه "شمشون" عصره، ليس لأن الجميع قد اتفق عليه، بل لأن باسيل خُيّل إليه ذات يوم أن بمقدوره تجاوز الجميع طالما أنه مُمسك بسيف رئيس الجمهورية، ويقطع به ما يشاء من "رؤوس" سياسية أو يهمشها على الأقل، تماماً كما فعل في أكثر من محطّة مع أقرب حلفائه يوم أدار معركته نحوه وصوّب باتجاه سلاحه (حزب الله)، ومنتقداً الدور السلبي الذي يُمارسه هذا الحليف سواء بشكل مُباشر من خلال المعابر غير الشرعية، أو من خلال تغطيته للفساد داخل التركيبة اللبنانية.

"المناورة" فن الوصول إلى بعبدا

 بات باسيل يستخدم فنّ "المناورة" في عمله السياسي، ظنّاً منه أنها الطريق الأفضل للحفاظ على دوره كلاعب أساسي ورئيسي ضمن التشكيلة السياسية، والأقرب والأنجح للوصول إلى كُرسي "الحلم"، لكنه نسي أو تناسى أن ممارسته لهذا الفنّ، والطرق التي ناور من خلالها قد أفقدته صدقيته في التعاطي مع الخصوم والحلفاء في آن، حتى إن البعض راح يُطبّق عليه تجربة الرجل المُسلم الذي اعتنق المسيحية بعد الظهر ثم مات في المساء، فلا المسيحية اعترفت به ولا الإسلام تقبّل عودته.

 وفي السياق، يذهب محلّلون سياسيون إلى حد القول إن باسيل قد تجاوز كل الخطوط الحمر في عمله السياسي بعدما خرج عن الأدبيات المُتعارَف عليها ضمن هذا "الكار"، فهو قطع من جهة حبل الوصال مع "القوّات اللبنانية" التي أوصلته إلى ما هو عليه اليوم بفعل "اتفاق معراب" الذي بفعله تمكّن من إسناد ظهره على جبل سياسي أي موقع الرئاسة الأولى، ومن جهة أخرى راح يُصوّب على "قدس الأقداس" يوم أوعز لأحد نوابه في "التكتّل" الهجوم على سلاح "حزب الله" واعتباره العائق الأبرز أمام قيام الدولة.

 وبحسب المحلّلين أنفسهم، فإن باسيل قد رسم بريشته نهاية لطموحه السياسي بالوصول إلى "بعبدا"، وأكثر ما يُمكنه تحقيقه بعد اليوم، هو الحصول على مقعد نائب أو وزير كأقصى حدّ، هذا في حال تمكّن، من الاستمرار بالمحافظة على موقعه كرئيس لـ"التيّار الوطني الحر" المُهدّد على الدوام بحركات انقلابية بفعل ممارسات باسيل القمعية، لعل أبرزها، "تصفية" الرؤوس الكبيرة سياسياً.

عندما التقت المصالح "القواتية" و"العونيّة"

 في الأشهر الماضية، التقى كل من "الوطني الحر" و"القوّات" حول ثلاثة ملفّات هي، رفض العفو العام بالصيغة التي تم فيها طرحه ورفض قانون الانتخابات الذي تقدت به كتلة "التنمية والتحرير"، وأيضاً في ما يتعلّق بالتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان. في هذا السياق، يوضح مصدر في "الوطني الحر" أن ما جري ليس قراراً بالتهدئة من عدمه، بقدر ما هو تقاطع على ملفات أساسية، وتفاهمات جرت حول الملفات الثلاثة، وهي أمور جرت تلقائياً والتقت وجهة نظرنا مع وجهة نظر القوات حولها. وينفى المصدر أن يكون هناك أي تواصل جرى مع "القوات" حول أي اتجاه وأن العملية فرضت نفسها، ودفعت للعبور إلى مرحلة من التهدئة كانت سبقت هذا التصادم السياسي الحاصل الآن بين الطرفين، والذي لا يتحمّل "التيّار" وزره.

 من جهة "القوّات"، تُشير مصادرها إلى أن وجهة نظرها من الأمور الأساسية لم تتبدل، وهذا أمر أساسي وحيوي يدل على أنها ما زالت على ثبات موقفها لجهة أنه يستحيل إنقاذ الوضع مع الفريق الحاكم، وهي كافية لأن تكون أكبر إدانة لهذا الفريق. وتُشير المصادر إلى أنه حين تفرض الملفات أن تتقاطع (القوات) مع أي طرف، فإنها تلتقي معه عليها بكل ثقة بعيداً عن أي عقد سياسية أو التعامل على طريقة إما الاتفاق على كل شيء أو الاختلاف حول كل شيء وبالتالي تعمد "القوّات" إلى تنظيم أي خلاف تحت سقف المؤسسات وهذا ما يحصل. 

هل يُعيد باسيل تموضعه؟

على خطّ العلاقة بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، يبدو واضحاً أنها انحدرت في الفترة الأخيرة إلى المستوى الأدنى، بعدما نزل طرفاها السلّم درجة درجة، من "التفاهم الشامل" إلى الاكتفاء بـ"المصالحة" باعتبارها "إنجازاً تاريخياً" لا يجوز "التفريط" به، قبل أن يدفناها من دون أسف على "شبابها"، الذي يقول كثيرون إنّها لم تعِشه أصلاً. وفي هذا الصدد، يصحّ القول إن "الطلاق الكامل" بين باسيل ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، لا يُشبه العلاقة بين الأوّل و"حزب الله" خصوصاً وأن التباعد بين الرجلين قد تخطّى جميع التوقعات التي خرجت يوم توقيع "اتفاق معراب" والتي صبّت باتجاه واحد هو "تمتين الساحة المسيحيّة".

اليوم وفي ظل كل هذه المناوشات بين "البرتقالي" وخصمه "اللدود" أي "القوّات"، يبرز سؤال كبير هو هل يعود باسيل إلى حضن "الحكيم"؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه بحسب الكثيرين، لكن الواقع والوقائع تقود إلى فرضية هذا الاحتمال، وذلك نتيجة عوامل عدّة أبرزها: إن باسيل الذي يُعمق جراحه نتيجة سياساته الخاطئة، قد يجد نفسه مُضطراً للتحالف مع "القوّات اللبنانية" في أي انتخابات نيابية مُقبلة، خوفاً من هزيمة تلحق به في بعض الدوائر. كما أن نفض "حزب الله" يده من دعم باسيل في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، قد يدفع الأخير إلى الارتماء في حضن "القوّات"، عله بذلك يحقق بعض المكاسب التي لا يُمكن تحقيقها مع أي طرف آخر.

الكرسي الرئاسي ..الحلم .

الكرسي الرئاسي ..الحلم .

النائب جبران باسيل وجعجع.. هل اقترب اللقاء؟

النائب جبران باسيل وجعجع.. هل اقترب اللقاء؟

الرئيس ميشال عون والسيد حسن نصرالله خلال توقيع "اتفاق مار مخايل" عام 2006 .. ماذا بقي منه؟

الرئيس ميشال عون والسيد حسن نصرالله خلال توقيع "اتفاق مار مخايل" عام 2006 .. ماذا بقي منه؟