تفاصيل الخبر

ملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت يتحرك بعد الانتخابات مع ضمانة الحصانة للنواب المدعى عليهم...

19/05/2022
انفجار المرفأ.

انفجار المرفأ.


 تعرب أوساط متابعة لملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في آب (اغسطس) 2020 عن املها في ان يتحرك هذا الملف من جديد بعد انتهاء الانتخابات النيابية لأن استمرار اقفاله قسراً على النحو الذي يحصل حالياً، من شأنه ان يبقي الجرح النازف من دون التئام مع ما يمكن ان يؤدي الى تصعيد واسع يتم التحضير له لاسيما في صفوف عائلات شهداء الانفجار الذين تحركوا بقوة قبيل الانتخابات وقاموا بجولات قيل انها انعكست في تصويت الناخبين وخياراتهم، لاسيما ابناء دائرة بيروت الاولى التي تضررت كل احيائها على نطاق واسع. وتخشى هذه الاوساط ان يدخل ملف التحقيق في انفجار المرفأ في مدار التسويات والصفقات السياسية اسوة بما يجري خصوصاً مع اقتراب انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي سجل اكثر من مرة انزعاجه من تجميد التحقيق في هذا الملف وكرر في مجلس الوزراء وامام زواره ان وجود موقوفين منذ ما بعد الانفجار بقليل من دون محاكمة حتى الآن هو عمل يخالف القوانين ناهيك عن حقوق الانسان.

وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة ان ضحايا انفجار المرفأ ليسوا الذين قضوا فيه فحسب، ولا المصابين المعلّقة أرواحهم بين الحياة والموت، بل المئات من أبناء العاصمة بيروت الذين ما زالت منازلهم مدمّرة وجروحهم مفتوحة وأزماتهم النفسيّة قائمة، كما أن الموقوفين الـ17 هم أيضاً ضحايا تعطيل التحقيق، إذ لا شيء يَلوح في الأفق عن إمكانية الإفراج عنهم ما لم يُستأنف المسار القضائي، وهذا المسار رهينة صدور مرسوم التشكيلات القضائية الجزئية وتعيين رؤساء أصيلين لمحاكم التمييز، ليكتمل معهم نصاب الهيئة العامة لمحكمة التمييز، ليصبح بمقدورها البتّ بدعاوى مخاصمة الدولة ضدّ ما تسمّى "الأخطاء الجسيمة" للقاضي طارق البيطار، فإذا تقرر رفض هذه الدعاوى (وهو أمر مرجّح)، يصبح بمقدور البيطار استئناف تحقيقاته مع المدعى عليهم من سياسيين وأمنيين وعسكريين، إلا أن هذه الفرضية غير ممكنة مع استمرار تجميد وزير المال يوسف خليل مرسوم التشكيلات الجزئي وامتناعه عن التوقيع عليه، ولا حتى إبداء الملاحظات حوله وإعادته إلى مجلس القضاء الأعلى لإدخال التعديلات المطلوبة.

وتكثر التساؤلات في هذه المرحلة حول الأسباب التي تؤخر صدور القرار الظنّي بهذه القضية، حتى إن قوى وأحزاباً سياسية تزعم أنها تدعم المحقق العدلي، بدأت إثارة الشكوك حول نيات الأخير وتستغرب تردده في كشف حقيقة الانفجار، علماً بأن القاضي البيطار لم يستكمل تحقيقاته بسبب سياسة تعطيله المستمرّة منذ أشهر طويلة، وبالتالي يستحيل إصدار القرار الاتهامي قبل إنجاز الإجراءات كافة. ويرى مصدر قضائي مطّلع على مسار الملفّ، أن "التأخير في استئناف التحقيق سيؤدي حتماً إلى التأخير في صدور القرار الظني، وإحالة الملفّ إلى المحاكمة العلنية أمام المجلس العدلي. ويؤكد أن القاضي البيطار اجتاز منتصف الطريق من التحقيقات، إلا أن مرحلة صعبة جداً تنتظره، وهي كيفية عبور الممر الإلزامي لاستجواب السياسيين المدعى عليهم وهم رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والنواب علي حسن خليل، وغازي زعيتر، ونهاد المشنوق، والوزير السابق يوسف فنيانوس، الذين يرفضون المثول أمامه، بالإضافة إلى مسؤولين عسكريين وأمنيين.

 ولا يتوقّف الأمر على الشقّ الداخلي للملفّ، بل ثمّة إجراءات ذات بُعد خارجي. ويشدد المصدر على أهمية "متابعة المحقق العدلي لمصير الاستنابات التي أرسلها إلى عدد من الدول، وطلب في بعضها صوراً للأقمار الصناعية للمرفأ قبل الانفجار وخلاله، وفي البعض الآخر منها طلبات مرتبطة باستجواب أشخاص في أكثر من دولة بينهم قبطان الباخرة روسوس التي شحنت "نترات الأمونيوم" من جورجيا إلى مرفأ بيروت ومالكها، وأصحاب هذه المواد والشركات التي اشترتها، وحركة التحويلات المالية الخاصة بهذه الشحنة"، مشيراً أيضاً إلى أن المحقق العدلي "ينتظر ورود التقرير الفني النهائي من السلطات الفرنسية والذي تُبنى عليه نتائج بالغة الأهمية، أولاها تحديد أسباب الانفجار وما إذا كان نتيجة حريق حصل عن طريق التلحيم، أو بفعل عمل أمني داخلي أو استهداف خارجي".


لا تفسير لتجميد وزير المال المرسوم 

ولم تتلقّ المراجع القضائية تفسيراً لتجميد وزير المال يوسف خليل مرسوم التشكيلات القضائية، وأكد مصدر في مجلس القضاء الأعلى أن المرسوم لا يزال عالقاً عند وزير المال، وهو لم يبدِ ملاحظاته بشأنه، ولم يعلل أسباب تجميده. وقال: "إذا كانت لدى الوزير أي ملاحظات على المرسوم، فيجب تدوينها خطياً وإعادته إلى مجلس القضاء للنظر فيها واتخاذ موقف بشأنها"، معتبراً أن "هذا الأسلوب في التعاطي مع السلطة القضائية يشكّل سابقة غير مبررة". وقال المصدر: "مؤسفٌ أننا قرأنا في بعض وسائل الإعلام تبريرات وزير المال، لكننا لم نتلقّ جواباً رسمياً يحدد موقفه".

وعزا وزير المال في بيان مقتضب جداً عدم توقيع المرسوم إلى أنه "يتضمن أخطاءً أساسية من شأن التوقيع عليه أن يخلق سابقة". ويأتي اعتراضه على عدم تعيين الرئيس الأوّل لمحكمة التمييز كرئيس لإحدى الغرف العشر الموّزعة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، رغم أنّ هذا الواقع قائم منذ سنوات ولم يسبق أن أثاره وزراء المال السابقون. وتوقّع متابعون للملف "وجود أسباب سياسية وراء تجميد المرسوم". واستبعدوا في حينه الإفراج عنه "قبل انتهاء الانتخابات وإعلان نتائجها، باعتبار أن هناك سياسيين مدعى عليهم مرشحين للانتخابات محسوبين على الفريق نفسه الذي يتبع له الوزير (النائبان عن حركة "أمل" علي حسن خليل وغازي زعيتر)، وأي استدعاء لهم أو اتخاذ أي تدبير بحقهم يشكل إحراجاً لهم وللفريق السياسي الذي يغطيهم"، معتبرين أن "تأجيل مرسوم التشكيلات إلى ما بعد الانتخابات يأتي ضمن سياق مدروس، لأن فوز هؤلاء بولاية نيابية جديدة يمنحهم حصانة لأربع سنوات مقبلة".

 وتسعى أطراف سياسية إلى إيجاد مخرج قانوني يحدّ من صلاحية القاضي البيطار ويعيد إطلاق عجلة لاستمرار التحقيق، يقوم على مبدأ تعيين محقق عدلي إضافي توكل إليه مهمّة البت بطلبات إخلاء سبيل الموقوفين في هذا الملفّ، والنظر بصوابية أي مذكرات توقيف جديدة يصدرها البيطار، إلا أن اقتراح القانون هذا سقط في مجلس الوزراء، لأنه مخالف لأحكام القانون الذي يعطي المحقق العدلي صلاحيات واسعة لا يمكن القفز فوقها، كما أنه لا يمكن إصدار قانون خاص بقضية معينة، بل يُفترض بالقانون أن يأخذ مبدأ الشمولية.

وتتخوّف مراجع قضائية وقانونية من أبعاد تجميد وزير المال للمرسوم، والذي قد يشكل سابقة يعتمدها الوزراء عند كلّ حالة خلافية، ويشدد رئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي شكري صادر، على أن وزير المال "ملزم بالتوقيع على مرسوم التشكيلات الجزئية، وبإحالته فوراً على رئيس الحكومة ومن ثمّ رئيس الجمهورية".

ويقول صادر إن "امتناع وزير المال عن توقيع المرسوم، بمثابة اغتصاب لصلاحيات دستورية ليست من اختصاصه، لأن توقيع وزير المال محصور بالشق المالي وصرف نفقات محددة للقضاة، ولا يحق له البحث في ميثاقية المرسوم، وإلّا ماذا ترك لمجلس الوزراء ولمجلس النواب؟".

ويذكّر رئيس مجلس الشورى السابق بأنه "عندما يُصدر مجلس القضاء الأعلى مرسوم التشكيلات بإجماع أعضائه، وفي حال وضع أيٍّ من المعنيين بالتوقيع ملاحظات على المرسوم (أي الوزراء المختصين ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية)، وإذا عاد مجلس القضاء الأعلى وأصرّ عليها، تصبح سلطة الوزراء والرؤساء مقيّدة، أي أنهم ملزمون بالتوقيع عليه، وليست سلطة استنسابية".

وتؤكد مصادر متابعة لهذا الملف، ان لا جديد يمكن ان يحرك التحقيق في هذه الجريمة، ما لم "يحرر" القاضي البيطار من القيود التي جمدته عن العمل منذ اشهر بفعل تجميد مرسوم تعيين رؤساء محاكم التمييز. الا انها تشير الى انتهاء الانتخابات وفوز النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر في مقعديهما النيابيين من جديد، يعيد اليهما الحصانة النيابية، ما يعيد بالتالي الكرة الى الملعب الاساس وهو رفع الحصانة وهو امر غير ممكن، او احالتهما مع الاخرين الى المحكمة العليا لمحاكمة الرؤساء والوزراء التي لا تنظر حتى الان في أي ملف مماثل. وتتوقع المصادر ان يأخذ ملف التحقيق في انفجار المرفأ مكانه من جديد مع انتهاء الانتخابات النيابية ما يعيد الملف الى الحياة من جديد، وإن كانت المعطيات تشير الى ان استمرار توقيف الاشخاص حتى اليوم، قد يحرك مرجعيات دولية تعنى بحقوق الانسان لاثارة قضيتهم على نطاق واسع.

القاضي طارق البيطار.

القاضي طارق البيطار.

النائب غازي زعيتر.

النائب غازي زعيتر.

النائب علي حسن خليل.

النائب علي حسن خليل.