تفاصيل الخبر

هيئة الإشراف على الانتخابات بلا إمكانات وصلاحيات ما يجعل قراراتها وتوصياتها... حبراً على ورق!

هيئة الإشراف على الانتخابات برئاسة القاضي نديم عبد الملك عند وزير الداخلية بسام مولوي

هيئة الإشراف على الانتخابات برئاسة القاضي نديم عبد الملك عند وزير الداخلية بسام مولوي


منذ ان نص قانون الانتخاب على إنشاء "هيئة مستقلة" للاشراف على الانتخابات النيابية، وبعيد تشكيلها في استحقاقات انتخابية سابقة، ظلت الاسئلة تدور حول فعالية هذه الهيئة التي لم تعط صلاحيات تنفيذية، والبعض يقول إنها لم تمارس دورها كما يجب. صحيح ان طريقة تشكيلها تترك باب الاجتهادات مفتوحاً حول مدى "استقلاليتها" لأنها تشكل بقرار من مجلس الوزراء، لكن الصحيح ايضا ان كل التقارير التي وضعتها الهيئة في الماضي ظلت حبراً على ورق، ولم يؤخذ بها لدى البحث في اي من الطعون الانتخابية التي قدمت الى المجلس الدستوري في دورات سابقة. واذا كان رئيس الهيئة القاضي نديم عبد الملك يشكو من ضعف الامكانات المتوافرة لديه للقيام بالمهام الملقاة على عاتق الهيئة على نحو كامل وسليم، فإن الواقع الذي تعيشه الهيئة يظهر بما لا يقبل الشك ان دورها سيقتصر في دورة 2022، على ما كان عليه في دورات سابقة، اي كتابة التقارير التي لن تجد من يقرأها او يعمل بموجبها، حتى ان التوصيات التي كانت تصدر عن الهيئة بعد كل دورة انتخابية، كانت تبقى مجرد توصيات لم تر النور التنفيذي طوال السنوات الماضية.

الا ان ما زاد قناعة المراقبين بأن الهيئة بدأت عملها في هذه الدورة متعثرة سلفاً، هو الخلاف الذي نشأ بين رئيسها القاضي عبد الملك، ووزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي الذي يبدو ان الكيمياء لم تفعل فعلها الايجابي بين الرجلين ما ينذر بمواجهات مرتقبة بينهما. كانت طلائعها الاسبوع الماضي عندما اعلن القاضي عبد الملك عن وجود رشى انتخابية تجعله يشكك سلفاً بنزاهة العملية الانتخابية برمتها، فضلاً عن حديثه عن "فوضى" قائمة من دون ان يقدم دليلاً قاطعاً حول اتهاماته التي يمكن ان تستعمل مادة للطعن لاحقاً بنتائج الانتخابات النيابية برمتها. واتى كلام عبد الملك وحزب الكتائب على خلفية تخطي السقوف المالية للانفاق الانتخابي في الاعلام والاعلان، علماً ان هذه الشكوى لم تأخذ بعد طريقها العملي والقانوني ليتم الاعتداد بها. ويعود سبب الخلاف بين الوزير مولوي والقاضي عبد الملك، الى ما اعلنه رئيس هيئة الاشراف على الانتخابات عبر وسائل الاعلام عن وجود فوضى في الإعلام والإعلان وتحدث عن رشى انتخابية منتقداً "الافتقار إلى المساواة في الظهور الإعلامي للمرشحين المنسحب أيضاً على السقف الانتخابي"، ومشككاً بأن معايير "الديموقراطية التي تفترض النزاهة والحياد والشفافية في الانتخابات ووقف خطاب الكراهية والتخوين والتهويل والتخويف، باتت مهددة". بكلامه أوجد عبد الملك مادة للطعن في الانتخابات قبل حصولها. حتى وان كانت مواقفه وما اعلن عنه لم يقترن بتقديم اثباتات بقدر ما جاء كلاماً عاماً، فضل مطلقه ومن موقعه المسؤول رفع الصوت عبر الاعلام عوض الالتزام بالسقف الذي حدده القانون لعمل الهيئة، اي اعداد التقارير ورفعها الى الجهات المعنية. وباعتراف الوزير مولوي فإن عبد الملك قال كلاماً خطيراً لكن يجب ان يكون موثقاً اولاً وان يبلغ به النيابة العامة، اي ان تقوم الهيئة بدورها امام القضاء بدل ان تقدم مادة دسمة للراغبين بالطعن الانتخابي، لا سيما حين يوجه مولوي انتقاداً لاذعاً للهيئة اقرب الى التأنيب لكونها ومنذ تشكيلها لم تتخذ اي إجراء رادع بحق اي وسيلة اعلامية. ويقول قريبون من وزير الداخلية إن المخالفة الاولى انتخابياً ارتكبها رئيس هيئة الاشراف على الانتخابات بتوزيعه الاتهامات من دون وجود ادلة، والتشكيك بديموقراطية العملية الانتخابية واطلاق كلام عام يشمل به الجميع من دون استثناء، وكل ذلك ليوصل رسالة الى الحكومة تقول إن امكانيات هيئة الاشراف معدومة مما يصعب عليها القيام بدورها وليعلن مسبقاً تبرئته من اي اتهام بالتقصير في ما بعد.



ماذا يقول القانون... والواقع 

 يقول قانونيون إنه من الناحية القانونية خالف حديث عبد الملك القانون رقم 44/2017 لأن مهام الهيئة وفق ما هو وارد في المادة 16 تشترط على رئيسها عدم التصريح، وفي حال صرح يفترض به ان يكون حيادياً خاصة وانه تحدث عن رشى فخرج بذلك عن دور الهيئة المحصور بإعداد التقارير ورفعها الى وزير الداخلية او اتخاذ إجراءات، اما ادارية أو ارسال تنبيهات او احالة الموضوع الى محكمة المطبوعات او الى النيابة العامة في حال الرشى، لكن عبد الملك استعاض عن كل ذلك بالحديث في الاعلام فمن يشرف على اشراف هيئة الاشراف وهل يطبق القانون؟ ويضيف خبراء في القانون العام في القانون العام أن لا صلاحيات تنفيذية للهيئة وتقتصر مهامها على رفع التقارير وليس التصريح للاعلام. وهذه مهام واردة في المادتين 16 و19 واللتين تعدان كخريطة طريق لعملها والا لا يحق له بالتصريح، ويلزمه موافقة مسبقة من اعضاء الهيئة. وبالموازاة وفيما لم تعلن الهيئة عن اعداد تقارير موثقة عن مخالفات وتقديم رشى انتخابية، الا انها سبق وتقدمت برسائل  تنبيه الى المعنيين من خبراء انتخابات ووسائل اعلام بعدم نشر استطلاعات للرأي خلافاً للشروط والأحكام القانونية المحددة وغير معلن عنها صراحة تحت هذا العنوان، علماً ان استطلاعات الرأي غالباً ما تكون معدة سابقاً وقد بدأ الخبراء العمل عليها منذ نهاية العام الماضي اي قبل صدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة رقم 8590 تاريخ 29/12/2021، وقبل تاريخ بدء الحملات الانتخابية بموجب التعميم الصادر عن وزير الداخلية والبلديات بتاريخ 5/1/2022، وقبل صدور القرارات عن الهيئة بتاريخ 5/1/2022 المتعلّق بالقرارات التنظيمية والتعاميم والبيانات المتعلقة بالعملية الانتخابية، والقرار رقم 7 تاريخ 25/1/2022، أي قبل أن يتّضح من هي الجهة التي يجب مراجعتها للاستحصال على إذن مسبق بحسب ما يقتضي القانون لإجراء استطلاعات الرأي. وقد تبين من خلال مضمون التنبيهات التي وجهتها الهيئة اعتبارها ان الحديث عن استطلاعات الرأي هدفه "نشر وبث الترجيحات والاستنتاجات"، وليس دراسات اجريت على أسُس علميّة يعدها خبراء في هذا المجال وليست مجرد رأي، الا اذا كان المطلوب طلب اذن مسبق لاجراء مقابلات مع خبراء استطلاعات الرأي.

بسبب ضعف الامكانات التي تحدث عنه عبد الملك ونقص الكادر البشري، لم تستطع الهيئة توثيق المخالفات الانتخابية وتعجز عن وضح حد للاطلالات الاعلامية للمرشحين او ضبط سقف الانفاق الانتخابي. ربما هي العلة في قانون الانتخاب الذي حدد سقف الانفاق الانتخابي على الورق بينما وجد منافذ للتحايل عليه بما صعب عملية المراقبة، وفوضى الظهور الاعلامي للمرشحين الخاضع لاعتبارات سياسية. فالخلل الاساسي في هيئة مشكلة من فريق عمل من دون ادوات تنفيذية ولا قدرة لديها على المراقبة بما يجعل دورها عرضة للتشكيك بالشكل والمضمون.


لا استجابة لطلبات رئيس الهيئة والاعضاء

ويرى مدافعون عن موقف القاضي عبد الملك، ان نظام الهيئة غير عادل لانها مطلوب منها الاشراف على الانتخابات من دون ان تعطى صلاحيات واضحة وثابتة كمن يذهب الى الصيد من دون سلاح صيد، فكيف له ان يصطاد طرائده، ويعود محملاً بها، ويضيف هؤلاء ان تشكيل الهيئة خضع لاعتبارات سياسية وطائفية افقدها سلفاً القدرة على التحرك وتحقيق المطلوب منها على رغم مساعي عبد الملك لحصول الهيئة التي يرأسها فاعلة وقادرة. 

من هنا فإن السلطة السياسية التي يفترض ان تدعم عمل الهيئة، تقف عملياً حجر عثرة امام حركتها ودورها ومسؤولياتها وبالتالي فإن توجيه اللوم الى رئيسها او الى اعضائها ضمناً يدفع الاعتقاد بوجود "قطبة مخفية" لتعطيل عمل الهيئة او جعله صورياً امام الرأي العام الدولي الذي طالب بهيئة مستقلة للاشراف على الانتخابات، فكانت الهيئة بقرار من مجلس الوزراء لكن من دون تمليكها القدرة على ان تقوم بأي دور فاعل ومؤثر، حتى ان التعويضات التي اعطيت للرئيس والاعضاء في الهيئة ليست على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ولم ترصد الاعتمادات اللازمة لتمكين فرق العمل في الهيئة من رصد المخالفات لاسيما في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة "الفالتة" من دون حسيب او رقيب خصوصاً انها لا تتقيد بالتعاميم الصادرة عن الهيئة ما جعلها عملياً "فاتحة على حسابها"... فكيف والحالة هذه سيكون في استطاعة هيئة الاشراف على الانتخابات ان تشرف فعلاً لا قولاً على هذه الانتخابات؟ سؤال سيبقى من دون جواب في بلد تصدر فيه قوانين.. كي لا تنفذ!.

لافتات انتخابية.

لافتات انتخابية.