تفاصيل الخبر

الإنفاق المالي الانتخابي تجاوز سقف القانون ونجمه "الفريش دولار"... والتواصل الاجتماعي

النائب جبران باسيل يتهم "القوات" والكتائب" برفع سقف الإنفاق الانتخابي.

النائب جبران باسيل يتهم "القوات" والكتائب" برفع سقف الإنفاق الانتخابي.


 لا يختلف اثنان على أن "نجم" الانتخابات النيابية التي ستجري في 15 ايار (مايو) الجاري، هو "الدولار الفريش" الذي يشكل الوسيلة الاساسية لغالبية المرشحين والمرشحات الى الاستحقاق الانتخابي، علماً انه تفاوتت نسبة استعمال هذا "السلاح الاخضر" حسب القدرة المالية للمرشح او الجهة التي تموله سواء من داخل لبنان وخارجه، وسط معلومات تتزايد يوما بعد يوم عن مال تدفق من الخارج تحت عنوان "دعم الجمعيات ذات المنفعة العامة" او الجمعيات الاهلية NGO’S.... كل ذلك وسط عجز غير معلن رسمياً بعد عن قدرة هيئة الاشراف على الانتخابات على مراقبة الاتفاق الانتخابي المحدد وفق القانون على الشكل الاتي: يجوز للمرشح ان ينفق من اجل حملته الانتخابية مبالغ من امواله الخاصة. ويعتبر مال الزوج أو أي من الأصول أو الفروع بمثابة المال الخاص للمرشح. تخضع جميع النفقات التي يعقدها أو يدفعها المرشح من ماله الخاص لأجل حملته الانتخابية الى سقف الانفاق. ويحدد سقف المبلغ الاقصى الذي يجوز لكل مرشح انفاقه اثناء فترة الحملة الانتخابية وفقا لما يأتي: قسم ثابت مقطوع قدره سبعمائة وخمسون مليون ليرة لبنانية، يضاف اليه قسم متحرك مرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية الكبرى التي ينتخب فيها وقدره خمسون الف ليرة لبنانية عن كل ناخب من الناخبين المسجلين في قوائم الناخبين في الدائرة الانتخابية الكبرى. اما سقف الانفاق الانتخابي للائحة فهو مبلغ ثابت مقطوع قدره سبعمائة وخمسون مليون ليرة لبنانية عن كل مرشح فيها يمكن اعادة النظر بهذا السقف لدى افتتاح فترة الحملة الانتخابية في ضوء الظروف الاقتصادية وذلك بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية والبلديات وبعد استطلاع رأي هيئة الاشراف على الانتخابات.

صحيح ان القانون حدد السقف الانفاقي، لكن الواقع ان العديد من المرشحين تجاوزوا هذا السقف حتى قبل حلول موعد الانتخابات، ما جعل، مثلا رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل يعلن انه في صدد تحضير شكوى بشأن الخروقات الانتخابية على الصعيد المالي. لافتاً الى ان تياره لا يستعين بالمال للحصول على اصوات لا تلتقي مع توجهاته السياسية. وفي هذا السياق، شرع نواب في "التيار" في إعداد ملف يتضمن اثباتات ووثائق ملموسة يمكن الاستناد اليها لدعم الشكوى. ولعل كلام "التيار" يلتقي مع مظاهر تدفع الى التأكيد على تجاوز سقف الانفاق الانتخابي ذلك ان شوارع لبنان تغص بصور المرشحين في كل المناطق، اللوحات الاعلانية الضخمة والصغيرة. وصور معلقة في اي مساحة فارغة حتى لو كانت مساحة لا تتعدى حجم كف اليد لدرجة ان المواطنين بدأوا يشكون الزحمة في المكاتب والمطابع، حيث لا يمكن طبع ورقة واحدة حتى لأن المطابع مشغولة بصور المرشحين ولافتاتهم ومنشوراتهم. وكما في الشوارع. كذلك في الاعلام، بكل قطاعاته مرئيا ومسموعا ومقروءا، خطابات مقابلات، اطلالات خاصة، وسائل الاعلام تبدو كأنها تتفائل من اجل استضافة المرشحين. حتى المسلسلات الرمضانية لا تاخذ حيزاً هذه السنة بقدر المرشحين على القنوات اللبنانية. الاذاعات تعاني هذا الترف ايضا فلم تعد الموسيقى انيسة السائقين على الطرقات، فكل محطة تستقبل مرشحا. اما في الصحف فمعظم المقالات يصنف في اطار الحملات الانتخابية سواء لجهة المدح بمرشح او الذم بآخر، واللافت هذه السنة هو استعمال مواقف التواصل الاجتماعي حيث نشط المرشحون في استخدامها مؤخرا اكثر من الانتخابات السابقة، سواء كان ذلك عبر تطبيقات الكترونية خاصة او من خلال المواقف الالكترونية التي نبتت كالفطر منذ اشهر وباتت مرئية ومسموعة ومكتوبة في آن خلافا للقوانين والانظمة المرعية الاجراء، وصار في امكان كل مرشح ان ينشر فيديوات دعائية تتضمن مواقف سياسية ولقطات لخدمات اجتماعية وصحية وتربوية... وكل ذلك بــ "الدولار الفريش"!

فلتان تجاوز سقف الانفاق....

هذا "الفلتان" الاعلاني والاعلامي لفت الجهات التي تتولى مراقبة الانتخابات بدءاً بهيئة الاشراف على الانتخابات التي تبدو عاجزة عن فعل شيء باستثناء اصدار البيانات وكتابة التقارير لما حصل في دورة 2018 من دون ان يكون هناك اي تأثير لبياناتها وملاحظاتها، علماً ان تعديل السقف المالي الانتخابي لهذه الدورة كان نتيجة مواجهة البلد لأزمة اقتصادية وانهيار العملة، لكنه لم يخضع لأي معايير واضحة، وعلى أي أساس تم اختيار هذه الأرقام، والملفت بالموضوع، أنه يتسبب بخلل في مبدأ العدالة في المنافسة بين المرشحين. انطلاقا من هذه النقطة، رفع سقف الانفاق الانتخابي يسمح لمن يملك اموالا طائلة أن يكون إنفاقه عاليا جدا، من دون أن يقوم بمخالفة، بينما لن يتمكن المرشحون العاديون الذين لا يملكون هذا القدر من الأموال، من مجاراته. كذلك فان سقف الانفاق مرتبط أيضا بحساب مصرفي، فكل مرشح يجب أن يفتح حسابا مصرفيا أو يفتح حسابا في وزارة المال، لكن التحدي يكمن في تحريك هذا الحساب، أي إيداع الأموال وإخراجها، فمرسوم تعديل السقف الانتخابي، لم يلحظ المواد التي تنص على أنه إذا تخطى المبلغ الذي يجب دفعه المليون ليرة، يجب أن يتم الدفع عبر شيك مصرفي، واليوم هناك أزمة في لبنان من ناحية استخدام الشيكات، خصوصا أن مبلغ المليون ليرة اليوم هو مبلغ زهيد جدا. كذلك لجهة الإيداع يفرض القانون أن يكون الإيداع عبر حوالة مصرفية، وهذه أزمة أيضا، ولا سيما أن عدد المرشحين كبير جدا، ولذلك يواجه الكثيرون منهم مشاكل في تحريك حساباتهم. ويقول مراقبون للعملية الانتخابية ان ضبط الإنفاق من المفترض أن يجري حسب المادة 58 من قانون الانتخاب، الذي هو كل ما يدفع خلال الحملة الانتخابية، أي الإعلام والإعلان، اللوحات الإعلانية، البرامج التلفزيونية، كل موقع لجريدة، تقدم وسائل الاعلام نوعاً من "package"، نسخة منه تذهب إلى المرشحين، ونسخة إلى هيئة الإشراف على الانتخابات، لكن القاضي نديم عبد الملك، رئيس الهيئة، لطالما صرح بأن الهيئة لا تملك القدرة والإمكانات اللوجيستية التي تمكنها من مراقبة فعالة للانفاق، وهذا يمنح أفضلية للمرشحين الذين يملكون الفريش دولار، لأنه السبيل الوحيد للإنفاق اليوم، وهنا تكمن الصعوبة، اذ لا يمكن مراقبة النقد "الكاش"، بعكس الحساب المصرفي الذي يمكن معرفة كل العمليات التي حصلت عليه، ولذلك هناك انفاق مرتفع لبعض المرشحين، بينما مرشحون آخرون بالكاد يظهرون. أما الخدمات، فالمادة التي يعتمد عليها المرشحون بجزء كبير، هي المادة 62 من قانون الانتخاب حسب دندش: "المادة تقول، تعتبر محظورة أثناء فترة الحملة الانتخابية الالتزامات والنفقات التي تتضمن تقديم خدمات أو دفع مبالغ للناخبين، ومنها على سبيل البيان لا الحصر: التقديمات والمساعدات العينية والنقدية إلى الأفراد والجمعيات الخيرية والاجتماعية والثقافية والعائلية والدينية وسواها أو النوادي الرياضية وجميع والمؤسسات الرسمية، لكنها في بندها الثاني تقول، لا تعتبر محظورة التقديمات والمساعدات المذكورة أعلاه اذا كانت مقدمة من مرشحين أو مؤسسات يملكها أو يديرها مرشحون أو أحزاب درجوا على تقديمها بذات الحجم والكمية بصورة اعتيادية ومنتظمة منذ ما لا يقل عن ثلاث سنوات قبل بدء فترة الحملة الانتخابية، وفي هذه الحالة لا تعتبر المدفوعات والمساعدات المقدمة اثناء الحملة الانتخابية خاضعة للسقف الانتخابي المنصوص عليه في المادة 62 أعلاه. وهنا التحدي اذ كيف يمكن معرفة أن الخدمات التي يقدمها حزب أو جمعية أو مرشح، هي ليست من أجل الانتخابات؟ هل يمكن تتبع فترة الخدمات لثلاث سنوات سابقة؟ لذلك يطالب مراقبون أن هذه المادة بحاجة إلى تعديل، لأنها تؤثر في الناخب، بشكل كبير، تحديدا في ظل الأزمة التي يعيشها البلد".


... ومصادره معروفة وغير معروفة!

الا ان السؤال الكبير يبقى من اين تأتي الاموال "الطازجة" لتدفع في الاستحقاق الانتخابي والوضع المالي له ضوابطه في لبنان حاليا والمصارف تمارس تضييقاً لا مثيل له على المودعين، كباراً كانوا ام صغاراً؟ يجيب مطلعون بأن ثمة 3 مصادر لهذه الاموال:

1- الدعم الخارجي، اي دول تساعد قوى سياسية في حملاتها الانتخابية.

2- الارباح الطائلة جراء سنوات طويلة من الفساد والاموال الهائلة من الناس بطريقة غير شرعية من باب التهريب والتجارة ودعم المواد الغذائية وبالتالي من الممكن ان تكون صبت لمصلحة بعض القوى.

3- سحوبات قامت بها بعض القوى من المصارف سابقاً بانتظار الاستحقاق الانتخابي بذلك ان يمولوا حملاتهم.

يذكر انه في بيروت الاولى مثلا فقد بلغ السقف الانتخابي النهائي 521 مليون ليرة تقريبا، واليوم الـــ 100 مليون هي تقريبا 4000 دولار وهذا المبلغ لا يكفي لاطلالة تلفزيونية للمرشح.


ويلاحظ متابعون ان الانفاق المالي المباشر سيد الموقف مع تراجع نسبة المهرجانات الشعبية التي كانت تستهلك المواد الغذائية والاجهزة التقنية وغيرها. وكان مستوردو المواد الأولية اللازمة لطباعة إعلانات اللوحات الكبيرة وملصقات الجدران وشعارات الأحزاب على القمصان والقبعات، وغيرها من مستلزمات الحملات الانتخابية، يستعدّون للموسم الانتخابي قبل أشهرٍ وسط صعوبة في الحصول على المواد وتوقعات بارتفاع الطلب. إلا أنه بحسب أحد المستوردين الـ6 في هذا المجال، فقد تراجع عدد المستوردين إلى 3 فقط، وتراجع الطلب بنحو 52% مقارنة مع ما كان عليه في انتخابات 2018، علماً بأن حجم مبيعات كل من مستوردي هذه اللوازم يلامس المليون دولار في الأشهر الثلاثة السابقة لموعد الانتخابات. كما أن جزءاً كبيراً من البضائع كسد في المستودعات. لحملات الانتخابية لم تكن تقتصر على ذلك، إذ فرض التطور التكنولوجي من جهة، والأزمة الاقتصادية من جهة أخرى، خيار التوجه نحو الحملات الإعلانية الافتراضية عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، والإعلانات المدفوعة على محرّك البحث «غوغل»، ما زاد فرص العاملين في التصوير والمونتاج والغرافيكس والمؤثرين وواضعي استراتيجيات الحملات الافتراضية وصانعي المحتوى. ويؤكد صاحب إحدى شركات الإعلان أن «التفاعل مع الجمهور عبر صفحات التواصل الاجتماعي، عامل جاذب ومهم، لأنه يساعد المرشحين على إيصال أفكارهم، بخاصة العاجزين منهم عن دفع البدلات المرتفعة للإطلالات التلفزيونية، لكنه لا يعفيهم من بعض الإعلانات التقليدية». لجهة التكلفة المادية «يبقى هذا النوع من الإعلان هو الأرخص. ففي الحملات التقليدية قد يحتاج المرشّح إلى مليون دولار، بينما تتراوح ميزانية اعتماد الإعلان الافتراضي على ما بين 5 آلاف دولار و10 آلاف دولار تتضمن تدريب المرشح على صياغة خطابه وبرنامجه الانتخابي وكتابة منشوراته وطباعة ما يلزم من دون التدخل في عمل الماكينة الانتخابية والإطلالات التلفزيونية». أما آلية التسعير فجزء منها بالدولار لكل ما هو متعلّق بالإعلانات المدفوعة على «غوغل» أو «فايسبوك»، وأخرى بالليرة بدل أتعاب فريق العمل من مصوّرين واستشاريين وغيرهم.


من الحملات الإعلانية واللوحات الانتخابية.

من الحملات الإعلانية واللوحات الانتخابية.