تفاصيل الخبر

هل يكشف التحقيق في فاجعة "زورق الموت" الحقيقة أم يزيد الغموض من معاناة الأهالي واستهداف الجيش وقائده؟

زورق غير شرعي لنقل لبنانيين هاربين من وطنهم.

زورق غير شرعي لنقل لبنانيين هاربين من وطنهم.


 فاجعة غرق الزورق قبالة شاطىء طرابلس عشية عيد الفصح لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي لم تضرب مدينة طرابلس والشمال نتيجة غرق نحو 33 شخص بين لبناني وغير لبناني وانقاذ 48 وانتشال 7 جثث، بل اغرقت لبنان بكامله الذي ينام اهله على مصيبة ليصحو في اليوم التالي على مصيبة جديدة. صحيح ان الزورق كان يبحر محملاً بنحو 80 راكباً في رحلة غير شرعية انطلقت من شاطىء القلمون (في الشمال) ووجهتها ايطاليا في اطار الهجرة غير الشرعية التي يشهدها لبنان منذ تدهور الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية فيه، لكن الصحيح ايضاً ان مثل هذه الرحلات التي ينظمها مهربون احترفوا استغلال وجع الناس وعذاباتهم، لم تعد تقتصر على نازحين سوريين ولاجئين فلسطينيين يبحثون عن اوطان بديلة بعدما سدت في وجههم اوطانهم الاصلية، بل باتت تشمل عائلات لبنانية بكامل افرادها ممن يشكون من الضائقة الاقتصادية الخانقة ويسعون بحثاً عن مستقبل افضل لهم ولأولادهم واقربائهم في ظاهرة لم يسبق ان شهدها لبنان في تاريخه الحديث. مأساة زورق طرابلس بركابه عكست حالة اجتماعية خطيرة يعيشها ابناء المدينة والجوار الذين لجأ بعضهم الى البحر هرباً من الواقع الذي يعيشون فيه، فصارت الفيحاء مستقراً تتجمع فيه جموع من جنسيات مختلفة ترتمي في البحر، بعضها ينجح في الوصول الى مقصده، والبعض الاخر يغرق ليزيد عدد الضحايا والرابح الاول في هذه المآسي، هم مجموعة من المهربين الذين امتهنوا جرائم تهريب اليائسين واستغلوا اوجاعهم وسرقوا اموالهم ثمناً لمقعد في زورق بالنسبة اليهم "مفتاح الفرج" في الوصول الى دولة اوروبية علهم يبدأون فيها حياة جديدة تنسيهم عذاباتهم في وطنهم الأم.

رحلة الموت التي انطلقت من شاطىء القلمون ليلة عيد الفصح لدى لشرقيين كانت وجهتها ايطاليا، والركاب دفع كل منهم 2500 دولار ثمن الرحلة في زورق يتسع لعشرين راكباً "محشورين" واذا به يحمل على متنه نحو 80 سخصاً بينهم اطفال ونساء ورجال، وبعضهم من عائلة واحدة. لكن قدر هؤلاء الركاب قادهم الى حتفهم عندما اعترضت خافرة بحرية للجيش اللبناني طريقهم قبل مغادرتهم المياه الاقليمية اللبنانية ودخولهم المياه الاقليمية القبرصية وحاول افرادها ثنيهم عن متابعة رحلتهم لأن خطر الزورق المحمل فوق طاقته بالغرق كانت محتماً خصوصاً ان لا سترات نجاة ولا وسائل انقاذ على متن الزورق، بل بالعكس حمّل الى الركاب الـــ 80 ثلاثة اطنان من المازوت في غالونات توزعت في مؤخرة الزورق لتأمين وصوله الى المكان المقصود في ايطاليا. لم يستجب قائد الزورق لنداءات الخافرة العسكرية بالتوقف عن الابحار والعودة الى مرفأ طرابلس ودار نقاش حاد بين افراد الدورية البحرية والركاب تطور الى تصادم بين الزورق والخافرة، ما ادى الى غرق الزورق. وفيما تتناقض الروايات حول ظروف هذا التصادم بين رواية الركاب بأن الخافرة العسكرية صدمت زورقهم 3 مرات واحدثت ثقوباً فيه تسللت منها مياه البحر فحصل الغرق، وبين رواية الجيش من ان قائد الزورق قام بمناورات للهرب من الخافرة والزورق الحربي الذي كان كان يرافقها فاصطدم بالخافرة العسكرية وانشطر الى قسمين وغرق في البحر. قد يكون من الصعب معرفة حقيقة ما حصل في عرض البحر لاسيما وان الركاب تمسكوا بروايتهم وكذلك الجيش، فإن التحقيق الذي بدأ لمعرفة ملابسات ما حصل يؤمل ان يكشف الحقائق ويحدد المسؤوليات تمهيداً لمحاسبة من أخطأ او من تسّرع، او من عاند وتعنّت على متن الزورق حتى كانت النهاية المأسوية التي حصلت التي اضافت الى معاناة عائلات طرابلسية عوامل جديدة مؤلمة.


ما مدى مسؤولية خافرة الجيش في صدم الزورق؟

 الا ان اللافت وسط هول ما حدث، كانت ردود الفعل التي صدرت عن ذوي الضحايا والتي حملت الجيش مسؤولية غرق الزورق بعد صدمه قصداً من الخافرة العسكرية، وروى ناجون من الغرق تفاصيل ما حصل والتي صبت كلها في تحميل آمر الخافرة مسؤولية "اغراق" الزورق. وتبعاً لذلك تعالت الاصوات ضد قائد الجيش العماد جوزف عون ومعاونيه، واستهدفت المؤسسة العسكرية على نحو غير مسبوق وانطلقت التظاهرات والهتافات المعادية للعماد عون ولقائد القوات البحرية العقيد هيثم ضناوي (وهو ابن الشمال) وصار المشهد الاعتراضي يتوسع حتى قيل انه بداية لتدهور امني واسع ينطلق من طرابلس ليشمل مدناً وقرى شمالية اخرى، وذهب البعض الى القول إنها بداية لسلسلة من الاحداث الامنية سوف تؤدي الى تأجيل الانتخابات النيابية المقررة في 15 ايار (مايو) المقبل، وهو حدث يرّوج له الكثيرون منذ مدة ويتحدثون عن سيناريوات محضرة كانت بدايتها في زورق الموت قبالة طرابلس. لقد بدا واضحاً ان ثمة من "دوزن" حملة منظمة ضد الجيش متناسياً ان السبب الاساسي لما حصل هو مغادرة ركاب الزورق بصورة غير شرعية الاراضي اللبنانية وتحميل الزورق اكثر من طاقته الطبيعية، وهو مشهد تكرر مراراً قبل اشهر في ما يعرف بــ "الهجرة غير الشرعية" التي بات لها اربابها ومن يخطط لها وينفذ ويبتز العائلات الفقيرة واليائسة الباحثة عن مستقبل افضل بعد قطع الامل من مستقبل لهم في وطنهم الأم، فسارعوا الى البحث عن وطن بديل. وهدف من قام بالحملة ضد الجيش خلق حالة من التوتر بين المؤسسة العسكرية واهالي طرابلس والشمال بعدما كانت قيادة الجيش نجحت في تحسين هذه العلاقة وزار العماد عون المدينة في شباط (فبراير) الماضي والتقى قياداتها الروحية في محاولة منه لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين المدينة والمؤسسة العسكرية كانت من ثمارها الاولى تعاون قيادة الجيش مع دار الفتوى في تسليم المتهمين القّصر الذين حاولوا الالتحاق بتنظيم "داعش" او غيره من التنظيمات الارهابية. من هنا كان على قيادة الجيش ان تصارح الطرابلسيين بحقيقة ما حصل لقطع الطريق امام المصطادين في الماء العكر مستخدمين مأساة ركاب الزورق لتحقيق اهدافهم. وعليه رفض الجيش بقوة تحميله مسؤولية الكارثة التي وقعت، معتبراً ان من يقف وراء هذه الجريمة "عصابة اشرار" تتألف من مهربين. وشدد مصدر عسكري على نفي وجود نية القتل المتعمد كما روج البعض، لافتاً الى وجود تعليمات عسكرية مشددة تمنع الدوريات العسكرية من الاقتراب من القوارب، بل يتم توجيه نداء بالتوقف عبر مكبرات الصوت مرات عدة. واحياناً قد يهدد قائد الدورية باطلاق النار. لكن حتى هذا لم يحصل. ويكشف المصدر انه "تم الاكتفاء بتكرار التحذيرات عبر الميكروفون. هنا حاول سائق الزورق القيام بمناورة للالتفاف على خافرة الجيش وتجاوزها لكن شدة الريح وسرعة الزورق أديا الى اختلال توازنه، بالاضافة الى ضعف خبرة سائقه، الذي يبلغ طوله 10 امتار وعرضه 3 امتار ولا يتسع الا لـــ 10 اشخاص. فكيف بحمولة فاقت 75 روحاً فكانت النتيجة اصطدامه بزورق الجيش في منتصفه تماماً. ويقول المصدر ان المسارعة الى اتهام الجيش من قبل الركاب الناجين تعود الى ان هؤلاء الركاب وقعوا تحت وقع الصدمة فلم يميزوا ما بين ان يكون الزورق اصطدم بالخافرة، او العكس. ويعتبر المصدر ان اطرافاً سياسيين سارعوا الى استغلال الفاجعة للتصويب على المؤسسة العسكرية وعلى قائدها لاعتبارات مختلفة يتصل بعضها بالاستحقاقات الدستورية المنتظرة.


استكمال التحقيق يتطلب سحب الزورق من قعر البحر

في اي حال ثمة من يعتقد انه من السابق لأوانه الجزم بحقيقة ما حصل في انتظار نتائج التحقيقات التي تقرر في الجلسة الاستثنائية التي عقدها مجلس الوزراء يوم الثلاثاء الماضي، ان يتولاها القضاء العسكري بعدما تستكمل مديرية المخابرات التحقيق مع احد الموقوفين لديها وهو سوري شارك في تنظيم الرحلة، ثم الاستماع الى الناجين والمفجوعين بفقدان افراد عائلاتهم عندما تسمح ظروفهم النفسية بذلك. وبالتالي من غير الجائز اصدار الاحكام بالنيات على المؤسسة العسكرية بدلاً من تحييدها وعدم التضيحة بدورها وتقديمها ورقة للذين يحاولون استثمار الفاجعة في الانتخابات النيابية او استغلالها لتصفية حساباتهم مع قائد الجيش بعد ان احسنت المؤسسة العسكرية في تعاطيها مع الاحتجاجات التي انطلقت في 17 تشرين الاول (اكتوبر) 2019 ولم ترضخ يومها للضغوط التي مورست عليها لوضعها في مواجهة المجموعات التي انتفضت احتجاجاً على تدهور الاوضاع وضد الطبقة السياسية. الا ان مصادر مطلعة تؤكد ان التحقيق لن يكتمل قبل انتشال الزورق الغارق في البحر بعمق 400 متر والكشف عليه لتحديد اسباب غرقه السريع (خلال ثوان) والتثبت مما اذا كان تعرض للصدم المتعمد وغيرها من الادلة التي تضيء مسار التحقيق وتساعد في تحديد المسؤولية. ولأن لا معدات تقنية لدى الجيش اللبناني تمكن من سحب الزورق وهو على هذا العمق، فقد تقرر في جلسة مجلس الوزراء الطلب من الدول الكبرى التي تملك تقنيات حديثة والات متطورة المساعدة اللوجستية السريعة لسحب الزورق من عمق البحر نظراً لاهمية الكشف الحسي عليه في استكمال التحقيق، فضلاً عن امكانية وجود جثث لركاب كانوا في الطبقة السفلى من الزورق ومعظمهم من الاطفال والنساء، لأن غالبية الرجال كانوا على سطح الزورق وليس في عمقه. ولكن تجاوب الدول مع الرغبة اللبنانية قد يأخذ وقتاً فضلاً عن الوقت الذي يحتاجه انتقال سفن كبيرة متخصصة من دولها الى المياه الاقليمية اللبنانية حيث غرق الزورق، ما يعني استكمال التحقيق قد يتأخر ما يبقي باب الاجتهادات والتأويلات مفتوحاً لاسيما مع استمرار عدد من الناجين في تحميل الجيش مسؤولية اغراق الزورق وعدم الاقرار بأن الزورق صدم الباخرة العسكرية وليس العكس كما تقول رواية قيادة الجيش. وترجح مصادر متابعة ان يبقى الجدل حول هذه المسألة من دون افق الى ان يتم سحب الزورق واتضاح الحقيقة.

خلال جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية بادر قائد الجيش العماد جوزف عون الذي حضر الجلسة مع مدير  المخابرات العميد انطوان قهوجي وقائد القوات البحرية العقيد هيثم ضناوي، الى شرح وقائع ما حصل معززاً بالصور والفيديوات، لكنه خلص الى اعلان موقف لافت لقي استحسان جميع الحاضرين اذ قال انه يضع نفسه وضباطه والعسكريين المعنيين وافراد الدورية البحرية في تصرف القضاء العسكري للاستماع الى الافادات وجمع المعلومات وتكوين ملف كامل، في انتظار استكماله من خلال التحقيق مع الناجين وصولاً الى سحب الزورق من البحر، على ان يكون التحقيق شفافاً ودقيقاً وشاملاً لجلاء الحقيقة كاملة. فهل سيصل التحقيق الى نتائج عملية ودقيقة ام ستبقى علامات الاستفهام تتزايد ومعها الحملات على المؤسسة العسكرية، فيما معاناة ذوي الضحايا تكبر يوماً بعد يوم وتجد من يستغلها لاسباب مختلفة ابرزها تصفية الحسابات، تماماً كما هو حال معاناة اهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذين ينتظرون منذ آب (اغسطس) 2020 معرفة الحقيقة في جريمة العصر التي دمرت مرفأ بيروت وأحياء عدة من العاصمة وأزهقت أرواح اكثر من 200 شهيد و6 الاف جريح، ودمار غير مسبوق في أحياء عدة من العاصمة الجريحة بيروت؟ 

اهالي الضحايا يطالبون بسحب جثث أبنائهم.

اهالي الضحايا يطالبون بسحب جثث أبنائهم.

مجلس الوزراء يكلف القضاء العسكري بالتحقيق.

مجلس الوزراء يكلف القضاء العسكري بالتحقيق.

قائد الجيش العماد جوزف عون يضع نفسه والقيادة في خدمة التحقيق.

قائد الجيش العماد جوزف عون يضع نفسه والقيادة في خدمة التحقيق.