تفاصيل الخبر

صندوق النقد "فوجىء" بمباشرة الحكومة الصرف من مخصصات حقوق السحب الخاصة "SDR"

مجلس الوزراء.

مجلس الوزراء.


 لم يكد رئيس وأعضاء بعثة صندوق النقد الدولي الذين زاروا بيروت قبل ثلاثة اسابيع ووقعوا اتفاقاً مبدئياً مع الحكومة اللبنانية للتفاوض على خطة التعافي الاقتصادي والمالي لانقاذ الوضع المتهالك في لبنان، يصلون الى مقر عملهم في واشنطن ومنهم في دبي، حتى وردت الى ادارة الصندوق تقارير عاجلة عن بدء الحكومة اللبنانية بصرف مبالغ مالية من حصة لبنان في حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي البالغة قيمتها ملياراً و 139 مليون دولار التي كان حولها الصندوق لصالح الخزينة اللبنانية في شهر ايلول (سبتمبر) الماضي. وبدا واضحاً ان ادارة الصندوق فوجئت بقرار الحكومة صرف بعض هذه الحصة من دون اعلامها خلال وجود افراد البعثة في لبنان، علماً ان هذا المبلغ هو حق للدولة اللبنانية المجمعة خلال الاعوام الماضية. وجاء في التقارير التي رفعت الى ادارة الصندوق أن وزير المالية يوسف خليل قرر انفاق قسم من الحصة على اشتراكات في مؤسسات ومنظمات دولية، في الوقت الذي بدت فيه الحكومة اللبنانية عاجزة عن تأمين 15 مليون دولار ثمن استيراد القمح او استيراد لوازم لطباعة جوازات السفر او شراء الوقود. صحيح ان ادارة صندوق النقد لا تتدخل في كيفية صرف حصة لبنان من حقوق السحب الخاصة لدى الصندوق المعروفة بــ SDR، لكن الصحيح ايضاً ان الصندوق "عيونه مفتوحة" على كيفية الانفاق في لبنان هذه الفترة التي يتم فيها التفاوض معه على برنامج التعافي الاقتصادي والمالي للحصول على ثلاثة مليارات دولار اميركي سوف تصرف خلال اربع سنوات لمساعدة الاقتصاد اللبناني على النهوض.

أولويات الصرف من "SDR"

ويروي مصدر وزاري انه عندما تسلم لبنان اموال حقوق السحب الخاصة سارع الى تحويلها من عملة الصندوق إلى سيولة بالدولار الأميركي قابلة للاستعمال. يومها، استنفرت القوى السياسية للمزايدة على بعضها البعض، مرة من أجل اقتراح استعمال هذه الأموال للكهرباء أو للدعم، أو للبطاقة التمويلية، ومرة من أجل المطالبة بضرورة عدم المسّاس بهذه الأموال خارج إطار لجنة خاصة للبحث في سبل استثمارها وتوظيفها ضمن خطة إنتاجية لتحفيز القطاعات. لم ترسم أي خطّة، بل بدأ العمل على الإنفاق خارج الأطر التي حدّدت سابقاً، إذ بدأت عملية صرف الدولارات: 13 مليون دولار للأدوية المستعصية، 15 مليون دولار مبالغ مستحقة عن شهرَيْ شباط (فبراير) وآذار (مارس) لقاء كميات من القمح والطحين، 60 مليون دولار سلفة للكهرباء، 6 ملايين دولار لإزالة مواد كيميائية من منشآت النفط في طرابلس بواسطة شركة "كومبي ليفت" الألمانية ومن دون أيّ مناقصة. كذلك عرض وزير المالية يوسف خليل على مجلس الوزراء تسديد 220 مليون دولار من أموال حقوق السحب لقاء استحقاقات على لبنان تجاه الخارج غير مدفوعة لغاية 31/3/2022، ومعظمها عبارة عن اشتراكات في مؤسّسات وصناديق عربية ودولية، أي ما يعادل 20 في المئة من قيمة الحقوق البالغة 1.139 مليار دولار. هذا الأمر أثار حفيظة بعض الوزراء، ولا سيما أن جزءاً كبيراً من هذه المؤسّسات والصناديق لم يعد يدفع للبنان كالسابق منذ عامين أو أكثر، فيما الجهات هي نفسها سبق لها أن أشارت إلى إساءة استخدام تلك القروض وعدم تنفيذها وهدر أموالها. ويضيف الوزير في روايته ان اول الوزراء المعترضين كان وزير الاشغال العامة والنقل علي حمية الذي قال في جلسة مجلس الوزراء ان أيّ إنفاق ولو دولار واحد من أموال الحقوق يجب أن يتم وفق دراسة جدوى لمعرفة منافعه وماذا يفيد الدولة والشعب. وأيضاً يفترض أن يحتوي على تفاصيل للإجابة عن كيفية الإنفاق ولمصلحة أيّ جهة والهدف من ورائه. وطلب مع بعض الوزراء جدولاً مفصّلاً يفنّد كل حالة بحالتها، وليس مجرد تعداد لأسماء الصناديق والمنظمات وقيمة المبلغ المستحق كما حصل. وقد أكد رئيس الحكومة أن أي مبلغ سيُدفع سيكون بموافقة الحكومة وملحقاً بالتفاصيل لكل حالة بحالتها.

جدول صرف بلا شروحات 

وخلال جلسة مجلس الوزراء، الأسبوع الماضي، أخرج الوزير خليل جدولاً تحت عنوان استحقاقات القروض الخارجية مؤلفاً من 17 اسماً للجهات المستفيدة مع ذكر المبلغ المستحق بجانب كلّ اسم وتاريخ الاستحقاق. فعلى سبيل المثال، ثمة 6 ملايين و580 ألف دولار مستحقة على لبنان للبنك الدولي و"أوبك" و352 مليون دولار للبنك الياباني، ومبالغ أخرى للصندوق السعودي للتنمية والصندوق الإماراتي والعربي وغيرها. لقد اراد وزير المالية  الحصول على الموافقة بدفع 220 مليون دولار من حقوق السحب من دون الدخول في التفاصيل. وعندما سأله لاحقاً رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن عدم تقديمه لائحة مفصلة، برّر الأمر بأنه لم يتمكن من طلب الكلام لتفنيد تلك المعلومات أمام الوزراء!. ويقول مصدر حكومي في معرض شرحه ما جرى في الجلسة ان أموال حقوق السحب المودعة في حساب وزارة المالية في مصرف لبنان لم تدرج ضمن أيّ استراتيجية للاستفادة منها، بالإضافة الى عدم تحديد الجهات المخوّلة إدارة المخزون الاستراتيجي بالعملات الأجنبية. وفي وقت يستخدم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الاحتياطي بالعملات الأجنبية في المصرف المركزي، لا تزال أموال صندوق النقد تخضع للاستنسابية ويجري صرفها بالطريقة نفسها التي جرى على أساسها صرف نحو 20 مليار دولار من الاحتياطي في العامين الماضيين، علماً بأن العديد من الوزراء طلبوا مراراً معرفة قيمة الدولارات المتبقية في الاحتياطي الإلزامي واحتياطي الموازنة وأموال حقوق السحب، من دون أن يتلقّوا أي جواب. ويطرح عدد من الوزراء مجموعة من الأسئلة حول عدم تمويل الأدوية والقمح والطحين وغيره من الاحتياطي ومن اتخذ قرار المسّاس بوحدات حقوق السحب. وهل دفع المستحقات والاشتراكات اليوم أولوية في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وغياب أي شبكة للأمان الاجتماعي. ومن الذي يقرر أين تُدفع هذه الأموال وكيف؟ مع العلم بأن معظم المسؤولين استنفروا واستنكروا عند طرح استخدام جزء من هذه الأموال لمصلحة البطاقة التمويلية وشبكة النقل العام، لكنهم يلتزمون الصمت أمام صرفها على اشتراكات لم تعد صالحة وقروض توقف مقرضوها عن دعم لبنان بقرار سياسي. 

لا توجيهات واضحة لتحديد سعر صرف الليرة

ولا تتوقع مصادر حكومية ان يستجيب مجلس الوزراء لطلب وزير المال بالكامل، بل سيصار الى وضع اولويات لصرف هذه المبالغ التي يعتبرها البعض "احتياطي للحالات الطارئة" وبالتالي من غير الجائز صرفها على مواضيع يمكن تأخيرها او التفاوض في شأنها لاسيما الاشتراكات المستحقة على لبنان التي يمكن البحث في امكانية جدولتها مع الجهات المعنية او تأجيل سدادها بالتفاهم مع هذه الجهات التي تدرك الواقع المالي الصعب الذي يمر به لبنان راهناً. ويقول متابعون لهذا الملف ان اقتراح الوزير خليل الصرف من الـــ"SDR" طرح في وقت تتجنب فيه الحكومة اللبنانية، حتى إشعار آخر، الإفصاح عن توجهاتها المتصلة بتوحيد سعر صرف الليرة والآليات التي سيجري اعتمادها لتحقيق هدف إرساء نظام نقدي جديد يقوم على الشفافية والمصداقية ضمن مسار التعافي المالي، والذي يشكل نواة خطة الإنقاذ التي يفترض أن ترفعها قريباً بصياغتها النهائية إلى إدارة صندوق النقد الدولي، بهدف الوصول إلى استحقاق إبرام اتفاقية برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار لمدة 4 سنوات. ويرى مسؤول مالي معني أن مسألة توحيد سعر الصرف تمثل العقبة الكبرى ضمن حزمة الشروط الإجرائية والتشريعية التي طلبها فريق الصندوق، ذلك أن أي سعر لليرة لا يؤثر في إعادة هيكلة مكونات ميزان المدفوعات ومعاملات الحسابات الجارية للاستيراد والتصدير فحسب، بل يصيب مباشرة التوازنات الهشة للمداخيل الوظيفية في القطاعين العام والخاص المبرمجة على أساس السعر الرسمي الحالي البالغ 1515 ليرة لكل دولار، كما يطال بمفاعيله كتلتي المدخرات والقروض القائمة لدى البنوك. ويرتقب، وفق المسؤول، أن تتضح معالم النظام النقدي المطلوب تبعاً لما ستقره السلطة التنفيذية بشأن توزيع أحمال الفجوة المالية البالغة نحو 73 مليار دولار، مع ترجيح تعديها مستوى 75 مليار دولار كتكلفة تأخير في إعداد الخطة. كذلك بالارتكاز إلى مجموعة مشاريع القوانين المالية الطارئة التي تحيلها الحكومة تباعاً إلى المجلس النيابي، ولا سيما منها القوانين الخاصة بضبط الرساميل والتحويلات (الكابيتال كونترول)، والتعديلات المقترحة على قانون السرية المصرفية وإعادة هيكلة البنك المركزي والقطاع المصرفي، فضلاً عن إخضاع البنوك لعمليات تدقيق ومحاسبة من قبل شركات دولية مستقلة. ووفق هذا السيناريو، وفي ظل تقلص احتياطات العملات الصعبة لدى البنك المركزي إلى نحو 11 مليار دولار مما يحد من سيطرته على المبادلات النقدية، تتعزز الإشارات في أوساط القطاع المالي إلى أن الخروج الآمن من معضلة تعدد أسعار الصرف لن يكون ميسراً قبل الشروع بتنفيذ خطة الإنقاذ الموعودة، والمشروطة حكماً بتعاون السلطات المعنية السياسية والنقدية، وبتوفر استقرار داخلي نسبي بعيد استحقاق الانتخابات النيابية المقررة منتصف الشهر المقبل، وبما يترجم فعلياً تعهدات رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء بالتأييد المسبق لمندرجات الإصلاحات الهيكلية الضرورية. وبذلك تشكل الأساسيات القانونية الموعودة ومن ضمنها مشروع قانون موازنة العام الحالي، المرجعية القانونية المعتمدة للقطاع المالي في مرحلة الإنقاذ والتعافي. ويرى خبراء ماليون انه من دون امتلاك قدرات كافية لادارة التحكم بالسيولة والسعر المرجعي الذي يمكن اعتماده عبر آلية التعويم الموجه التي تتطلب تدخل البنك المركزي في كبح المضاربات والحد من توسع الهوامش، وريثما يتم توقيع الاتفاق التمويلي مع صندوق النقد، سوف يتعذر على الحكومة عبر وزارة المال والسلطة النقدية الاقدام على اتخاذ قرارات حاسمة في الموضوع النقدي، حسب ما يؤكد الخبراء الذين يعتبرون انه يمكن بموافقة خبراء الصندوق الاعتماد على منصة "صيرفة" التي يديرها مصرف لبنان كمحطة انتقالية لبلوغ مرحلة تعويم سعر صرف الليرة وبالتزامن مع بدء ورود الدفعات التمويلية من صندوق النقد الدولي.

في اي حال، إقدام الحكومة على صرف ملايين الدولارات من حقوق السحب الخاصة ((SDR لم تكن في نظر مصادر صندوق النقد الدولي، خياراً صائباً خصوصاً اعتماد الصرف لامور غير حيوية وعاجلة في وقت يرزح لبنان فيه تحت عبء ازمة محروقات وطحين وأدوية يفترض ان تعطى الأولوية في الاهتمام!



وزير المال يوسف خليل.

وزير المال يوسف خليل.

وزير الأشغال والنقل علي حمية.

وزير الأشغال والنقل علي حمية.

بعثة صندوق النقد الدولي عند الرئيس ميشال عون.

بعثة صندوق النقد الدولي عند الرئيس ميشال عون.