تفاصيل الخبر

ثغرتان قضائية ودستورية يمكن النفاذ منهما إذا توافرت نية تحريك مرسوم رؤساء التمييز

وزير المال يوسف خليل.

وزير المال يوسف خليل.


 الملف الخلافي حول مرسوم تعيين رؤساء محاكم التمييز والذي يحتجزه وزير المال يوسف خليل بطلب من مرجعيته السياسية، اي الرئيس نبيه بري، والذي أثار ردود فعل بعد موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من بكركي صبيحة عيد الفصح المجيد لدى الطوائف التي تتبع التقويم الغربي، هذا الملف من المرجح ان يتفاعل سياسياً وقضائياً خلال الايام المقبلة، وسيؤدي الى أمرين لا ثالث لهما: اما صدوره من دون توقيع وزير المال، واما تعديله ليصدر مع توقيع وزير المال... وفي كلتا الحالتين مهزلة جديدة تلحق بالجسم القضائي اللبناني الذي يتعرض منذ سنوات لهزة تلو أخرى. اسباب التفاعل السياسي نتجت عن الاتهام الذي وجهه الرئيس عون من بكركي الى "الثنائي الشيعي" من دون ان يسميه علماً انه كان يقصد الرئيس بري وحركة "امل" من دون حزب الله، عندما قال - خلافاً لما ذكره الوزير خليل - ان "لا اخطاء اساسية في المرسوم، بل هناك عرقلة ويجب ان تعلموا من يعرقل، فليتوقفوا عن الكذب عليكم".... كلام الرئيس استدعى رداً مباشراً من المساعد السياسي للرئيس بري النائب علي حسن خليل ذكر فيه رئيس الجمهورية بعرقلته لمرسوم التشكيلات القضائية منذ عامين، ومرسوم الناجحين في مجلس الخدمة المدنية، معتبراً "ان رئيس الجمهورية لا يستطيع الضغط في اتجاه توقيع مرسوم مخالف للتوازنات عندما اضيفت غرفة الى غرف محكمة التمييز، حتى حصل خلل كبير، وصرنا بهيئة عامة لمحكمة التمييز غير متوازنة". واتبع كلام النائب خليل بحملات اعلامية من الوسائل القريبة من حركة "امل" ونوابها، وهذا الجزء من الحرب المفتوحة بين الرئاستين الاولى والثانية يتوقع مراقبون ان تزداد حدتها في الامتار الاخيرة قبل نهاية العهد مع مفارقة سوريالية تترجم بالتحالف الانتخابي بين التيار الوطني الحر وحركة "امل" في الدوائر الانتخابية. وسوف تضاف اشكالية التشكيلات القضائية المرتبطة برؤساء غرف التمييز الى ازمة التشكيلات الدبلوماسية التي لن ترى النور بصيغتها الشاملة قبل نهاية العهد على ما يبدو....


الواقع القضائي: 11 غرفة وليس 10

 اما في الشق القضائي، فالتطور الجديد برز في ما ذكرته اوساط التمييز والتي تنقض بشكل واضح "الأخطاء الأساسية" التي تحدث عنها وزير المال وأيده فيها النائب علي حسن خليل. وفي هذا السياق، تقول المصادر القضائية المتابعة إن التبرير الذي سيق لعدم توقيع وزير المال مشروع التشكيلات القضائية الجزئية المجمدة منذ حوالى شهر، لا يستوي والعُرف المتَّبع منذ الطائف في تعيين رؤساء غرف محكمة التمييز، إذ تأتي هذه الاستفاقة المتأخرة للحديث عن خرق الميثاقية بعد عقود من تعاقب رؤساء مجلس القضاء الأعلى وصدور تشكيلات قضائية عدة منذ الدستور الجديد حتى يومنا. هذا في الواقع القانوني، أما في النص القانوني فهو يلحظ 11 غرفة في محكمة التمييز وليس عشر غرف، إنما سعياً لتحقيق هذه المناصفة رسا العُرف على اعتماد الرقم 10 لتوزع بين المسيحيين والمسلمين، وهو الكلام الطائفي المريض مع المحاصصة اللذين أدخلتهما السياسة على القضاء في شكل فاقع وكانت السبب المباشر في حظر التشكيلات القضائية الأخيرة حيث لعبت المحاصصة السياسية دورها واستُثني فريق منها. إتُّبع هذا النمط في تعيين رؤساء الغرف العشر وليس الـ 11 ويترأسها حكماً رئيس مجلس القضاء الأعلى في الهيئة العامة لمحكمة التمييز المؤلفة عضويتها. هذه الهيئة المعطلة منذ شهرين بسبب ملاحظات وزير المال على المشروع الذي كان وقّعه وزير العدل هنري خوري قبل إرساله للتوقيع الى وزارة المال، فيما عشرات الملفات عالقة أمامها بما فيها طلبات الرد المقدمة من النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر والوزير السابق يوسف فنيانوس في ملف انفجار المرفأ والمدعى عليهم في هذه القضية. وفي هذا الاطار يقول رئيس مجلس القضاء شرفاً القاضي غالب غانم ان المادة 27 من قانون القضاء العدلي التي تورد ان لرئيس مجلس القضاء الأعلى، علاوة على الغرفة التي يترأسها، ترؤس أية غرفة من الغرف المدنية والجزائية (في محكمة التمييز). "وعملياً توالى عشرة رؤساء لمجلس القضاء منذ الطائف ولم يحصل ان ترأس رئيس مجلس القضاء الأعلى الغرفة الأولى. وبحسب معلوماتي ان الجداول الملحقة بقانون القضاء العدلي تنص على 11 غرفة في محكمة التمييز وليس عشر غرف. ولم تشمل التشكيلات المتعاقبة الغرفة 11. ثمة إشكالية في القانون، ولكن واقعياً وعملياً لم يترأس رئيس مجلس القضاء هذه الغرفة".

 وتلتقي وجهة نظر القاضي غانم مع وجهات نظر قضاة آخرين يحسمون قانونية المرسوم، لكنهم يتحدثون عن ادخاله في "بازار الكباش" السياسي الدائر حول تحقيقات المرفأ وأداء القاضي العدلي طارق البيطار. لكن مصادر الرئيس بري تنفي ان يكون الاعتراض فقط على تعيين 10 قضاة اضافة الى القاضي الحادي عشر أي رئيس مجلس القضاء الاعلى، ليصل الامر الى القول بوجود ثغرة في المرسوم ترتبط بوجود قضاة في الهيئة العامة لمحكمة التمييز منتدبين في الوقت نفسه في مراكز قضائية اقل، كما هي الحال مع القاضي ايمن عويدات المنتدب رئيس استئناف والقاضي منيف بركات المنتدب نائباً عاماً في البقاع. لكن المصادر القضائية ترى ان ثمة "قطبة مخفية" وراء الاعتراض الشيعي على المرسوم تتعلق بالتحقيق في المرفأ فقط بهدف ابقاء القاضي البيطار مجمداً عن العمل. اما اذا كان الامر غير ذلك، تضيف المصادر القضائية بأن تعديل المرسوم ممكن لأن احد القضاة المعينين رلى المصري (سنية) سوف تحال على التقاعد خلال اسابيع مما سيفتح الباب امام تعديل المرسوم... اذا كانت هناك رغبة فعلية في معالجة الأمر.


دستورياً: لا توقيع لوزير المال

اما الشق الدستوري في هذه الأزمة المتجددة، فيتعلق بضرورة توقيع وزير المال على هذا المرسوم، اذ ثمة دراسة قانونية اعدت في هذا المجال، تشير بوضوح الى ان وزير المال ليس معنياً بتوقيع مرسوم لا يدخل ضمن اختصاصه. وفي هذا السياق، يقول الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك صحيح أنّ توقيع الوزير المختصّ إلى جانب توقيعَي رئيس الحكومة ورئيس الدولة، هو شرط جوهري لنفاد المقرّرات أو المراسيم، إضافةً إلى كونه موجباً دستورياً أساسياً (قرار مجلس شورى الدولة تاريخ 16/11/1995- منشور في مجلة القضاء الإداري لعام 1996)، لكن هل وزير المال يُعتبر وزيراً مُختصاً، لكي يوقع مرسوم التشكيلات القضائية الجزئية؟ ويضيف: "بالعودة إلى دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية (المادة /19/ منه) يتبيّن جلياً أن النص حدّد الوزراء المسؤولين والمختصين، بعبارة "Les ministers responsables" والمقصود بذلك، الوزراء الذين يقع على عاتقهم بصورة رئيسية تحضير المرسوم والإشراف على تطبيقه (دراسة للدكتور ضاهر غندور- منشورة في مجلّة القضاء الإداري في لبنان- العدد العاشر- لعام 1997. وتطبيقاً لهذا التعريف، فإنّ الوزير، والذي يقع على عاتقه بصورة رئيسية تحضير مرسوم التشكيلات (بالتفاهم مع مجلس القضاء الأعلى) والإشراف على تطبيقه، هو وزير العدل حصراً، وليس وزير المال حُكماً. لاسيما أنّ مرسوم التشكيلات الجزئية لا يُرتّب أي أعباء إضافية على الخزينة. إنما بعض العلاوات والمخصّصات نتيجة الترفيع. وهي ملحوظة أساساً في موازنة وزارة العدل ومرصودة لرؤساء غرف التمييز، وبالتالي، لم يكُن يقتضي إحالة المرسوم إلى جانب وزير المال، إنما كان يُفترض إحالته فوراً من وزارة العدل إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء. ويسأل الخبير سعيد مالك:أمّا اليوم، وبعد أن أُحيل المرسوم إلى جانب معالي وزير المال، فهل يحق لهذا الأخير احتجازه إلى أجَلٍ غير مُسمّى؟ من الثابت أنّ مرسوم التشكيلات القضائية يصدر بمرسوم عادي، وفقاً لما جاء نصّه في المادة /54/ من الدستور. ومن الثابت أيضاً، أن المادة المذكورة نصّت حرفيّاً على ما يلي: مُقرّرات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك في التوقيع عليها.

واستعمال المشترع عبارة "يجب" يعني أن المشرّع فَرَضَ على رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختّصين، التوقيع مع رئيس الدولة، وبالتالي عدم التوقيع يؤدّي إلى اعتبار مَن يمتنع عن التوقيع مُخالفاً لأحكام الدستور (الثغرات الدستورية في دَور وصلاحيات رئيس الجمهورية - للدكتور ميشال عيد قليموس - ص /183/. فضلاً عن كَون موجب التوقيع يُعتبر موجباً دستورياً مُلزماً أساسياً. وليس في استطاعة الوزير استنساب التوقيع من عدمه، وإلا يكون مُقترفاً لمخالفة دستورية موصوفة. ومع بدايات عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، أثارت مسألة عدم توقيع رئيس الحكومة أو الوزير المختصّ على القرارات والمراسيم خلافات جمّة. حيث اختلف الرئيس الهراوي مراراً وتكراراً مع دولة الرئيس سليم الحص ودولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فمع بداية الألفية الثانية، إمتنع يومها رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص عن توقيع مرسوم إعدام، لأسباب ذكر بأنها إنسانية وأخلاقية خاصة. فعاجَله الرئيس السابق للحكومة عمر كرامي وفي تصريح له في صحيفة "النهار" بتاريخ 22/3/2000، دَعاه فيه إلى اعتماد خيار من اثنين: إمّا التوقيع على المرسوم وإمّا الإستقالة، مع الإشارة أيضاً الى أن المادة /54/ من الدستور أناطت برئيس الدولة صلاحية إصدار "المُقرّرات" أي (المراسيم العادية) لترجمة الصلاحيات والتي مُنحت له بموجب المادة /53/ منهن وإلاّ كيف تُترجم هذه الصلاحيات مِن مَنح عفو خاص، أو اعتماد سفراء أو قبول اعتمادهم أو تشكيلات قضائية شاملة أم جزئية، إن أجَزنا لأي وزير بمُصادرة أي من المُقرّرات والتي هي (بالأصل) من صلاحية رئيس الدولة؟ ويختم الخبير مالك: ان السّماح لوزير المال بمُصادرة مرسوم التشكيلات القضائية الجزئية اليوم، يعني تعطيلاً لصلاحيات رئيس الجمهورية وتعدّياً عليها. فصلاحية إصدار المراسيم العادية تعود حصراً لرئيس الدولة، ولا يجوز لأي وزير (ولأي فريق انتمى) مُصادرة صلاحيات رئيس الدولة وتعطيلها والسَطو عليها. أما التحجُّج بعدم ميثاقية المرسوم، لا يستقيم، كَون التشكيلات لَحَظَت دائماً وبعد الطائف، 10 غرف لمحاكم التمييز، لا يترأس أي منها رئيس مجلس القضاء الأعلى. وكانت التشكيلات السابقة انتهجت هذا المسار، وآخرها تشكيلات العام 2020 والتي وقّعها وزير المال غازي وزني (المحسوب على الرئيس برّي) من دون أي اعتراض. أما التعييب أنّ رئيس الجمهورية صادر مرسوم التشكيلات القضائية الشاملة العام 2020 كذلك مراسيم تعيين مأموري الأحراج، لا يستقيم أيضاً، كَونه لا يمكن تبرير خطأ بخطأ مُقابل.علماً أنّ تصرُّف وزير المال راهناً، ولَو أتى من أي وزير آخر، كان يُمكن أن يفتح باب المُساءلة الدستورية، تحت عنوان الإخلال بالواجبات المترتّبة عليه (المادة /70/ من الدستور) كذلك، باب المُساءلة السياسية بِطَرح الثقة به في المجلس النيابي (المادة /37/ معطوفة على المادة /68/ من الدستور. لأن تعطيل صلاحيات رئيس الدولة ودوره ليس بالامر السهل، ولا يجب المرور عليه مرور الكرام.

في اي حال، هذا الملف ذاهب الى مواجهة حتمية اذا لم يعالج بشكل سليم لاسيما وأن مصادر بعبدا تتحدث عن "مواقف اكثر وضوحاً وحزماً" ستكون لرئيس الجمهورية في حال الاصرار على تجميد المرسوم الذي من شأنه إبقاء التحقيق في المرفأ في حالة "الكوما" التي لن يعرف الى متى تستمر.


مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود.

مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود.

الخبير سعيد مالك.

الخبير سعيد مالك.