تفاصيل الخبر

عبّارات الموت تعبر باللبنانيين إلى الأبديّة

بقلم علي الحسيني
قارب للتهريب في قبضة الجيش اللبناني.

قارب للتهريب في قبضة الجيش اللبناني.


 هي أكبر من مآساة وأكثر من فضيحة لدولة ما عادت تكترث لمواطنيها حتى أصبحت رحلات الموت الأمل الوحيد لعائلات تُريد أن تنجو بأنفسها وأولادها طمعاً في الحصول على حياة كريمة تليق بهم كبشر حلموا بالعيش في وطن أصبح بالكاد يتسع لأبنائه، لكن الموت كان أسرع من أمنياتهم فغرقت أحلامهم في بحور الظلم الواسعة بعدما عاندتهم رياح التسلّط والسطوة واستعراض القوّة بحق نساء وأطفال فكانت الضربة القاضية بشطر القارب نصفين، مما أدّى إلى وفاة وفقدان عشرات الأشخاص.

عودة الموت من البوّابة البحرية

إنها عبارات الموت التي تروي تفاصيل محزنة لقصة مواطنين لم تعد تسعهم اوطانهم فقرروا الرحيل في رحاب الدنيا هاربين إما من جوع وإما من قتل، منهم من قضى في طريقه ومنهم من وصل الى شاطئ الأمان، لكن هناك من لا يزال يبحث عن موطئ قدم يمكن أن يركن اليه في نهاية عمره أو ما تبقى له من عمر في عالم يجنح أكثر صوب الظلم والعنف وانعدام العدالة الاجتماعية. ولبنان هو إحدى الدول التي نالت وتنال نصيبها من عبارات الموت منذ العبّارة الاندونيسية التي ذهب ضحيتها 34 لبنانيّاً عادوا يومها جثثاً هامدة بعد أن لفظ بحر الموت الأندونيسي أجسادهم وأعادهم الى تراب وطنهم ليحتضنهم للمرة الأخيرة. وأيضاً عائلة صفوان التي أبتلع البحر أجساد من أفراد العائلة بعد غرق القارب الذي كان يقلهم من تركيا إلى اليونان.

الأسبوع الماضي حلّت الفاجعة بمدينة طرابلس بعدما غرق قارب كان يقل على متنه 60 مهاجراً غير شرعي قبالة شواطىء القلمون في شمال لبنان مما أدى إلى وفاة ثمانية أشخاص بينهم طفلة مع استمرار البحث عن عدد كبير من المفقودين. وقد استنفر الجيش اللبناني، فور انتشار خبر الحادث، قواته البحرية وطائراته المروحية للبحث عن الركاب، حيث تمكن من انقاذ نحو خمسين منهم. وقد تضاربت الروايات حول سبب غرق الزورق، ففي حين ترّدد أن السبب هو تعطّل الزورق وطلب ربّانه من قوات البحرية في الجيش المساعدة، اشارت رواية أخرى غير مؤكّدة أن الغرق سببه اصطدام الزورق بزورق أمني.

احتجاجات في طرابلس

بعد انتشار خبر غرق الزورق ليلاً، شهدت شوارع مدينة طرابلس ولا سيما الأحياء الفقيرة في التبانة والقبة حالات من الاحتجاج سرعان ما تحوّلت إلى اشتباكات بالأسلحة الرشاشة بين الجيش اللبناني من جهة ومجموعات مسلحة انتشرت في الشوارع والأحياء من جهة ثانية، اعتراضاً على توقيف أحد الركاب الناجين من الزورق الغريق، فيما لا تزال زوجته وطفلته وأحد أولاده في عداد المفقودين. ووفق روايات عدد من الأشخاص الذين فشلوا في الوصول إلى شواطئ أوروبا وعادوا يجرون أذيال الخيبة إلى الشمال اللبناني، فإن عائلات لبنانية وسورية وحتى فلسطينية، دفعت كل ما تملك وتقتني للوصول إلى الشواطئ القبرصية واليونانية أو التركية، ومنها إلى الداخل الأوروبي، حيث تراوحت كلفة الفرد الواحد ما بين 2500 إلى 3 آلاف دولار.

وبحسب مصادر أمنية، فإن خفر السواحل اللبناني التابع للجيش اللبناني يرصد يومياً عبر الرادارات التابعة له مراكب التهريب، ويلاحقها ويلقي القبض على معظم الركاب والمهربين ويقتادهم إلى مراكزه قبل أن يسلمهم إلى الجهات المختصة، لكن ذلك لا يمنع بعض المهربين من النجاح في الوصول إلى الشواطئ الأوروبية.

الجيش ينفي

بعد تأكيدات أطلقها بعض الناجين على متن القارب حول تعمّد أحد الطرّادات التابعة للجيش اللبناني الاصطدام بالمركب الذي غرق وشطره نصفين، أعلن قائد القوات البحرية في الجيش اللبناني، العقيد الركن هيثم ضناوي، أن القارب الذي تعرض للغرق عمره 48 عاماً، إذ تمت صناعته عام 1974، وهو قارب صغير يبلغ طوله 10 امتار وعرضه 4 أمتار، وتبلغ حمولته المسموحة 10 أفراد فقط.

وأكد ضناوي أن القارب لم يحمل سترات إنقاذ ولا أطواق نجاة، مضيفاً: حاولنا أن نمنعهم من الانطلاق لكنهم كانوا أسرع منا. كما حاولنا أن نشرح لهم أن المركب معرّض للغرق بالإضافة إلى أن الحمولة لم تكن تسمح له بأن يبتعد عن الشاطئ، مشيراً إلى أن القائمين على المركب لم يقتنعوا من عناصرنا الذين يعانون معاناتهم نفسها، لكن قائد المركب اتخذ القرار بتنفيذ مناورات للهروب من الخافرة بشكل أدى إلى ارتطامه.

الكُل مُشارك في جرائم العبّارت

وتجدر الإشارة الى أن مافيات التهريب في لبنان تنشط بكثرة هذه الايام، فبحسب مصادر مؤكدة أن هناك موظفين في الدولة والسلك العسكري يستغلون مناصبهم للعمل في هذه التجارة وغالباً ما تتم عمليات التهريب من ميناء طرابلس ونادراً ما ينتقل المهاجر غير الشرعي من مطار بيروت الى تركيا ومن هناك يهرب إلى أوروبا. 

في المُحصّلة، فإن لا أحد يضع ألاده وأطفاله في قارب مهترئ ويبحر بهم إلا عندما يصبح البحر أكثر أمانا من أرض بلاده. جملة قالها احدهم يوم غرقت عائلته في البحر أثناء عبورهم من وطنهم الى بلاد أخرى ظناً منه أنها ستكون أكثر أمناً وماناً من وطن ما عاد يتسع لأبنائه وما عاد يتحنّن عليهم لا بكسرة خبز ولا حتّى بشربة ماء.

المواجهة مع الجيش في طرابلس.

المواجهة مع الجيش في طرابلس.