تفاصيل الخبر

هذه أبرز بنود الاتفاق المبدئي بين الحكومة وصندوق النقد الدولي... والعبرة في التنفيذ!

بعثة صندوق النقد عند الرئيس ميشال عون.

بعثة صندوق النقد عند الرئيس ميشال عون.


 كم كانت كبيرة فرحة المسؤولين اللبنانيين وهم يعلنون، كل حسب طريقته، التوصل الى اتفاق مبدئي مع بعثة صندوق النقد الدولي التي زارت بيروت قبل عيد الفصح برئاسة السيد "ارنستو راميريز". ومبعث هذه الفرحة ان المسؤولين وجدوا شيئاً ايجابياً - ولو مبدئياً - يقولونه للبنانيين الذين ينامون ويصحون على اخبار سيئة مثل فقدان الخبز واحتياط القمح، وارتفاع سعر الدولار، واسعار الخضر والفواكه في موسم الصيام عند المسيحيين والمسلمين على حد سواء، وفقدان الادوية، وزيادة تعرفة المولدات الكهربائية وتزايد ساعات التقنين الخ... كل هذه الاخبار السيئة ارادت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ان تحجبها، ولو خلال فترة قصيرة، بالحديث عن الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الذي ليس سوى خطوة اولى في مسيرة الالف ميل التي تشترط للوصول الى خط النهاية، سلسلة اجراءات ومشاريع قوانين ومراسيم لا احد يستطيع ان يجزم بان مجلس النواب، قبل ايام قليلة من انتهاء ولايته في 21 ايار (مايو) المقبل سوف يقرها من دون مماحكة وحسابات انتخابية وشعارات شعبوية، خصوصا ان غالبية الاجراءات الواجب اعتمادها غير مقبولة شعبيا وهي من النوع الذي "يهرب" منه النواب على ابواب استحقاقات انتخابية على عكس ما فعلوا في العام 2017 عندما تنافسوا على تمرير سلسلة الرتب والرواتب التي كبدت الدولة خسائر مالية كبيرة هي جزء اساسي من مسببات الانهيار المالي الذي وصلت اليه البلاد، وكان لهم ما ارادوا، فأقرت سلسلة الرتب والرواتب التي كانت نقطة ايجابية في سجلات النواب، ونقطة كارثية في سجل الوطن.


 اليوم، المشهد مختلف ولعل المماحكات الدائرة حول مشروع قانون "الكابيتال كونترول" الذي يتمسك به صندوق النقد ويعتبره اساسياً لاستكمال المفاوضات مع لبنان، خير دليل على الصعوبات التي يمكن ان نواجه اقرار الاصلاحات التي طلبها صندوق النقد الدولي والتزمت حكومة الرئيس ميقاتي باقرارها واحالتها على مجلس النواب، فضلاً عن مشروع قانون موازنة العام 2022 الذي بات في عهدة المجلس حيث يخضع للتدقيق والتعديل والتأجيل، علما ان مصير مشروع قانون "الكابيتال كونترول" لن يكون افضل وسط حديث عن اصرار بعثة الصندوق على اقراره كما هو على رغم العديد من الشوائب التي يتضمنها خصوصا  لجهة التعاطي مع الاموال الجديدة والقيود المفروضة على تحويل الاموال. 

 اما قانون اعادة هيكلة القطاع المصرفي فيرجح ان يستغرق اشهرا طويلة لكي يقر، مع الاشارة الى اعادة التقييم والتدقيق في اكثر من 14 مصرفا في لبنان تشكل اكثر من 80 في المئة من القطاع المصرفي، ما قد يعيد النظر- حسب الخبراء - بحجم الخسائر التي قدرتها الحكومة في خطتها بنحو 73 مليار دولار، اضافة الى الخلاف الذي سيقع على هوية مؤسسة التدقيق الدولية يالتي ستختار للتدقيق في الميزانيات المختلفة للمصارف. في اي حال، الاتفاق المبدئي مع بعثة صندوق النقد الدولي، وقع وهو خطوة مهمة طال انتظارها، في وقت يُتوقع ان يزداد الوضع سوءاً في حال عدم تطبيق البرنامج التصحيحي بعد الانتخابات النيابية، لاسيما ان كلفة التأجيل كبيرة جدا والمسعى حاليا هو للخروج من حالة الانكماش الذي يشهده الاقتصاد اللبناني والانتقال الى مرحلة من الاحتواء التدريجي للمخاطر وصولا الى سلوك طريق النهوض على المديين المتوسط والطويل. ويقول خبراء اقتصاديون ان توقيع الاتفاق مع صندوق النقد يؤسس لفرض رقابة على تطبيق الاصلاحات في لبنان بعد فشل المسؤولين اللبنانيين في تنفيذ ايّ من الاصلاحات والوعود التي قطعها لبنان خلال المؤتمرات السابقة أمام الدول والجهات المانحة. وتشير المعلومات الى ان سقف الـ 3 مليارات دولار التي لحظها الاتفاق الاولي مع الصندوق على 4 سنوات ليس بالسقف النهائي بل يمكن ان يرتفع اكثر عند توقيع الاتفاق النهائي، وهذا رهن إظهار السلطات اللبنانية مدى التزامها بدء تنفيذ الاصلاحات وإقرار القوانين اللازمة. ويساعد هذا الاتفاق على تحرير جزء كبير من اموال مشاريع "سيدر" التي وصلت يومها الى 11 مليار دولار ولم يتبقَّ منها سوى ما يقارب 5 الى 6 مليارات دولار تنتظر سلوك لبنان طريق الاصلاحات لكي يتم تحريرها على مراحل. كما يُعدّ توقيع الاتفاق مع الصندوق كوثيقة تعيد بناء جزء من الثقة مع المجتمعين الدولي والعربي لتأكيد ان لبنان التزم فعلا سلوك طريق الاصلاحات، وبالتالي يمهد لتوقيع اتفاقات مِنح وقروض ميسرة مع مؤسسات دولية وعربية أخرى، خصوصا ان المشهد الاخير يظهر عودة خليجية الى لبنان واستعدادا للمساعدة على النهوض من جديد مع عودة السفيرين السعودي والكويتي الى بيروت. وتتجه الانظار حاليا الى موافقة مجلس إدارة صندوق النقد على الاتفاق الاوّلي مع السلطات اللبنانية بالتوازي مع ضرورة إقرار تشريعات أساسية في لبنان مواكبة للإتفاق وخطة التعافي، ومنها ما يتعلق بمسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي وقانون "الكابيتال كونترول" وتعديل السرية المصرفية والتدقيق في الوضعية الخارجية لمصرف لبنان، وصولا الى وضع آلية لتوحيد سعر الصرف ضمن شطور محددة يجب على المصرف المركزي العمل على وضعها للإنتهاء من ظاهرة وجود ستة أسعار صرف مختلفة معتمدة في لبنان. 

عرض الشامي لبنود الاتفاق مع صندوق النقد

يروي احد الوزراء، انه في جلسة مجلس الوزراء قبل بدء عطلة الفصح، قدم رئيس اللجنة الوزارية المكلفة التفاوض مع بعثة صندوق النقد الدولي نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، عرضاً وصفه بــ"الملحمة العامة" عن الاتفاق المبدئي مع الصندوق، لكنه عملياً لم يجد الاصغاء المطلوب من الوزراء الذين لجأ بعضهم الى مقاطعته وطرح اسئلة استباقية كادت ان تنقل النقاش من مكان الى آخر لاسيما بعد تشعب الطروحات والافكار، ما دفع الرئيس ميقاتي الى التدخل بعد نحو ربع ساعة من النقاش ليقول للوزراء ان الاتفاق المبدئي وقع مع بعثة الصندوق وامامهم نسخة عن عرض الرئيس الشامي فمن كانت لديه ملاحظات يمكنه ارسالها الى الشامي، علما ان ميقاتي يدرك جيدا ان هذه الملاحظات لن تغير في الواقع شيئاً لان "ما كتب قد كتب" وصيغة الاتفاق باتت في عهدة الصندوق وليس من الوارد اعادة النظر فيها. من هنا فان ملاحظات الوزراء ستدخل في اطار "الاستئناس" فقط، لان الجدال الحقيقي سيكون عند اعداد مشاريع القوانين المرتبطة بالاتفاق والتي يفترض ان يناقشها مجلس الوزراء قبل اقرارها واحالتها الى المجلس النيابي. وامام هذه الخطوة عقبات كثيرة بدءا من مداولات مجلس الوزراء ومواقف الوزراء المسبقة من البرنامج، وصولا الى مجلس النواب الذي يلفظ انفاسه الاخيرة قبل ان تنتهي ولايته. لذلك، يضيف الوزير نفسه، ان الفرحة باقرار الاتفاق المبدئي قد لا تصبح مكتملة اذا واجهت مشاريع الحكومة واقتراحاتها، ردود فعل سلبية من النواب للاعتبارات الانتخابية والشعبوية اياها، الامر الذي سيجعل الحكومة غير قادرة على مواجهة اعتراضات النواب وان البحث سيطول، لتأتي الانتخابات في 15 ايار (مايو) المقبل وتصبح حكومة "معاً للانقاذ" الميقاتية في وضعية تصريف الاعمال.... 

في عرض الرئيس الشامي، وفق الوزير نفسه، شروحات حول معنى الاتفاق المبدئي والخطوات التالية التي ستعتمد، والاجراءات المسبقة التي يتضمن البرنامج الاقتصادي والمالي ضرورة تنفيذها في مختلف الميادين واهمها اقرار مجلس الوزراء لاستراتيجية ترمي الى اعادة هيكلة المصارف، واقرار قانون طارىء لاعادة هيكلة المصارف، والشروع في تقييم الخسائر وبنية الودائع على اساس كل مصرف على حدة وذلك لاكبر 14 مصرفاً، واقرار قانون السرية المصرفية المعدل، وانهاء التدقيق في صافي احتياطات النقد الاجنبي لمصرف لبنان، واعتماد الحكومة استراتيجية متوسطة الاجل للمالية العامة ولاعادة هيكلة الدين العام، واقرار قانون موازنة 2022، وتوحيد اسعار الصرف. وحدد الشامي اهداف البرنامج المدعوم من الصندوق بالاتي: وقف الانهيار واستعادة الاستقرار الاقتصادي وتحفيز النمو، وتحسين المالية العامة وشبكات الامان الاجتماعي والبنى التحتية، والتأكد من توزيع خسائر القطاع المصرفي بشكل عادل، واستعادة القطاع المصرفي لنشاطه عبر القيام باقراض القطاع الخاص من جديد، واعادة تركيز السياسة النقدية على هدفها الاساسي في استقرار الاسعار، والعناية بكيفية محاربة الفقر ومعالجة الفروقات الاجتماعية عبر شمولية النمو وتحسين الحوكمة في كل القطاعات. ويقر الشامي في عرضه بان القطاع المصرفي عانى من خسائر كبيرة وبالتالي هو بحاجة الى اعادة رسملته واعادته الى حجمه الطبيعي، ذلك ان هناك خسائر كبيرة- حسب الشامي- في ميزانية مصرف لبنان نتيجة سنوات عدة من الهندسات المالية، اضافة الى خسائر في ميزانية مصرف لبنان ناتجة عن مركز الصرف في العملات الاجنبية كما عن اعادة هيكلة سندات "اليوروبوندز" اضافة الى ان القطاع المصرفي لا يتناسب وحجم الاقتصاد ويعاني من خسائر كبيرة نتيجة استثماره جزء كبير من ودائع عملائه لدى مصرف لبنان والدولة اللبنانية وهناك قيود على التحاويل والسحوبات فرضت كأمر واقع. اما استراتيجية اعادة هيكلة المصارف فمبنية حسب عرض الشامي، على مبادىء وخطوات عدة ابرزها:

- مراعاة تراتبية المطالبات عند استيعاب او امتصاص الخسائر ويكون ذلك اولا بشطب رأس المال وسندات المديونيات الثانوية ثم ودائع الاطراف ذات الصلة وذلك قبل المساس بأي قرش عائد للمودعين. 

- حماية لغاية 100000 دولار على الاقل من الودائع لكل مودع وفي كل مصرف.

- اعادة رسملة المصارف من الداخل (استبدال جزء من الودائع بأسهم في المصارف).

- ضخ اموال جديدة في المصارف، والطلب من المساهمين القدامى او الجدد ضخ اموال جديدة في المصارف.

- تسترد باقي الودائع بالعملة الاجنبية او/ بالليرة اللبنانية على سعر صرف السوق.

- تصفية المصارف غير قابلة للحياة.

- ان حدود مساهمة الدولة هي محددة باستدامة الدين العام على المدى الطويل.


الإجراءات الإصلاحية الأساس وتوحيد سعر الصرف

 الى ذلك يلتزم لبنان بموجب الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي على اجراء اصلاحات شاملة للمؤسسات التي تملكها الدولة لاسيما في قطاع الكهرباء لتحسين جدواها التشغيلية والمالية والحد من المخاطر المالية، وتكثيف الجهود لتعزيز الحوكمة ونظام مكافحة تبييض الاموال والسيطرة على الفساد حيث تكمن الاولويات في اجراء تشخيص شامل للحوكمة، وتعزيز فعالية الاطار القانوني والمؤسسات الخاص بمكافحة الفساد واصلاح تشريعات السرية المصرفية بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتعزيز فعالية مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب كما الاطار القانوني لهما. كما سيتم تعديل اطار السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف من خلال وضع ضوابط موقتاً على الرأسمال وقيود على السحوبات النقدية، وسيتم توحيد اسعار الصرف المتعددة للمعاملات المسموح بها، وسيعاد التركيز في السياسة النقدية على دورها الرئيسي المتمثل باستقرار الاسعار. والحكومة في صدد وضع حد لممارسة تمويل البنك المركزي لعجز الموازنة، واتخاذ الاجراءات اللازمة لتحسين حوكمة مصرف لبنان واستقلاليته، وتعزيز اطاره المؤسساتي.

في اي حال، الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي يتضمن افكاراً "طموحة" ستبقى في اطار الافكار الى ان تصبح الحقيقة قائمة ودون ذلك الكثير من المطبات التي من غير الواضح ما اذا كانت حكومة الرئيس ميقاتي ستتمكن من تجاوزها في الفترة المتبقية من عمرها قبل ان تدخل مرحلة تصريف الاعمال اذا ما جرت الانتخابات النيابية وانتجت مجلساً نيابياً جديداً تبدأ ولايته في 21 ايار (مايو) المقبل. مع الاشارة الى ان موافقة فريق موظفي الصندوق على الاتفاق تبقى موافقة مبدئية في انتظار وضع الاجراءات المتفق عليها موضع التنفيذ للدخول في المرحلة الثانية من التفاوض مع مجلس ادارة الصندوق، وهي المرحلة الاكثر دقة وفعالية في آن حيث يتقرر مصير الاتفاق النهائي مع الحكومة اللبنانية... او يرفض، او يطلب الصندوق تعديله او... تغييره!.

مجلس الوزراء الذي أقرّ الاتفاق.

مجلس الوزراء الذي أقرّ الاتفاق.

نائب رئيس الحكومة المكلف متابعة الملف سعادة الشامي.

نائب رئيس الحكومة المكلف متابعة الملف سعادة الشامي.