تفاصيل الخبر

وزير المال يحتجز مرسوم تعيين رؤساء محاكم التمييز: مخالفة ميثاقية أم "رأس" بيطار؟

وزير المال يوسف خليل.

وزير المال يوسف خليل.


 عندما نجح القضاء الأعلى في تعيين رؤساء أصيلين لمحاكم التمييز في لبنان، هم القضاة ناجي عيد، ماجد مزيحم، سانيا نصار، ايمن عويدات، حبيب رزق الله، ومنيف بركات، انفرجت أسارير اعضاء الجسم القضائي والعديد من المسؤولين على حد سواء على امل ان تنفرج الازمة التي اصابت القضاء وعطلت عمله وجعلت مجلس القضاء الاعلى "شاهد ما شافش حاجة". وتنفس الكثيرون الصعداء بأن العجلة القضائية ستعود الى الدوران من جهة، وان ميزان العدالة سوف ينتصب من جديد. ذلك ان لا دولة من دون قضاء، ولا عدالة من دون قضاة، ويكفي بطء السلطة التشريعية وتقاعسها حيناً ومزاجيتها احياناً، وعجز السلطة التنفيذية عن القيام بدورها... فالسلطة القضائية يمكن ان تملاء الفراغ ولو نسبياً وتبقى هيبة الدولة مصانة. الا ان الفرحة لم تكتمل وبقي مشروع مرسوم القضاة الستة، مجمداً لدى وزير المال يوسف خليل الذي احيل اليه للتوقيع ليصار الى ارساله الى رئاسة الحكومة ومنها الى رئاسة الجمهورية لتوقيعه واصداره وفقاً للاصول. يمتنع الوزير خليل عن الافصاح عن الاسباب التي جعلته يمتنع عن توقيع المرسوم وابقائه في عهدته خلافاً للاصول، خصوصاً ان توقيع الوزير على هذا النوع من المراسيم، هو امر روتيني وعدم توقيعه يفترض ان يتم تبريره وهو امر لم يحصل رغم كثرة المراجعات لان تعيين رؤساء اصيلين لمحاكم التمييز اتى بعد تجاذبات كثيرة حول الاسماء بعدما روج البعض ان رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود يريد ان يؤمن داخل الهيئة العامة لمحاكم التمييز فريقاً من القضاة يضمن الموافقة على قرارات يريد الرئيس عبود تمريرها، وهو امر ينفيه عبود نفياً قاطعاً.

تقول مصادر متابعة ان ولادة مرسوم القضاة الستة كانت ولادة عسيرة خصوصاً بعد معارضة المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات لاسماء كانت مرشحة لترؤس محاكم التمييز من بينهم القاضيتان جانيت حنا ورنده كفوري، ثم زال اعتراض عويدات بعدما تم استبعاد القاضيتين وتم تعيين بديلين عنهما، علماً ان القاضي عبود، وفق المصادر نفسها، لم يكن راضياً عن التعيينات لكن الضرورة فرضت نفسها وذلك لتمكين الهيئة العامة من الاجتماع مجدداً بعد اكتمال نصابها للبت في الدعاوى التي يفترض ان تنظر فيها، ومن ابرزها راهناً دعاوى مخاصمة الدولة المقدمة في ملف التحقيقات الجارية في انفجار مرفأ بيروت واعتراضاً على المحقق العدلي القاضي طارق بيطار الذي يتولى التحقيق في الانفجار، ودعاوى المخاصمة.... خصوصاً من النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر والوزير السابق يوسف فنيانوس، ثم انضم الى المدعين في وقت لاحق الرئيس حسان دياب والنائب نهاد المشنوق. بعض المطلعين على مسار الملف يقول ان السبب الاساسي لتجميد المرسوم لدى وزير المال هو تأخير صدوره لعدم تمكين هيئة رؤساء محاكم التمييز من البت بدعاوى المخاصمة قبل الانتخابات النيابية التي يفترض ان تحصل في 15 ايار (مايو) المقبل وذلك لعدم تمكين القاضي طارق البيطار من استكمال التحقيق في جريمة تفجير المرفأ خصوصاً ان عمله قد جمد بسبب هذه الدعاوى وتعذر عليه، رغم مرور اكثر من اربعة اشهر من متابعة التحقيق وبالتالي اعداد القرار الظني الذي يقول القاضي البيطار انه لا يستطيع اصداره قبل استكمال التحقيقات ما ترك تداعيات عدة ليس اقلها استمرار توقيف عدد من الاشخاص قيد التحقيق ومنهم من مضى على توقيفهم اكثر من سنة ونصف السنة، اضافة الى عدم تمكين القاضي البيطار من الاستماع الى افادت شهود آخرين كان طلب المحقق العدلي مثولهم امامه للاستماع الى افاداتهم. ويضيف هؤلاء المطلعون ان تجميد التحقيق جعل ملف انفجار المرفأ معلقاً علماً ان مطلب الكثيرين في الداخل والخارج هو معرفة الحقيقة في هذه الجريمة التي هزت العالم، ويكاد لا يخلو موقف دولي من المطالبة بتحديد المسؤولية في الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن الواقع الراهن ان لا تحقيقات ولا معطيات اضافية، واهالي شهداء المرفأ يتظاهرون يومياً ويقتحمون منازل مسؤولين بينهم منزل وزير العدل هنري خوري، وقبل ايام منزل وزير المال لمطالبته بتوقيع المرسوم. ثم اتى قرار مجلس الوزراء بهدم اهراءات القمح في المرفأ الايلة الى السقوط بفعل قوة الانفجار ليزيد الطين بلة لان اهالي الشهداء يرفضون السماح بهدم الاهراءات قبل صدور القرار الظني على خلفية رفضهم لما يصفونه بــ "طمس معالم الجريمة وإزالتها". 


"مخالفة ميثاقية"...؟

وفي مقابل الحديث عن تأخير متعمد من وزير المال في توقيع المرسوم لإبقاء يد القاضي بيطار مغلولة والتحقيق مجمداً، يورد مدافعون عن موقف الوزير خليل، وهم قريبون من رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن امام المرسوم عقبات جعلت وزير المال يمتنع عن توقيعه، ومنهم من يقول "الغام" ومخالفات "ميثاقية" مرتكبة. ويضيف هؤلاء انه بحسب النص القانوني تتألف الهيئة من رؤساء غرف التمييز، ويرأسها رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يُفترض بحسب النصوص أنه يترأس أيضاً الغرفة الأولى في محاكم التمييز. وككل تقسيم طائفي في البلد، فإن الأعضاء العشرة الذين تتألف منهم الهيئة مقسومين 5 مسيحيين و5 مسلمين، إلا أنه قبلَ سنوات (قبلَ تعيين عبود رئيساً لمجلس القضاء) جرى، بفتوى استثنائية، تعيين قاض مسيحي آخر ليترأس الغرفة الأولى بدلاً من رئيس مجلس القضاء الأعلى، وبقيت غرف محاكم التمييز ظاهراً مقسومة مناصفة بين مسيحيين ومسلمين. لكن مرسوم التعيينات الحالي للهيئة العامة «أخلّ بهذا التوازن»، وفقَ ما تقول المصادر نفسها. فرئيس مجلس القضاء الحالي سيترأس الهيئة العامة لمحكمة التمييز من دون أن يكون رئيساً لإحدى الغرف لغرف (الغرفة الأولى) التي سيترأسها القاضي ناجي عيد، وبذلك يصبِح عدد أعضاء الهيئة 11 عضواً، 6 مسيحيين و5 مسلمين. قد يعتبر البعض أن الملاحظة "غير منطقية" لجهة أن هذا الواقع كانَ سائداً في السابق ولم يعترض عليه أحد، فلماذا يعتبر مخالفة اليوم؟ تجيب المصادر نفسها ان الظرف اختلف في ظل خصوصية ملف المرفأ والطريقة التي أدير بها، تحديداً من قبل القاضي عبود حيث جرى "تطييف" الملف بشكل نافر، ما استدعى هذه المرة التوقف عند هذه النقطة". ومن جملة الملاحظات التي تحدثت عنها المصادر، انتداب القضاة إلى المراكز الأدنى بدلاً من الأعلى، فهم يشغلون بالأصالة مراكز في الهيئة العامة فيما بقوا منتدبين في مراكزهم القديمة.

بين الكلام عن تجميد المرسوم لشل القاضي بيطار، وبين الحديث عن مخالفات "ميثاقية"، المحصلة واحدة: سلطة قضائية معطلة بعدما نخرتها السياسة حتى العظم، وتحقيق قضائي في جريمة المرفأ مجمد حتى اشعار، ولعل الاخطر هو انتهاك الدستور الذي نص في مقدمته على فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، فأين الفصل عندما تتدخل سلطة مع سلطة اخرى، وأين التوازن عندما تطغى سلطة على اخرى، واين التعاون عندما تفادي سلطة سلطة اخرى الى حد تعطيل قراراتها؟!.

في أي حال، خرج الوزير خليل عن صمته يوم السبت الماضي ليؤكد ما هو مؤكد بأن المرسوم موجود لديه مبرراً ذلك بأن في المرسوم "أخطاء أساسية من شأن التوقيع عليه ان يخلق سابقة لبنان بغنى عنها"، لكنه اكد في المقابل انه "يتم العمل على تذليل العقبات امام توقيع المرسوم" وانه سوف يوقع عليه فور "تذليل تلك العقبات"... من دون ان يفصح وزير المال عن ماهية هذه "العقبات"... واللبيب من الإشارة يفهم!.


رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.

رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.

القاضي طارق البيطار.

القاضي طارق البيطار.