تفاصيل الخبر

عودة السفيرين السعودي والكويتي والاتفاق مع صندوق النقد تطوران يحتاج استكمالهما الى خطوات عملية لا مجرد وعود!

الرئيس ميشال عون يستقبل وفد صندوق النقد في القصر الجمهوري.

الرئيس ميشال عون يستقبل وفد صندوق النقد في القصر الجمهوري.

 حدثان إيجابيان ميزا الأسبوع الماضي، الأول الإعلان عن الاتفاق الاولي مع صندوق النقد الدولي على التدابير المفترض ان يتخذها لبنان ليحظى بالمرحلة الثانية وهي تأمين تمويل جزئي لحاجات لبنان بقيمة 3 مليارات دولار على مدى 4 سنوات، والثاني عودة سفيري السعودية وليد البخاري والكويت عبد العال القناعي الى بيروت بعد انقطاع دام أشهراً على خلفية ما أعلنه وزير الإعلام السابق جورج قرداحي حول "عبثية" الحرب في اليمن. هذان الحدثان هما بالواقع بداية لا بد من استكمالهما، ولا يمكن ان يتحقق ذلك الا من خلال سلسلة اجراءات يفترض بالدولة اللبنانية ان تتخذها سواء بالنسبة الى "شروط" صندوق النقد الدولي، او ضمان عدم التعرض لدول الخليج ومهاجمة المسؤولين فيها من لبنان وغيرها من التفاصيل المحددة في ورقة العمل الكويتية التي كانت الاساس في تحرك العودة الديبلوماسية الخليجية الى لبنان. واذا كانت مواقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ساهمت الى حد بعيد في اعادة ترطيب الاجواء مع دول الخليج، فإن ذلك لا يلغي الجهد الذي بذلته فرنسا في هذا الاتجاه منذ ان قررت انشاء الصندوق المشترك لتقديم المساعدات الانسانية للشعب اللبناني برأسمال 36 مليون دولار لكل من البلدين اي عملياً 72 مليون دولار.

عودة خليجية أولية وغير نهائية

ويستدل من خلال الاحاديث التي دارت على هامش مآدب الافطار التي اقامها السفير البخاري فور عودته الى بيروت ولقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين وعدد من الديبلوماسيين ان عودة السفيرين الكويتي والسعودي تزامنت مع مجموعة من التطورات المحلية والخارجية التي تعزز الانطباع بأن الخليج قرر الانخراط مجدداً على الساحة اللبنانية. وليست تطورات الملف اليمني والهدنة المعلنة مع الحوثيين بعيدة عن المناخ التسووي السائد حالياً، ولبنان جزء منه في انتظار ما سيسفر عنه المد والجزر الاميركي - الايراني حول الاتفاق النووي، بعدما دخل ملف الحرس الثوري بنداً جديداً وضاغطاً على المفاوضات التي كانت بلغت خواتمها قبل اسبوعين. الا ان ثمة من ربط بين هذه العودة والاستحقاق الانتخابي في 15 ايار (مايو) المقبل، وعن دور يمكن ان يلعبه خصوصاً السفير السعودي في "شد عصب" القاعدة السنية التي تظهر تردداً في المشاركة في الانتخابات المقبلة بعد الموقف الذي اتخذه الرئيس سعد الحريري قبل اشهر بتعليقه اي مشاركة لتيار "المستقبل" بالعمل السياسي عموماً، والانتخابات النيابية خصوصاً، ترشيحاً واقتراعاً، ام ان العودة تهدف الى اعادة الحضور الخليجي الى لبنان بعد الخلل الذي حصل بعد سحب السفراء. ويقول متابعون ان "ديمومة" الوجود الخليجي رهن امرين اساسيين، الاول مدى قدرة لبنان، ولاسيما الرئيس ميقاتي، على تنفيذ التعهدات التي قدمت الى دول الخليج حيال مكافحة عمليات التهريب من جهة، ومنع التعرض لأمن هذه الدول وسيادتها والتهجم عليها من جهة اخرى، والامر الثاني يتصل بمدى استعداد حزب الله للتعاطي بواقعية مع الوضع المستجد ومراعاة الخصوصية الخليجية، علماً ان قراراً كهذا لا يتفرد به بل يرتبط بشكل او بآخر بما ستسفر عنه اي تسوية في المنطقة حول دور طهران اولاً وحزب الله ثانياً. لكن الثابت، حسب المتابعين بان قراراً خليجياً بعدم ترك الساحة اللبنانية بالكامل لتمدد النفوذ الايراني، وان عملية اعادة التوازن لا بد منها سواء من خلال مواكبة خليجية للانتخابات النيابية تحفظ للطائفة السنية حضورها وتميزها، او من خلال الاهتمام بالشأن الاقتصادي لاسيما اعادة التوازن المفقود بسبب الانهيار المالي وفرملة الاندفاع نحو الشرق كبديل للمقاطعة الخليجية التي دفع اليها لبنان قسراً. وما الحديث عن الصندوق السعودي- الفرنسي المشترك الا الدليل على التوجه والاهتمام بالشأن الاقتصادي والاجتماعي من المعاناة اللبنانية.

وأكد المصدر المتابع ان عودة السفيرين الكويتي والسعودي تشكل مقدمة لعودة باقي سفراء دول مجلس التعاون الخليجي انطلاقاً من حرصهم على استقرار لبنان ووقف انهياره، وهو يستعد لانجاز الاستحقاق النيابي في ظروف طبيعية. ورأى ان مجرد ربط عودتهم بهذا الاستحقاق ليس في محله لأن هذه الدول تنأى عن التدخل في الشؤون الداخلية للبنان بدعم هذه اللائحة او تلك، وبالتالي فإن ربطها لا يخدم الجهود الرامية لتنقية العلاقات من الشوائب التي اصابتها بعد الخروج على مضامين البيان الوزاري للحكومات ومنها الحالية.

شروط الاتفاق مع صندوق النقد

 أما بالنسبة الى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي وصف بـــ "اعلان نوايا" بين الطرفين فإن مصادر متابعة اكدت ان ادارة الصندوق تحرص على تزويد لبنان الجريح اقتصادياً ومالياً بجرعة من الدواء للابقاء عليه على قيد الحياة باخراجه اولاً من غرفة العناية الفائقة، ومنعه من ان يلفظ انفاسه الاخيرة بمجرد اقترابه من الانهيار الاجتماعي الشامل، علماً ان الصندوق حدد للبنان دفتر الشروط الذي يؤمن له العبور تدريجياً الى مرحلة التعافي المالي. ورأى ان اعلان الاتفاق الشفهي "يحشر" الحكومة في الزاوية لاختبار مدى جديتها بالالتزام بدفتر الشروط خصوصاً ان فريق الصندوق بات على قناعة بأن لا مجال لتمديد المفاوضات  الماراثونية، طالما ان ازمة لبنان باتت معروفة، ولم يعد من حاجة لمزيد من التقصي والاستفسار، وطالما ان اسباب الازمة اصبحت معروفة، ويبقى على الحكومة ان تأخذ بالوصفة الطبية التي حددها الصندوق بالتوافق مع الوفد اللبناني المفاوض، خصوصاً ان المشكلة لا تكمن في اصدار القوانين، وبتعهد الرؤساء الثلاثة باعطاء الضوء الاخضر لتمريرها من خلال المؤسسات الدستورية صاحبة الاختصاص، بل ان المشكلة تكمن في عدم تنفيذ القوانين، وهذا ما تبلغه الوفد المفاوض باسم الصندوق انطلاقاً من تجربة سابقة في اللجنة النيابية المكلفة بوضع التشريعات والقوانين لتسريع الافادة من مقررات مؤتمر "باريس-1" التي توصل اليها رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري العام 2000 مع الرئيس الفرنسي في حينه "جاك شيراك" لمساعدة لبنان للنهوض من ازماته. وتم انجاز هذه القوانين لكنها لم تنفذ برغم انقضاء اكثر من 20 عاماً على اصدارها. وعدد مصدر معني بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي ما ورد في دفتر الشروط الذي توافق عليه الوفد اللبناني المفاوض مع صندوق النقد، ابرزها اقرار الموازنة ومشروع قانون "الكابيتال كونترول" لوضع ضوابط استثنائية على السحوبات والتحويلات المالية، واعادة هيكلة ديون الدولة والقطاع العام، ورفع السرية المصرفية بما يتيح مكافحة الفساد، وملاحقة من تسببوا بهدر المال العام، لأن من دون رفعها لا يمكن الاقتصاص من الفاسدين. واضاف ان الصندوق يشترط توحيد سعر الصرف، واعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضرورة حماية صغار المودعين، وان تكون الاولوية لضمان ودائعهم في المصارف، وتأمين الاموال العائدة للضمان الصحي لتوفير الطبابة للمضمونين، والحفاظ على تعويضات نهاية الخدمة للعاملين في القطاع الخاص، اضافة الى التفاوض مع دائني الدولة ممن اكتتبوا في سندات "اليوروبوند" بعد ان امتنعت الدولة عن تسديد الديون المترتبة عليها. وقال المصدر نفسه ان الفريق المفاوض في صندوق النقد كشف عن امكانية الاستجابة لدفتر الشروط قبل اجراء الانتخابات النيابية بما فيها اقرار الموازنة للعام الحالي  شرط الا يتأمن العجز من مصرف لبنان، وانما يفترض بالحكومة ان تتدبر امورها، وتبحث عن مصادر اخرى لتأمين العجز. وأضاف ان هناك صعوبة في اقرار جميع هذه القوانين قبل اجراء الانتخابات، خصوصاً ان هناك مشكلة في اقرار الموازنة ما لم تعمل الحكومة بالتعاون مع المصرف المركزي لتوحيد صرف سعر الدولار، خصوصاً ان العاملين في القطاع العام يتقاضون رواتبهم على اساس ان الدولار يساوي 1500 ليرة، فيما اصحاب الودائع في المصارف يعانون من قيود في الحصول على الحد الادنى من ودائعهم، وبعضهم خاضع لسعر الصرف على اساس ان الدولار يساوي 8000 ليرة، بينما سعر صرف الدولار على المنصة يساوي 22 الف ليرة. لذلك، فإن الجهاز الاداري الرسمي المكلف بتطبيق الموازنة يواجه صعوبة في تطبيقها بسبب عدم ثبات الصرف لاستحالة توحيده، وفي المقابل فإن لا مشكلة في اقرار قانون "الكابيتال كونترول" مع احالة بري المشروع الخاص به على اللجان المشتركة، على امل اقراره قبل حلول موعد اجراء الانتخابات في 15 ايار (مايو) المقبل.

 وعليه، فإن دفتر الشروط لن يرى النور، ويمكن ترحيله الى ما بعد الانتخابات، هذا اذا ما تعذر تشكيل حكومة جديدة، وتقرر تعويم الحالية لتتولى تصريف الاعمال في الفترة المتبقية من ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون، وبالتالي فإن مذكرة التفاهم التي اعلنت بالاحرف الاولى من دون التوقيع عليها لن يكون لها من مفاعيل ايجابية فورية ما لم تتلازم مع استجابة الحكومة لدفتر الشروط كمعبر الزامي للدخول في مرحلة التعافي المالي.

السفير السعودي وليد البخاري عند الرئيس عون.

السفير السعودي وليد البخاري عند الرئيس عون.

السفير الكويتي عبد العال القناعي في السراي للقاء الرئيس نجيب ميقاتي.

السفير الكويتي عبد العال القناعي في السراي للقاء الرئيس نجيب ميقاتي.