تفاصيل الخبر

"رسالة" ميقاتي تجاوزت مجلس النواب الى بعبدا وعين التينة: لا تحرجوني... فتخرجوني!

الرئيس نجيب ميقاتي في مجلس النواب يطالب بطرح الثقة بحكومته.

الرئيس نجيب ميقاتي في مجلس النواب يطالب بطرح الثقة بحكومته.


 يقول قريبون من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي انه لولا أن الاستحقاق الانتخابي في 15 ايار (مايو) المقبل، لكان ميقاتي قدم استقالة حكومته منذ اكثر من شهر، لكن الاستقالة كانت ستكون - في ما لو قدمها ميقاتي - سبباً لتأجيل الانتخابات النيابية التي يريد كثيرون ان تتأجل، ما عدا المجتمع الدولي ودول القرار التي تصر على اجراء الانتخابات في موعدها وتراهن - عن حق او غير حق - بأن تحمل تغييراً يحدث تبدلاً في تركيبة النظام اللبناني وتستجيب لاصوات "الثوار" التي انطلقت في 17 تشرين الاول (اكتوبر) 2019... اما اسباب الاستقالة التي تراود ميقاتي يومياً، فهي كثيرة ابرزها قناعته بان المناكفات السياسية والاستثمار الانتخابي والشعارات الشعبوية تحول دون عمل حكومته وانجاز المطلوب منها ومن البلد لسلوك سكة النهوض. لقد بلغ "القرف" لدى ميقاتي حداً كبيراً الى درجة انه في احد لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في بعبدا "طلع صوتو بالعالي" شاكياً من العراقيل التي توضع في درب حكومته وصولاً الى حد تسمية المعرقلين، ومنهم جهة نافذة جداً في البلاد التقى مع الرئيس عون على الشكوى منها، وبالتالي فإن دعوته مجلس النواب في جلسته الاخيرة الى ان تتحول الى جلسة مناقشة الحكومة وطرح الثقة بها، لم تكن مناورة كما اتهمه البعض، وليست حتماً "تمثيلية" على حد ما وصفها احد المرجعيات الكبيرة. واذا كان الرئيس ميقاتي أراد وضع حد لما يتردد عن استقالته فأعلن انه باق الى حين اجراء الانتخابات وبدء ولاية المجلس النيابي الجديد وعندها تعتبر الحكومة مستقيلة حكماً، لكن ذلك لا يلغي وجود "مرارة" عنده من الطريقة التي تعامل بها حكومته حتى من الحلفاء ومنهم وزراء ونواب "الثنائي الشيعي". لكن مع ذلك يريد ميقاتي إمرار هذه المرحلة بالحد الادنى من القرارات المطلوبة من دون فتح ملفات خلافية واثارة عناوين انقسامية تزيد من حدة الازمة وتعمق هوة الانهيار.


أسباب انزعاج ميقاتي متشعبة

ولا يخفي القريبون من ميقاتي ان الاتصالات التي ترده من الخارج، واللقاءات التي عقدها خلال رحلاته الخارجية ولاسيما الى مؤتمر اسكوتلندا ومنتدى الدوحة، جعلته "يضبط" نفسه ويتجاوز ما يسميها "اساءات" لقناعته بأن التشجيع الذي يلقاه من كبار المسؤولين الدوليين يعطيه كمية من "الاوكسيجين" تمكنه من الصمود حتى اشعار آخر في وجه العرقلات و"الشعبويات" بدءاً مما يقال عن الملف القضائي – المالي ووضع حاكم مصرف لبنان وصولاً الى ملف "الكابيتال كونترول"، الى غيرهما من المواضيع التي تثيره انزعاجه، علماً انه يدرك ان الكثير من ردود الفعل السياسية التي تتردد هذه الايام، ذات خلفية انتخابية وهي تبرز في كل موسم انتخابي تعيشه البلاد كل اربع سنوات. لذلك يحرص القريبون من ميقاتي على القول ان كلامه في مجلس النواب لم يوجه الى فريق محدد بل الى الجميع. وهو غير مرتبط بالتباين في وجهات النظر بينه وبين الرئيس عون حيال قضية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وتضيف هذه المصادر ان هناك تراكم ملفات، فأتت رسالة الرئيس ميقاتي، ومفادها أنّه في هذه المرحلة هناك ملفات مطروحة ويجب معالجتها من التفاوض مع صندوق النقد الى الموازنة والوضع المعيشي، ولا يُمكننا التلهّي بعناوين جانبية. أمّا بالنسبة الى موضوع حاكم مصرف لبنان، فليست قصة أشخاص بل ما يهمّ الرئيس ميقاتي هو استمرارية المؤسسات، وحين يكون هناك إجماع من الكتل النيابية على إجراء أي تغيير أو تعديل في الحاكمية فهذا الامر مناط بالجميع وليس بالرئيس ميقاتي وحده. في هذا الإطار، وبعد رفض عون عقد جلسة لمجلس الوزراء في القصر الجمهوري بمشاركة جهات قضائية ومالية للبحث في هذا الملف، وفشل تشكيل لجنة وزارية - قضائية - مالية بهذا الخصوص حتى الآن، يرى البعض أنّ هذا الامر قد جعل ميقاتي يقرع جرس الانذار. وفي المقابل يُتداول أنّ ميقاتي أجرى اتفاقاً ما مع القضاة الكبار المعنيين. هذه السيناريوهات كلّها، إضافةً الى ما يُحكى عن تدخُّل فاضح في عمل القضاء، ترفضها المصادر القريبة من ميقاتي، وتوضح أنّه يتشاور في استمرار مع مجموعة معينة. أمّا جلسة مجلس الوزراء بمشاركة قضاة فهي من باب الاستئناس بالرأي والتشاور ليس أكثر ولا أقل. فالرئيس ميقاتي مع ان يأخذ المسار القضائي مجراه، لكنه يحاول الحفاظ على المؤسسات بمعزل عن الاشخاص، ولا يحمي أشخاصاً ولا يتدخل في القضاء بل يريد أن تستمرّ المؤسسات في هذه الظروف، غير أنّ هذه العملية أخذت منحى سياسياً شائكاً. وتقول: "إذا كنا نريد أن نتلمس الطريق، فهو أنّه إذا كان هناك إجماع على تعديل على مستوى حاكمية مصرف لبنان، فهذا الامر غير مناط بالرئيس ميقاتي بل بجميع الافرقاء، ويتطلّب موافقة ثلثي مجلس الوزراء للتغيير أو التعديل". وبالتالي، يكون ميقاتي قد رمى كرة إقالة سلامة في ملعب أفرقاء مجلس الوزراء، وهو "ضدّ إثارة أي أمر خلافي الآن بل مع الأمور التوافقية وما يتفق عليه الأفرقاء، فأي كباش سياسي يعني تعقيد الامور أكثر ومزيداً من الازمات".

بالتوازي، يعتبر البعض أنّ عمل حكومة ميقاتي لا يواجه عراقيل داخلية فقط، بل عدم تجاوب دولي جدي تجاه أي مساعدة، وبالتالي لا تتمكن هذه الحكومة من تحقيق أي إنجاز. وفي هذا الإطار، يرى البعض أنّ ميقاتي عاد من الدوحة التي زارها الاسبوع المنصرم خالي الوفاض، في وقتٍ لا تطوُّر جدّياً على مستوى العلاقة مع دول الخليج وتحديداً السعودية. غير أنّ المصادر القريبة من ميقاتي ترى أنّه "يجب الاخذ في الاعتبار الرسالتين الرسميتين السعودية والكويتية من خلال الترحيب بالبيان الصادر عن ميقاتي في ما يخص العلاقة اللبنانية - الخليجية، ويجب قراءة هاتين الرسالتين الرسميتين الواضحتين بإيجابية، إذ إنّ هذه الرسالة الخليجية تدلّ الى الذهاب الى تسوية الامور، أمّا ترجمتها بإشارة واضحة المعالم كعودة السفراء فهذا أمر يعود الى الدول المعنية". كذلك تشير هذه المصادر الى أنّه "لم تُجرَ زيارات منذ فترة، لمسؤول لبناني مثل رئيس الحكومة، الى إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا أمر أساي، إضافةً الى مجموعة الاتصالات واللقاءات التي أجراها ميقاتي مع مسؤولين دوليين خلال زيارته لقطر، وبالتالي لم يعُد خالي الوفاض، ففي الشكل هذه الزيارة لإحدى دول مجلس التعاون الخليجي رسالة جيدة في حد ذاتها، فضلاً عن لقاءاته هناك، واستُكملت هذه الرسالة بالإشارة الى إمكانية زيارة وزير خارجية قطر للبنان".


في اي حال، يصارح ميقاتي القريبين منه بأن استمرار الوضع في البلاد على ما هو عليه، سيؤدي الى انفجار كبير ويتم البحث عن شرارة الاشتعال وهو لا يريد ان تكون حكومته الشرارة على رغم "الاستفزازات" التي يتعرض لها من اكثر من جهة. لكن العامل الاهم يبقى، في نظر المطلعين على هذا الملف، الخلافات المتعددة الوجوه بين الرئاستين الاولى والثانية وان كانت ضرورات التحالف المؤقت والمصلحي جعلتها تستتر، الا ان "الضرب تحت الزنار" مستمر في مواجهة تخوضها على اكثر من جبهة ضد عين التينة، والعكس بالعكس، فالرئيس عون لا يخفي عدم ارتياحه لمواقف الرئيس بري، ورئيس حركة "امل" لا ينكر سعيه الى قطع الطريق امام الارث الرئاسي للعهد... وخلال هذا التصادم بين الرئاستين الاولى والثانية، يتلقى ميقاتي الضربات من الجهتين وتدفع حكومته الثمن، لذلك اتت رسالته غير المباشرة عن الاستقالة، ثم اعلانه التريث في تقديمها الى ما بعد الانتخابات النيابية رسالة واضحة الى بعبدا وعين التينة خلاصتها "لا تحرجوني.... فتخرجوني"، فهل تدرك بعبدا ومعها عين التينة ماذا تعني استقالة ميقاتي اذا حصلت قبل الاستحقاق الانتخابي فترتدعان عن التصويب مباشرة حيناً، وغير مباشرة احياناً، على ميقاتي وحكومته؟



ويلتقي الرئيس ميشال عون في القصر الجمهوري.

ويلتقي الرئيس ميشال عون في القصر الجمهوري.

ومع الرئيس نبيه بري في عين التينة.

ومع الرئيس نبيه بري في عين التينة.