تفاصيل الخبر

صفقة المناقلات الديبلوماسية تعثرت... فهل ترجىء الى ما بعد الانتخابات النيابية؟

وزير الخارجية عبد الله بو حبيب.

وزير الخارجية عبد الله بو حبيب.


 كان من المفترض أن يوافق مجلس الوزراء في جلسته الأسبوع الماضي في قصر بعبدا على تشكيلات ديبلوماسية  جزئية تشمل سفارات لبنانية في عدد من الدول لاسيما واشنطن الشاغرة منذ تقاعد السفير غابي عيسى، والأمم المتحدة الى ستشغر في شهر ايلول (سبتمبر) المقبل مع تقاعد السفيرة امال مدللي، والفاتيكان، اضافة الى ملء مقعد الامين العام لوزارة الخارجية وغيرها من السفارات الشاغرة. الا ان جلسة مجلس الوزراء انتهت ولم تطرح مسألة المناقلات الديبلوماسية التي إن حصلت، فأنها ستتم قبل اقل من شهر ونصف الشهر من الانتخابات النيابية وسبعة اشهر من انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 31 تشرين الاول (اكتوبر) 2022، الامر الذي دفع "المعترضين" على صدورها الى وصفها بأنها " تشكيلات انتخابية بامتياز يعمل فريق الرئيس ميشال عون على تحقيقها بقوة على اساس انه بعد الانتخابات النيابية تصبح الحكومة بحكم المستقيلة وتدخل في مرحلة تصريف الاعمال حيث يتعذر على مجلس الوزراء الانعقاد، وقد تطول عملية تشكيل الحكومة الى ما بعد الانتخابات استناداً الى تجارب سابقة في هذا السياق. واللافت ان "خصوم" العهد وبعض حلفائه دخلوا في "بازار" هذه التعيينات سعياً وراء الحصول على مواقع ديبلوماسية يريدونها لسفراء يعتبرون من القريبين منهم علماً ان هؤلاء الذين رفضوا في السابق عادوا وقبلوا عملاً بقاعدة "المحاصصة" المتبعة في التعيينات على اختلافها.

يقول خصوم العهد إن من يشرف على إعداد التشكيلات الديبلوماسية ليس وزير الخارجية عبد الله بو حبيب، بل فريق عمل رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الذي سبق ان شغل منصب وزير الخارجية مرات عدة وبالتالي بات هذا الفريق ملماً بالتفاصيل المرتبطة بكيفية توزيع السفراء و"التوازنات" الطائفية والسياسية التي لا بد من اعتمادها لتأمين "تمرير" المناقلات، علماً ان "صرخة" الديبلوماسيين في بيروت "طالعة" لأنه مضى في وجودهم في الادارة المركزية سنوات عدة وبات يحق لهم حسب تنظيم وزارة الخارجية، ان ينتقلوا الى الخارج وان يعود من هم في الخارج الى بيروت بعد انقضاء مدة وجودهم، ومن بين هؤلاء من يعمل على ان يبقى حيث هو وفي احسن الاحوال الانتقال من سفارة الى اخرى لاعتبارات مادية صرف لأن رواتب الديبلوماسيين في الخارج تدفع بالدولار الاميركي، فيما رواتب ديبلوماسي الداخل تدفع بالليرة اللبنانية، فضلاً عن امتيازات وتعويضات اخرى يتقاضاه من في الخارج ولا يستفيد منها سفراء الداخل. والى السفراء، يشكو ايضاً الديبلوماسيون من رتبة مستشار او سكرتير، اي من الفئتين الثانية والثالثة، من بقائهم في الادارة المركزية اكثر من الفترات الزمنية المحددة لوجودهم في بيروت وبات يحق لهم الانتقال الى الخارج للاسباب المادية نفسها. ويبدو ان فريق العهد، كما الخصوم، يريد ان يجري المناقلات على "ذوقه" وان من بين السفارات المستهدفة للتغيير او للتعيين، سفارة لبنان في الفاتيكان حيث يكثر الحديث عن نقل السفير الحالي فريد الياس الخازن (وهو من خارج الملاك) الى بيروت ليحل مكانه المدير العام لرئاسة الجمهورية الدكتور انطوان شقير على ان يكون التحاقه بمركز عمله مع اقتراب نهاية العهد وبذلك يضمن لنفسه موقعاً ديبلوماسياً في حال لم يكمل عمله في رئاسة الجمهورية لاعتبارات مختلفة. كذلك فان معلومات هؤلاء "الخصوم" ترّوج بأن المناقلات سوف تشمل تعيين القائم بأعمال السفارة اللبنانية في الكويت هادي هاشم (الذي كان مديراً لمكتب النائب باسيل عندما كان وزيراً للخارجية) سفيراً للبنان لدى الامم المتحدة بعد ترفيعه من الفئة الثانية الى الفئة الاولى بينما ترتيبه في الاقدمية يأتي بالمرتبة 20 بين الديبلوماسين الموارنة، علماً ان مثل هذا التعيين اذا حصل، يعني حصول تبديل في طائفية المركز اذ شغله لسنوات خلت سفراء من الطائفة السنية في مقابل حلول سفير سني في السفارة اللبنانية في واشنطن التي يشغلها عادة سفراء من الطوائف المسيحية. ويتردد في هذا الاطار ان السفير المرشح للحلول في واشنطن هو السفير مصطفى اديب الموجود حالياً في المانيا والذي يعتبر من المقربين لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي وهو شغل قبل تعيينه سفيراً مركز مدير مكتب الرئيس ميقاتي خلال ترؤسه الحكومة الثانية له في عهد الرئيس ميشال سليمان. ويواجه هذا التبديل في طائفية هذين الموقعين الديبلوماسيين اعتراضاً خصوصاً ان السفيرة الحالية في نيويورك امال مدللي تحال على التقاعد في شهر تشرين الاول (اكتوبر) المقبل ولديها شهر اضافي كي تستكمل اجراءات العودة الى لبنان اي حتى شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل في وقت يكون الرئيس عون قد انتهت ولايته، وبالتالي من المفترض ان يكون الرئيس الجديد للجمهورية - اذا حصل الانتخاب ولم تقع البلاد في فراغ رئاسي كما حصل في نهاية عهد الرئيس سليمان - كلمته في اختيار ممثله في عاصمة الدولة الكبرى، الولايات المتحدة، وفي الامم المتحدة، لا ان يفرض على الرئيس الجديد ان يتمثل بسفراء لم يخترهم هو. وفي الصيغة المتداولة ان الامين العام الحالي للخارجية السفير هاني الشميطلي سوف يحل مكان السفير اديب الذي كان رئيساً مكلفاً للحكومة بعد مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ولم يتمكن من تشكيل الحكومة آنذاك لأن مدة بقاء الشميطلي في الادارة المركزية قد انتهت او تكاد، الا ان الخلافات التي نشأت بينه وبين السفراء في الخارجية عجلت في المطالبة بنقله من موقعه الى خارج لبنان.


مطالب بري...و"فيتو" ميقاتي على سفراء من خارج الملاك

وتتحدث مصادر ديبلوماسية لبنانية ان "الصفقة" لم تنجز بعد لأن الرئيس نبيه بري لديه بعض المطالب لاسيما في ما خص هوية السفير الشيعي الذي يفترض ان يحل في السفارة اللبنانية في لندن خلفاً للسفير الحالي رامي مرتضى الذي سيعود الى الادارة المركزية بعد انتهاء مدة وجوده في الخارج وكذلك في مسألة ترفيع عدد من السفراء الشيعة ومنهم الديبلوماسي اسامة خشاب الذي لا يحظى بدعم الرئيس بري الذي وقف عائقاً امام تعيينه من سنوات بعد ترفيعه الى الفئة الاولى على رغم انه نال حكماً من مجلس شورى الدولة بترفيعه اسوة برفاق له تم ترفيعهم، وهو يشغل الآن منصب المستشار الديبلوماسي لرئيس الجمهورية الذي حل فيه بعد تعيين المستشار السابق الوزير السابق شربل وهبه وزيراً للخارجية قبل استقالته بعد الاشكال الذي حصل مع السعودية وعدد من دول الخليج على خلفية مقابلة تلفزيونية اجراها مع محطة "الحرة" التلفزيون واستعمل خلالها عبارات وصف فيها احد الصحافيين السعوديين على نحو اثار اعتراض المملكة في حينه. وبرر الرئيس بري اعتراضه على اجراء التشكيلات حالياً بضرورة بقاء السفراء من دون تبديل ليتمكنوا من الاشراف على الانتخابات النيابية التي ستجرى في دول الانتشار، علماً ان الوزير بو حبيب كان ابلغ الرئيس بري وكذلك الرئيس ميقاتي ان التحاق السفراء المعينين في السفارات في الخارج لن يتم قبل الانتخابات النيابية، بل بعدها. الا ان التزام الوزير بو حبيب بعدم الحاقه السفراء الا بعد الانتخابات لم يقنع الرئيس بري الذي ظل على موقفه ما جعل المناقلات الديبلوماسية مجمدة حتى اشعار آخر، الا اذا عاد بري عن موقفه وقبل بحصولها خصوصاً ان المواقع الشيعية الديبلوماسية حددها هو واختار لها من يريد ليشغلها من ضمن "المحاصصة" المعتمدة في كل التعيينات والتي كان آخرها تعيين مرشح بري العميد حسن شقير مساعداً للمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني منصور الذي قبل مجلس الوزراء استقالته كضابط واعاد تعيينه مديراً عاماً لأمن الدولة في الجلسة نفسها التي عين فيها العميد شقير مساعداً له من ضمن سلة واحدة تم الاتفاق عليها في حينه.

وتقول مصادر حكومية ان الرئيس ميقاتي لم يعد متحمساً لاجراء المناقلات الديبلوماسية قبل موعد الانتخابات النيابية ما ازعج النائب باسيل الذي كان يريد ايضاً تعيين اثنين من المقربين منهم من خارج الملاك احدهما انطوان قسطنطين الذي كان رشحه للسفارة اللبنانية في سوريا، الا ان الرئيس ميقاتي اصر على عدم تعيين سفراء من خارج الملاك حفاظاً على حقوق العاملين في السلك الديبلوماسي في الترفيع والتعيين سفراء لقطع الطريق امام طلبات مماثلة يمكن ان ترد من مرجعيات سياسية اخرى. وتضيف المصادر نفسها ان موقف ميقاتي اثار ارتياح الديبلوماسيين في ملاك وزارة الخارجية الذين كانوا يشكون دائماً من تأخر ترفيعهم في كل مرة "يهبط" فيها بــ "البراشوت" سفراء من خارج الملاك لارضاء هذه المرجعية السياسية او تلك، وموقف ميقاتي قطع الطريق امام محاولات عدة بذلت لضخ ديبلوماسيين من خارج السلك في السفارات علماً ان مدة هؤلاء تنتهي حكماً مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، الا اذا قرر الرئيس الجديد عدم تبديلهم كما حصل مع الرئيس عون وقبله مع الرئيس سليمان وذلك خلافاً لما حصل مع الرئيس اميل لحود الذي انهى انتداب السفراء من خارج الملاك ما عدا السفير ريمون روفايل الذي كان في تونس وبقي فيها الى حين تقاعده بناء على طلب شخصي من الرئيس الراحل الياس هراوي تجاوب معه فيه الرئيس لحود آنذاك، علماً ان السفير روفايل كان يشغل منصب المدير العام للامن العام في عهد الهراوي. ومعلوم في هذا السياق ان ثمة "كوتا" تعتمد عادة في تعيين السفراء من خارج الملاك بحيث لا يتجاوز عدد هؤلاء الـــ 13 سفيراً ضماناً لحقوق السفراء في الملاك من جهة، ولعدم "خردقة" السلك الديبلوماسي بوجوه وشخصيات من غير الديبلوماسيين.

تجدر الاشارة الى ان آخر تشكيلات ديبلوماسية موسعة اجريت العام 2018 تحت مظلّة التسوية بين الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل. وهي مدّةٌ كافية لإحداث فجوة في الجسم الدبلوماسي بين قصر سرسق والخارج. فقد ارتفع تدريجياً عدد السفارات اللبنانية الشاغرة في عواصم العالم، ومنها سفارات أساسية، إضافة إلى انتهاء المدّة القانونية لشغل سفراء مواقعهم في الخارج، المحدّدة بعشر سنوات للفئة الأولى وسبع سنوات للفئة الثانية، وتجاوز مهلة السنتين التي تقتضي بعد إتمامها نقل سفراء ودبلوماسيين من الإدارة المركزية إلى البعثات في الخارج.

وفوق كلّ ذلك أدّت الأزمة المالية والاقتصادية إلى حدوث فجوة هائلة بين دبلوماسيّي الداخل والخارج قادت إلى ارتفاع عدد طالبي الاستيداع من الوظيفة والتوقّف المؤقّت عن الخدمة، أو المطالبة بالالتحاق بالخارج. والأفظع عجز الدولة عن تحويل رواتب دبلوماسيّيها بالدولار إلى الخارج، ووفق أيّ سعر... سعر المصرف أو السوق السوداء أو المنصّة؟! ومع ذلك يرى فريق دبلوماسي أنّ نهاية العام الماضي كانت المهلة القصوى لإصدار تشكيلات سريعة ومُصغّرة  تؤدّي إلى ملء الشغور في السفارات، وإرسال مَن هم في الإدارة المركزية إلى الخارج، وعودة سفراء تجاوزوا المهلة القصوى لتمثيل لبنان في الخارج إلى الإدارة المركزية. ومع تجاوز هذه المهلة لا بدّ من تأجيل التشكيلات الدبلوماسية إلى ما بعد الانتخابات النيابية والرئاسية، أي إلى بداية العام 2023. لكن من دون إسقاط "حقّ" مَن يجب أن تشملهم حركة المناقلات عبر إصدار "أوامر مهمّة" بايفاد هؤلاء كقائمين بالأعمال إلى السفارات المفترض أن يعيّنوا فيها، ثمّ تُرسل أوراق اعتمادهم بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، أو من خلال تشكيلات موضعية حيث يجب ملء الشغور وإجراء التبديل من دون تكليف الدولة اللبنانية نحو 6 ملايين دولار لإجراء تشكيلات ومناقلات عامة وشاملة. ويجزم مصدر دبلوماسي مطّلع ان هناك تعيينات مُلحّة يمكن أن تحصل بشكل جزئي عبر "أوامر مهمّة"، خصوصاً أنّ ظلماً كبيراً قد لحق بموظفي الإدارة المركزية. لكنّ التعيينات الشاملة خاطئة بالتوقيت وبسبب عدم اعتماد معايير موحّدة. يُضاف إلى ذلك الكلفة المالية العالية التي ستتكبّدها الخزينة العامة وتشمل حجوزات السفر وكلفة الانتقال والشحن من لبنان إلى الخارج وكلفة انتقال السفراء بين بعض الدول في الخارج..

رئيس التيار "الوطني الحر" جبران باسيل.

رئيس التيار "الوطني الحر" جبران باسيل.

مدير عام رئاسة الجمهورية انطوان شقير.

مدير عام رئاسة الجمهورية انطوان شقير.

السفير فريد الخازن.

السفير فريد الخازن.

السفير مصطفى اديب.

السفير مصطفى اديب.