تفاصيل الخبر

كلفة انتخابات 2022 ربع نفقات دورة 2018 لكن احتمال عدم توافر المال يبقى مطروحاً... لتأجيلها!

وزير الداخلية بسام مولوي.

وزير الداخلية بسام مولوي.


 يكثر وزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي هذه الايام من الإدلاء بتصريحات يؤكد فيها ان الانتخابات النيابية ستجري في موعدها في 15 ايار (مايو) المقبل، وان وزارته انجزت كل الترتيبات المطلوبة منها، وان الاعتمادات المالية سوف تتوافر لتغطية مصاريف العملية الانتخابية... كل ذلك من اجل الرد على الذين يصرون على ان صعوبات مالية تواجه اجراء الانتخابات وقد تكون سببا في تأجيلها على رغم النفي المتكرر من كبار المسؤولين لامكانية التأجيل يوماً واحداً، وفق ما قاله الرئيس نبيه بري الاسبوع الماضي. الا ان ثمة حقيقة لا تغيب عن بال "المشككين" بالقدرة على اجراء الانتخابات، تتصل بصورة خاصة بالشأن المالي حيث يتحدث كثيرون ان الاعتمادات المرصودة قد لا تكفي لتغطية مصاريف العملية الانتخابية داخل لبنان وفي دول الانتشار. حتى ان الوزير مولوي نفسه تحدث عن ان وزارته تبحث عن "حلول بديلة" لتأمين الكهرباء يوم الانتخابات النيابية بعدما تبين ان تكلفة توفير الكهرباء عبر مؤسسة كهرباء لبنان خلال يوم الانتخابات، تفوق قيمة الاعتمادات المخصصة لاجراء الاستحقاق برمته! علماً ان الكهرباء المطلوب توفيرها لا تقتصر على مراكز الاقتراع التي يفوق عددها  سبعة الاف مركز اقتراع في كل لبنان، لاسيما وان الانتخابات تجري في يوم واحد على كل الاراضي اللبنانية، بل كذلك يقتضي توفير التيار الكهربائي في مراكز لجان القيد. لقد تبين لوزير الداخلية ان مؤسسة كهرباء لبنان غير قادرة على تأمين الكهرباء الا بكلفة مرتفعة جدا تفوق الكلفة الاجمالية للانتخابات وهو امر غير مقبول في الوضع الحالي للدولة مع استمرار ازمة الكهرباء وتخطي ساعات التقنين احياناً الـــ 22 ساعة وسط عجز عن تأمين البدائل في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد والعجز عن استيراد الفيول لتشغيل معامل الانتاج وزاد الامور تعقيداً رفع الدعم عن استيراد المازوت الضروري لتشغيل المولدات الخاصة.

لا اعتمادات لتأمين الكهرباء!

وتشير المعلومات الى ان مؤسسة كهرباء لبنان ابلغت الوزير مولوي عن حاجتها الى مبلغ 16 مليون و 232 الف دولار لتأمين التيار يوم الانتخابات في وقت لا تتخطى فيه الاعتمادات المخصصة لاجراء الانتخابات 295 مليار ليرة اي ما يعادل 12 مليون ونصف المليون دولار حسب سعر الصرف في السوق السوداء. الامر الذي دفع وزير الداخلية الى البحث عن بدائل بــ "اسعار معقولة" لتأمين الكهرباء من خلال مولدات خاصة قبل الانتخابات بعشرة ايام على الاقل لمراكز لجان القيد، ومن بعد ظهر يوم الانتخابات حتى انتهاء الفرز ليلا في اقلام الاقتراع. وتضاف الى كلفة الكهرباء اجور نقل صناديق الاقتراع من داخل لبنان وخارجه، وتعويضات الموظفين المنتدبين للقيام بالاعمال الانتخابية، لاسيما وان رئيس القلم يتقاضى 3 ملايين و600 الف ليرة، والكاتب 3 ملايين و 400 الف ليرة، والموظف الاحتياط مليون و500 الف ليرة. كل هذه الارقام متى جمعت مع بعضها البعض سوف تجعل اجراء الانتخابات ان حصلت، محل امتحان صعب للبنان نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بفعل تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية قياسا الى الدولار، علما ان الجميع يطالب بتسديد مستحقاته بالدولار، لاسيما الشركات التي تقدم اجهزة ومعدات وتجهيزات، اضافة الى كلفة طباعة اللوائح الانتخابية الملونة، وتغطية نفقات سفر البعثات الى الخارج للاشراف على سير العملية الانتخابية في بلاد الانتشار. وعلى رغم ان لبنان بلسان وزير خارجيته عبد الله بو حبيب طلب دعم ابناء الجاليات اللبنانية "المقتدرين" واستعطف الجهات الدولية المانحة لمساعدته ماديا في تغطية نفقات العملية الانتخابية، الا ان تبقى المشاكل المتصلة بتأمين الاعتمادات ماثلة بحيث يخشى الكثيرون ان تكون سببا لتأجيل الانتخابات لاسباب تقنية لا خلفيات سياسية لها. وتورد مصادر متابعة ابرز المشاكل التي تعترض تمويل كلفة الانتخابات على حساب الدولة اللبنانية بالاتي:

أولاً: سعر صرف الليرة وطريقة احتسابه: أقرّ مجلس النواب اعتمادات ماليّة بقيمة 320 مليار ليرة لبنانية لتغطية نفقات الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في شهر أيار المقبل، لكنّ العقدة تكمن في إلزامية تحويل المبلغ المرصود إلى دولار نتيجة رفض معظم القطاعات قبول التسديد بالليرة اللبنانية، فيما يرفض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تحويل المبلغ إلى دولار على سعر صرف 1,500 ليرة، ويطالب بتحويله على سعر منصّة صيرفة.

ثانياً -  طبع لوائح الانتخاب: وفق قانون الانتخاب يتوجّب على وزارة الداخلية طباعة ما يقارب 4 ملايين و700 ألف لائحة، وتشترط المطابع الدفع بالدولار وليس بالليرة. بينما يجري الإعداد للانتخابات بسرعة فائقة بالنظر إلى ضيق الوقت.

ثالثاً-  التيار الكهربائي: سيكون صعباً توفيره داخل أقلام الاقتراع بالمعدّل المطلوب، أي 12 ساعة يومياً حدّاً أدنى. وما فاقم المشكلة أنّ البلديّات رفضت المساهمة لضعف إمكاناتها وارتفاع كلفة بدل المازوت. ويتمّ العمل على توفير مولّدات محمولة لكلّ مراكز الاقتراع والفرز مع المحروقات، بقيمة 10 ملايين دولار أميركي.

رابعاً - هناك مسألة أخرى جوهرية تتعلّق بتردّد الموظّفين والأساتذة ممّن تنتدبهم وزارة الداخلية عادة للعمل يوم الانتخابات كمندوبي صناديق وللقيام بغير ذلك من المهامّ. والسبب تدنّي قيمة البدل المادّي بالليرة اللبنانية. لذلك يرفض القضاة المشاركة في لجان القيد للسبب عينه. وقد أُجرِيَت اتصالات بجمعية المصارف من أجل المساهمة في تمويل العملية الانتخابية.

اقتراع المغتربين

أمّا لناحية اقتراع المغتربين فالتحايل على الواقع سيّد الموقف. إذ طلب وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب من البعثات الدبلوماسية استنفار علاقاتها والمَوْنة على المغتربين اللبنانيين للمساهمة في ضمان سير العملية الانتخابية. فالمبلغ المتواضع الذي أُقرّ، بالكاد يكفي لتغطية النفقات الضرورية. ومقارنة مع الدورة الماضية في العام 2018 يُتوقّع ارتفاع نسب اقتراع اللبنانيين في بلاد الاغتراب. وعددهم 225 ألفاً و114 ناخباً، موزّعين على 59 دولة.

وتنصّ المادّة 117 من قانون الانتخاب على أن "يعيّن السفير أو القنصل بالتنسيق مع الوزارة، بواسطة وزارة الخارجية والمغتربين، هيئة كلّ قلم، على أن لا تقلّ عن رئيس وكاتب من بين الموظفين العاملين في السفارة أو القنصلية، أو من المتعاقدين عند الضرورة، شرط أن يكونوا لبنانيين وتطبّق عليهم كل القوانين اللبنانية ذات الصلة، على أن تُحدّد صلاحيّات كلّ منهم". تُوزّع أقلام الاقتراع تبعاً لتوزّع المغتربين على لوائح الشطب الخاصّة بالدوائر الانتخابية. فإذا زاد عدد الناخبين في دائرة واحدة على 200 ناخب يتمّ تخصيص قلم اقتراع لهذه الدائرة. وبالنظر إلى عدد الدول وأعداد مراكز الاقتراع التي تمّ اعتمادها والبالغة 208، تضمّ 600 قلم، في 59 دولة، يتوجّب توافر مئات الموظفين للقيام بالمهامّ المطلوبة، وستُضطرّ الخارجية إلى إرسال بعثات دبلوماسية من لبنان (25 دبلوماسياً) لرئاسة مراكز الاقتراع، وقد لُحِظت تكاليف سفرها من ضمن الموازنة المُقرّة. والواقع ان المبلغ المُقَرّ لاقتراع المغتربين والبالغ زهاء 3 ملايين دولار (60 مليار ليرة على سعر 20 ألفاً وفق منصة صيرفة) لا يكفي لتغطية كامل النفقات المطلوبة، خصوصاً أنّ مجلس النواب تأخّر في إقرار الميزانية مقارنة مع المهل المتبقّية الضيّقة. لقد دفع ضعف الميزانية وضيق المهل وزارة الخارجية والمغتربين إلى اتّخاذ خطوات سريعة والتحايل على الواقع من خلال مناشدة المغتربين السعي مع الجهات الدولية إلى المساعدة في سدّ الاحتياجات. لكن كان الجواب أنّ العمل الانتخابي هو عمل سيادي لا يجوز تمويله. وتكمن الكلفة الكبرى في نفقات نقل الصناديق والمراقبة الإلكترونية اللذين لا تمويل واضحاً لهما ولا خطة من أجل إنجازهما. وقد رفضت الجهات المانحة تغطية بدل نفقات نقل صناديق الاقتراع ودفعها مباشرة إلى شركة النقل DHL. واتخذ الوزير بو حبيب خطوة أخرى لتقليص النفقات قدر الإمكان، تمثّلت في تعميم أصدره إلى البعثات الدبلوماسية طلب خلاله الاستعانة بعلاقاتها مع الجمعيات اللبنانية والأديرة الدينية والأندية من أجل أن تجعل مقارّها مجّاناً مراكز اقتراع في يوم الانتخاب، وتسعى الخارجية إلى الاستعانة بمتطوّعين للعمل في مراكز الاقتراع. وعلى رغم الغموض السائد، تؤكّد مصادر وزارة الخارجية أنّ استعداداتها جارية بشكل طبيعي، وقطعت شوطاً على سكّة التنظيم، لكنّها تشكو من تأخّر إقرار الموازنة مقارنة مع المهل المتبقّية للعملية الانتخابية، ومن حجم المبالغ التي أُقرّت وبالكاد تكفي لتغطية النفقات الضرورية، الأمر الذي اضطرّ الوزير إلى إصدار تعاميم للبعثات الخارجية بأن تستعين على قضاء حوائجها بعلاقاتها في الخارج من خلال المغتربين اللبنانيين.هذا الإجراء وإن كان هدفه تسيير الأمور والتحايل على الواقع لضيق الحال، فإنّه كان عرضة للانتقاد بسبب الخشية أن تصبح العملية الانتخابية مرتهَنة وموضع تشكُّك، ولا سيّما لناحية آليّة نقل صناديق الاقتراع ومراقبتها والتحقّق من نزاهتها تلافياً لما جرى المرّة الماضية حين اضطرّ الموظف إلى اصطحاب صندوقة الاقتراع إلى منزله.


بين كلفة 2022 و 2018 الفارق كبير!

وسط هذه المعطيات، ثمة من تحدث عن التكلفة المالية لدورة 2018 والتي بلغت 54 مليون دولار، علما ان النفقات المرتقبة لاستحقاق 2022 تشكل ربع ما انفق في 2018، خصوصا ان سعر صرف الدولار كان في 2018 يوازي 1500 ليرة لبنانية، في حين بلغ اليوم نحو 24 الف ليرة، وقيل الكثير من هذا الفارق وطرحت اسئلة عدة عن مآل اموال 2018 ومن يحاسب او يسأل عن سبب التكلفة المرتفعة قياسا الى ما هو متوقع لدورة 2022 ، الا ان كل تلك التساؤلات لم تفض الى أي مكان ولا سمعت مطالبة بالسؤال والمحاسبة والتدقيق مع يقين الجميع بأن كلفة انتخابات 2018 كانت "مفتوحة" جدا، الامر الذي جعل التساؤلات مشروعة. الا ان بعض من رافق انتخابات 2018 في وزارة الداخلية يتحدث عن ان تجهيزات عدة تم شراؤها في حينه لا تزال صالحة للاستعمال في دورة 2022، وان كل ما قيل عن "فساد" يندرج في اطار الحملة التي استهدفت ولا تزال الوزير السابق للداخلية النائب نهاد المشنوق وتيار "المستقبل" الذي كان ينتمي اليه في المقابل يرى الوزير السابق للداخلية زياد بارود ان التكلفة الانتخابية التي اشار اليها الوزير مولوي مقارنا المعطى مع استحقاق انتخابات 2009 بحيث تمثل المبلغ الذي رصد للانتخابات بـــ 14 مليون ونصف مليون دولار يومذاك، في ظل هبات ومساعدات قدمت من الاتحاد الاوروبي وبرنامج الامم المتحدة الانمائي، بما ساهم في عدم انفاق جزء مهم من المبلغ الذي تم رصده. ويترتب من خلال القانون الانتخابي الجديد مبلغا اضافيا من التكاليف التي تشمل الاوراق المطبوعة سلفا، لكن لا يمكن اعتبارها كلفة اضافية كبيرة. ويشير الى ان "النفقات الانتخابية للاستحقاقات الماضية، يفترض انها خضعت للاصول القانونية".. ويقول بارود انه يمكن خفض كلفة النفقات الانتخابية، وانا الى جانب الوزير المولوي في هذا الاجراء، ويعتبر الرقم الذي طرحه منطقيا لجهة كلفة انتخابية مقدرة بحوالي 14 مليون دولار، باعتباره مبلغا يعبر عن كلام منطقي في ظل اكثر من 7 الاف قلم اقتراع، لافتا الى ان تعويضات رؤساء الاقلام والكتبة والقضاة سوف تزداد في الاستحقاق الانتخابي المقبل وسط الوضع الاقتصادي، بعدما كانت مستحقات عدد من الموظفين تبلغ 550 الف ليرة، وهو مبلغ لا يكفي حاليا للتنقل والوصول الى مركز الاقتراع. كما ان عددا من الاليات والخدمات، تحتسب قيمة شرائها بالدولار.


وزير الخارجية عبد الله بو حبيب.

وزير الخارجية عبد الله بو حبيب.

وزير الداخلية الأسبق زياد بارود.

وزير الداخلية الأسبق زياد بارود.

وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق.

وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق.