تفاصيل الخبر

نصائح بعدم "المبالغة" في عودة خليجية الى لبنان ما لم تترجم التزامات بيروت... أفعالاً!

الرئيس نجيب ميقاتي خلال اللقاء مع الأمير تميم بن حمد في الدوحة.

الرئيس نجيب ميقاتي خلال اللقاء مع الأمير تميم بن حمد في الدوحة.

 التفاؤل الذي أبداه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بقرب عودة المياه الى مجاريها بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي التي قاطعت لبنان على خلفية التصريح الذي أدلى به وزير الإعلام السابق جورج قرداحي عن "عبثية" الحرب في اليمن، لم يجد الصدى الذي أراده رئيس الحكومة في الأوساط الرسمية والسياسية اللبنانية، منذ أن أطلقه خلال وجوده في منتدى الدوحة الأسبوع الماضي. ذلك أن المعطيات التي توافرت حول هذه المسألة لم تشر الى أن الدول الخليجية التي قاطعت لبنان، لاسيما السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، في طريقها لاتخاذ خطوات عملية ترفع "الحظر" عن لبنان وتعيد السفراء وتسمح لرعاياها بزيارة وطن الأرز من جديد. صحيح أن الكلام الذي سمعه الرئيس ميقاتي وهو في الدوحة، لاسيما من وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح شجعه على الاعتقاد بقرب الوصول الى نتائج ايجابية تنهي المرحلة السلبية التي سادت العلاقات بين لبنان وهذه الدول الخليجية، إلا أن الصحيح ايضاً أن الكلام وحده لا يكفي. فالأوساط الرسمية والسياسية التي قيمت كلام رئيس الحكومة، اعتبرت أن لا إجراءات عملية بعد صدرت عن هذه الدول يمكن الاعتداد بها، مع إقرار هذه الأوساط بأن المبادرة الكويتية التي حملت "مطالب" دول الخليج من لبنان والتي أجاب عنها وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب، "بردت" الى حد ما حرارة الاحتقان الذي ساد بعيد تصريحات الوزير السابق قرداحي، وجمدت إجراءات قاسية كانت تنوي هذه الدول اتخاذها، لكن الواضح أن هذا التجميد لم يقترن بخطوات من جهة لبنان تلبي "طموحات" دول الخليج لإعادة التعافي الى العلاقات اللبنانية - الخليجية بشكل كامل.

قد تكون الإجراءات الأمنية التي اعتمدها لبنان للحد من تهريب المخدرات الى دول الخليج من بين الانجازات التي تحققت في هذا الاطار والتي تركت ارتياحاً لدى دول الخليج، إلا أنه في ما عدا ذلك لم يتحقق شيء من المطالب التي وردت في المذكرة الكويتية خصوصاً في ما يتعلق بوقف الاعتداءات اللفظية ضد دول الخليج المستمرة من المسؤولين في حزب الله، والتي ارتفعت وتيرتها الاسبوع الماضي بعد إطلاق الصواريخ في اتجاه منشآت النفط التابعة لشركة "أرامكو" السعودية والتي قيل إنها أتت رداً على "مجزرة" طاولت عائلات يمنية في منطقة يسيطر عليها الحوثيون. كذلك لم يحصل أي تقدم في ما خص التزام لبنان القرارات الدولية ولاسيما منها القرار 1701 والقرار 1559، ولا يكفي في هذا السياق - حسب مصادر ديبلوماسية معنية- التزام لبنان "احترام قرارات الشرعيتين العربية والدولية كافة والعمل الجدي والفعلي لمتابعة واستكمال تنفيذ مندرجاتها بما يساهم في تأمين سلامة الوطن اللبناني ومنعة دولته". ذلك أن هذه المصادر تعتبر أن الكلام اللبناني لا يزال يصب في العموميات مع استمرار الأصوات من الداخل اللبناني التي ترتفع ضد عدد من دول الخليج وفي مقدمها السعودية على خلفية دورها العسكري في اليمن. ولعل العجز الذي ظهر من المسؤولين اللبنانيين في منع مناسبتين عقدتا في الضاحية الجنوبية من بيروت برعاية وإشراف مباشرين من حزب الله وتضمنا حملات ضد السعودية والبحرين، إلا الدليل على أن اعلان الحكومة اللبنانية في ورقتها الجوابية على المذكرة الكويتية عن التزامها "قولاً وفعلاً" بسياسة النأي بالنفس وبالإجماع العربي"، ظل في إطار القول ولم يقترن بالفعل كما تريد دول الخليج التي رأت أن إعلان الحكومة اللبنانية عن "اتخاذ القرارات والإجراءات القانونية كافة كي لا يكون لبنان منطلقاً لأي حركات أو أنشطة مناوئة لأي دولة عربية شقيقة" لم يتجاوز في الواقع "النية الصادقة" للدولة اللبنانية، وصولاً الى قدرتها على التنفيذ الفعلي، وهو أمر صعب التحقيق في الظروف الراهنة، لا بل قد يبدو صعب المنال أيضاً.

عودة السفير السعودي.... لا تزال تمنيات؟

 من هنا، تعتبر المصادر الديبلوماسية المعنية بهذا الملف أن الحديث عن عودة قريبة للسفير السعودي في بيروت وليد البخاري لا يزال في إطار التمنيات التي تتردد من حين الى آخر، لأن لا مؤشرات تدل على أن هذه العودة ستتم قبل حلول شهر رمضان المبارك يوم السبت في الثاني من شهر نيسان (إبريل). وقد اكثر السفير البخاري من "التغريدات" عبر حسابه على "تويتر" في الآونة الاخيرة بما شكل رسائل مباشرة حيناً وغير مباشرة أحياناً أن لا تبدل جذرياً في الموقف السعودي، وإن كانت سجلت "ليونة" في التعاطي السعودي مع لبنان في الآونة الأخيرة لم ترتق الى مستوى مبادرة "رأب الصدع" التي كانت وردت في المذكرة الكويتية التي نقلها الوزير الصباح الى بيروت قبل اشهر. وفي هذا السياق كشفت مصادر مطلعة أن الإجراءات السعودية المتعلقة بالانتاج الزراعي والصناعي اللبناني لا تزال على حالها، وكذلك الأمر بالنسبة الى إعطاء سمات دخول للبنانيين الى الأراضي السعودية وغيرها من الإجراءات التنظيمية الأخرى التي لا تزال الرياض تعتمدها حيال لبنان. إلا أن ذلك لا يلغي، وفق مصادر حكومية متابعة، أن إمكانية حصول تقدم في مجال "رأب الصدع"، لا تزال واردة، وأن الوساطة الكويتية مستمرة وكانت محور بحث مستفيض بين الرئيس ميقاتي والوزير الصباح خلال وجودهما في الدوحة التي دخلت هي أيضاً على الخط مع قرار امير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إيفاد وزير خارجيته قريباً الى بيروت لمتابعة ما كان بدأه نظيره الكويتي. إلا أنه طالما لم يصدر عن الرياض اي موقف مشجع، فإن الوضع سيبقى يراوح مكانه سواء من جهة دولة الإمارات العربية المتحدة او البحرين، علماً أن الموقف الكويتي يبدو قريباً من لبنان أكثر من غيره من المواقف، فيما سلطنة عمان لم تدخل في الأساس بأي مواجهة مع لبنان لا بل لعبت دوراً مهدئاً داخل مجلس التعاون الخليجي انطلاقاً من ثوابت السياسة العمانية الخارجية بالتزام مواقف معتدلة في مقاربة الخلافات بين الدول العربية.

 في أي حال، الرئيس ميقاتي عازم على زيارة عدد من الدول العربية خلال الآتي من الأيام لشرح الموقف اللبناني والدفع في اتجاه محاولة إعادة العلاقات اللبنانية – السعودية - الاماراتية - البحرينية الى طبيعتها ولو على مراحل وهو يعول كثيراً على ردود الفعل التي يأمل أن تكون ايجابية. ولعل "المفتاح" في هذه الايجابية التي أمل بحصولها، يبقى في الرياض. فاذا شملت جولته المملكة العربية السعودية، فإن ذلك سيكون المؤشر الاقوى بأن الامور تتجه نحو الاحسن، علماً أنه خلال وجوده في الدوحة لم يلتق ميقاتي اي مسؤول سعودي شارك في المنتدى الذي اقيم في العاصمة القطرية. أما المؤشر الايجابي الذي يمكن الركون اليه فهو التحرك الفرنسي - السعودي تجاه لبنان من خلال التوافق الذي تم بين الرياض وباريس على اطلاق سلسلة مبادرات اجتماعية وانسانية وخدماتية للشعب اللبناني من خلال الصندوق الذي ستموله السعودية بمبلغ أولي يقارب 36 مليون دولار. لكن اللافت أن هذا الصندوق سيتعاطى مع ممثلي المجموعات الشعبية اللبنانية ولن يكون من خلال المؤسسات الرسمية اللبنانية، وهو ازعج المسؤولين اللبنانيين الذين لم يجدوا فيها ملامح عن تبدل قريب الى عدم المبالغة في التعويل على تبدل قريب في الموقف الرسمي السعودي تجاه لبنان، لأن التعاطي السعودي مع "الشعب اللبناني" يختلف عن التعاطي مع الحكومة اللبنانية... إلا إذا تمكن الرئيس ميقاتي بالتعاون مع الفرنسيين من إحداث ثقب في الجدار الذي يفصل بين بيروت والرياض يمكن التأسيس عليه لمزيد من "الثقوب" التي يمكن أن تتسلل منها نسائم عودة الحرارة الى العلاقات بين البلدين لأنها ستستتبع حكماً عودة مماثلة من الإمارات والبحرين فتزول إذ ذاك، فعلاً وقولاً "الغيمة" التي قال الرئيس ميقاتي إنها بدأت تنقشع بعدما لبدت سماء العلاقات اللبنانية - الخليجية عموماً، واللبنانية- السعودية والإماراتية خصوصاً.

ومع وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح.

ومع وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح.