تفاصيل الخبر

الحقائق الثماني في زيارة عون الى الفاتيكان: البابا في لبنان قبل نهاية الخريف


لقاء البابا "فرنسيس" والرئيس ميشال عون والكاردينال "بيترو بارولين" في حاضرة الفاتيكان.

لقاء البابا "فرنسيس" والرئيس ميشال عون والكاردينال "بيترو بارولين" في حاضرة الفاتيكان.


 الزيارة الثانية لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى الفاتيكان يوم الاثنين الماضي، لم تكن مثل زيارته الاولى في 16/3/2017 عندما التقى البابا فرنسيس وكان الرئيس عون في بداية ولايته الرئاسية. في آذار (مارس) 2022 اختلف المشهد، ذلك أن الرئيس عون في نهاية ولايته لم يبق منها سوى بضعة اشهر، ولبنان في 2017 مختلف تماماً عن لبنان في 2022 سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وانسانياً، ذلك أن الانهيار الذي حصل على مختلف الصعد بدّل وجه لبنان وجعله في مكان آخر. لكن الثابت الوحيد هو أن الاهتمام الفاتيكاني بلبنان لا يزال هو نفسه، ومواقف البابا فرنسيس لا تزال هي نفسها حيال لبنان، لا بل اصبحت اكثر رغبة في إنقاذ هذا البلد الذي يعتقد الأب الاقدس أن وجوده في الشرق ضرورة ملحة، بتنوعه وتعدد طوائفه حتى أصبح نموذجاً يحتذى. لكن هذا الحرص لا يعني في المقابل أن الكرسي الرسولي "راضي" عن كل ما يحصل في لبنان سواء من قبل السلطة السياسية او السلطات الروحية لأنه يرى أن "التقصير" هو سمة السلطتين تجاه بلد مثل لبنان وشعب له ما له من دور وقيمة وحضور في العالم. لقد تألم البابا كثيراً على الحالة التي وصلت اليها الاوضاع اللبنانية وهو عبر مراراً عن ذلك وخصص يوماً للصلاة من اجل لبنان كما جمع بطاركة الشرق لهذه الغاية ايضاً ورفع الصلوات من اجل ابنائه، متابعاً بذلك تقليد درج عليه أسلافه، لاسيما البابا القديس يوحنا بولس الثاني الذي زار لبنان في أيار (مايو) 1997 وصادفت زيارة الرئيس عون الى الكرسي الرسولي الذكرى الـــ 25 لهذه الزيارة، والبابا بنديكتوس السادس عشر أتى الى بلاد الأرز في ايلول (سبتمبر) 2012 وصادفت زيارة الرئيس عون الذكرى العاشرة لهذه الزيارة، ناهيك عن الموفدين البابويين الذين زرعوا أرض لبنان ذهاباً وإياباً في مناسبات عدة كان آخرها وأبرزها زيارة وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور بول ريشارد غالاغر في 2 شباط (فبراير) 2022 والتي مهدت عملياً لزيارة عون الى الفاتيكان حين قال غالاغر لرئيس الجمهورية "نريد أن نراك ثانية في الفاتيكان"... وهذا ما حصل بالفعل.

المظلة البابوية ورسالة لبنان

لقد اكتسبت زيارة الرئيس عون الى الفاتيكان هذه المرة أهمية خاصة وقيل عنها الكثير وسال حبر كثير عن نتائجها وأبرز ما دار فيها، وذهبت مخيلات البعض الى أماكن وتفاصيل لا تأتلف مع الواقع. وما يمكن التأكيد عليه وفقاً لمصادر أطلعت عن قرب على مداولات الزيارة هو الآتي:

أولاً: المظلة البابوية لا تزال فوق لبنان وستستمر، خلافاً لكل ما قيل ويقال عن تراجع منسوب الاهتمام البابوي بلبنان واللبنانيين، والبابا كرر امام الرئيس عون ما سبق أن اكده في أنه لن يتخلى عن لبنان ولن يسمح لأي جهة بعدم الاهتمام به وسيظل يعمل لتحقيق ما يصبو اليه الشعب اللبناني من أمن واستقرار وسلام. وكترجمة عملية لهذه "المظلة"، فإن الزيارة البابوية الى لبنان ستتم قبل نهاية العام الجاري، وعلى الأرجح - وفقاً للمصادر نفسها - قبل نهاية الخريف المقبل على أن يجري التحضير لها وفقاً للقواعد الفاتيكانية من خلال بعثة سوف تصل الى بيروت قبل أربعة اشهر للتحضير للزيارة. إلا أن الكرسي الرسولي لن يعلن عن الموعد النهائي إلا بعد حسم البابا التوقيت وهو مرتبط خصوصاً بالتزامات بابوية اخرى في عدد من دول العالم.

ثانياً: سيواصل البابا، ومعه إدارته، أي أمين سر الدولة البابوية الكاردينال بيترو بارولين ووزير الخارجية غالاغر، على حث المجتمع الدولي على دعم لبنان كي يبقى هذا البلد ثابتاً في هويته وبقائه نموذجاً للعيش السلمي معاً وللأخوة بين مختلف الأديان فيه، وأن يبقى رسالة سلام للشرق باكمله. وفي هذا السياق تنشط  الديبلوماسية الفاتيكانية في دول العالم تحقيقاً لهذه الغاية لأن البابا وكبار المعاونين، يعتبرون أن الحضور المسيحي في لبنان له اسهامات اساسية في أن يكون الشرق الاوسط تعددياً ومتسامحاً ومتنوعاً، ولا يقتصر - اي الحضور المسيحي - على كونه اقلية وحسب، وفي الكرسي الرسولي قناعة بأن إضعاف المكون المسيحي في لبنان يهدد بالقضاء على التوازن الداخلي، ويستذكر البابا ومعاونوه أن لبنان هو البلد الوحيد الذي خصص بسينودس من الكنيسة الكاثوليكية "رجاء جديد للبنان". لكن الفاتيكان يرى أنه من السهل القول إن لبنان رسالة، كما جاء في الارشاد الرسولي، لكن يجب العمل من اجل أن تصبح هذه الرسالة حقيقة ملموسة.

ثالثاً: لا يريد الفاتيكان أن يتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، لكنه يشجع ويدعو بالحاح الى تحقيق اصلاحات تعيد ثقة المجتمع الدولي بلبنان وتسهل تقديم العون والمساعدة له، وهو يتابع عن كثب المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ويريد أن تنجح لاعادة بناء قدرات لبنان المالية والاقتصادية من جهة، وتسهيل تقديم مساعدات اجتماعية وانسانية للعائلات اللبنانية المحتاجة في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها اللبنانيون.


وسيط بإجماع لبناني... وحقيقة انفجار المرفأ والنازحين

رابعاً: انطلاقاً من الحرص البابوي على وحدة اللبنانيين لا يمانع الكرسي الرسولي من لعب دور الوسيط او المسهل لحوار بين اللبنانيين في حال توافرت دعوة جماعية لمثل هذا الحوار بمشاركة جميع الاطراف المعنيين للقيام بهذا الدور. وفي هذا السياق الفاتيكان ليس وحده في اي تحرك يدفع بالتوافق اللبناني- اللبناني الى الامام لأن المجتمع الدولي ولاسيما فرنسا تلتقي مع الكرسي الرسولي في اهمية مثل هذا الحوار للوصول الى "عقد اجتماعي" لا يقسم لبنان ولا يقضي على العيش المشترك فيه.


خامساً: طلب البابا ومعاونوه من الرئيس عون المضي حتى النهاية في التحقيقات الجارية في انفجار مرفأ بيروت لأن مثل هذا الامر لا يجوز أن ينتهي من دون تحديد المسؤوليات وقد سمع الجانب الفاتيكاني شرحاً من الرئيس عون عن الاسباب التي لا تزال تحول دون التوصل الى نهاية سريعة للتحقيق الجاري كاشفاً في هذا الاطار عن عوائق توضع امام المحقق وصعوبات تكبّل عمله، مع وعد بالسعي الى تذليلها قدر ما تسمح به صلاحيات رئيس الجمهورية بالتدخل في عمل السلطة القضائية وهي في الواقع صلاحيات محدودة انطلاقاً من مبدأ فصل السلطات.


سادساً: كان موضوع النازحين السوريين الطبق الرئيسي في محادثات الرئيس عون الذي اسهب في شرح التداعيات السلبية لوجود مليون والف سوري على الارض اللبنانية وهي تداعيات لها ابعاد مختلفة اقتصادية ومالية واجتماعية وانمائية وامنية الخ.... والحديث في هذا السياق كان صريحاً جداً سواء من جهة الرئيس عون او من جهة الجانب الفاتيكاني. رئيس الجمهورية تحدث بإسهاب عن وجود جهات دولية لا ترغب في المساعدة على اعادة النازحين السوريين على رغم توقف القتال في معظم الاراضي السورية، وتصر على الاستمرار في دفع المساعدات لهم في لبنان ليبقوا فيه عوضاً عن دفعها في الاراضي السورية ليعودوا اليها، وفي ذلك لاحظ الرئيس عون وجود "مخطط" قد يهدف الى ابقاء السوريين في لبنان او اعداد كبيرة منهم، خصوصاً أن التحجج بأن النازحين في لبنان يخشون العودة الى بلادهم خوفاً من اجراءات ضدهم هو حجة ساقطة بدليل أن اكثر من 70 في المئة من هؤلاء النازحين اقترعوا لمصلحة الرئيس بشار الاسد في الانتخابات الرئاسية السورية الاخيرة. اما الجانب البابوي فيقر بأنه لم يلاحظ وجود رغبة دولية، اميركية في الغالب واوروبية نسبياً، بالعمل الجدي لاعادة النازحين السوريين الى بلادهم ليس فقط من لبنان، بل ايضاً من الاردن وتركيا، لكن تأثير وجودهم في لبنان خطير وعميق على التركيبة اللبنانية. وعليه يقول الجانب الفاتيكاني إنه ليس من السهل تنفيذ المطلب اللبناني في الوقت الحاضر، لكن الكرسي الرسولي سيتابع دعم هذا الموضوع على رغم "العقد" الذي تكتنفه لاسيما تضارب الآراء الدولية حياله. وبصراحة اكثر يرى الفاتيكان أن المشكلة سياسية بامتياز لأن ثمة من يستعمل ملف النزوح السوري في لبنان للضغط في ما يتعلق بالحل السياسي الذي يرسم لسوريا والذي قد لا يلتقي مع توجهات القيادة السورية. وفي رأي الفاتيكان أن معاودة العمل على تفعيل مفاوضات جنيف يمكن أن يساهم ايجاباً في تحريك هذا الملف. كذلك فإن ثمة رأي فاتيكاني يتحدث عن ضغوط على حزب الله من خلال تجميد ملف عودة النازحين السوريين الى ارضهم. في اي حال وعد المسؤولون في الكرسي الرسولي بالعمل على ملف عودة النازحين بفعالية أكبر.


حزب الله... وصندوق الدعم الدولي

سابعاً: في الشق المتعلق بالوضع في الجنوب اللبناني ركز الرئيس عون على رغبة لبنان بالسلام ورفض الحرب وما تسببه من خسائر، معتبراً أن عودة الاستقرار الى الجنوب لا تكون إلا من خلال انسحاب اسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، في تلال كفرشوبا ومزارع شبعا والقسم الشرقي من بلدة الغجر، وهي كلها أراض لبنانية مثبتة ملكيتها للبنانيين، والانسحاب منها واعادتها الى السيادة اللبنانية يعني أن لا حاجة لوجود مقاومة مسلحة لاستعادتها لأن هذه المقاومة، اي حزب الله، نشأت نتيجة احتلال إسرائيل لأراض لبنانية وحمل أنصاره السلاح من اجل ذلك، ومتى تحررت الارض تنتفي الحاجة الى السلاح. لكن لدى الجانب الفاتيكاني ملاحظة اساسية وهي أن الولايات المتحدة وإيران يستخدمان، كل طرف من جهته، وهذه المسألة اللبنانية لاعتبارات تخص كل من الدولتين أي أن لبنان ضحية الصراع الاميركي- الايراني في مكان ما. لقد سعى الفاتيكان لاقناع الاميركيين بأن حزب الله هو حزب لبناني ويدافع عن أرض لبنان، لكن أميركا لا تريد أن تتقبل هذه الفكرة، وهذا ما يشجع إسرائيل على رفض إعادة الأراضي اللبنانية المحتلة.


ثامناً: أثار الجانب اللبناني موضوع إنشاء صندوق دولي لدعم لبنان بالتعاون مع الدول المانحة وبدعم من الفاتيكان، وبالتنسيق مع برنامج الأغذية العالمي WFP ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية "الفاو". استفسر الجانب البابوي حول هذا الصندوق واستمع الى شرح مفصل حول أهدافه، وهو يأتي بموازاة الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية يهدف الى تقديم مساعدات مالية ودعم تربوي وصحي، بالإضافة الى تحسين شروط العيش لاسيما وأن نسبة الفقر في لبنان بلغت 74%، وهي نسبة مرشحة للارتفاع الى 82% تمثل نسبة الذين يعيشون فقراً متعدد الابعاد صحياً وتربوياً وخدماتياً، ومن شأن هذا الدعم أن يقلص الفقر ويخفف من تأثير الازمة الاقتصادية ورفع الدعم . أما على المستوى التربوي فيهدف الصندوق الى مضاعفة طلبات التسجيل في المدارس وتقوية قدرات المؤسسات التربوية الرسمية والخاصة الى جانب الحفاظ على مستوى تعليمي عال، بالإضافة الى تحسين الولوج الى الخدمات الصحية والاجتماعية الأساسية. والأهم يكمن في العمل على المساهمة في التنمية من اجل تحصين الشعب اللبناني عموماً والطبقة الوسطى والشباب خصوصاً من خلال خلق فرص عمل جديدة وتمكين الشباب. وهذا النوع من الصناديق متبع في عدد من الدول أبرزها البيرو ومصر والاردن. وقد أبدى الجانب الفاتيكان اهتماماً بالموضوع واطلع على مستندات ووثائق ووعد بدرسه والرد عليه مع دعم مبدئي لفكرة قيامه.