تفاصيل الخبر

جدل حسمه قانونيون: الوزير مكاري لا يحتاج الى ثقة مجلس النواب


وزير الإعلام الجديد زياد مكاري.

وزير الإعلام الجديد زياد مكاري.


 طرح تعيين المهندس زياد مكاري وزيراً للاعلام، أكثر من علامة استفهام حول الأسباب السياسية التي دفعت رئيس تيار "المردة "سليمان فرنجية الى التراجع عن موقفه المعلن في بكركي بعدم القبول بتعيين خلف للوزير المستقيل جورج قرداحي. واذا كانت الاسباب السياسية بدأت تتكشف يوماً بعد يوم ويغلب عليها الاستحقاق الانتخابي وحاجة "المردة" الى أصوات آل مكاري في زغرتا بعد استبعاد الوزير  مكاري عن لائحتهم الثلاثية، فإن ثمة اشكالية دستورية طرحت نفسها وهي تتكرر دوماً كلما يحصل تعديل وزاري في حكومة ما، وخلاصتها هل التعديل الوزاري يحتاج الى ثقة جديدة من مجلس النواب بشخص الوزير المعين، او الحكومة ككل من جديد؟ يقول قانونيون ان الجواب غير سهل لغياب النص ما يتيح التوسع في الاجتهاد. وللاجابة الدستورية السليمة يجب استعراض التالي:

أولاً- اناطت المادة 53 من الدستور (الفقرة الرابعة منها) والمادة 64 من الدستور (الفقرة الثانية منها)، سلطة التعيين برئيسي الجمهورية والحكومة اللذين يوقّعان مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو اقالتهم. وعملاً بمبدأ موازاة الأشكال والصيغ، فإن صاحب سلطة الاقالة هو صاحب سلطة التعيين، فيكون تعيين وزير مكان وزير مستقيل أو مُقال حاصلاً بمرسوم يوقعه رئيسا الجمهورية والحكومة ويكتفي مجلس الوزراء بأخذ العلم، وهذا ما حصل. حتى إن مجلس النواب يكتفي بأخذ العلم لأنه قادر على الاطاحة بالتعديل الوزاري في أي وقت كما سيصار بيانه. 

ثانياً- ان الحكومة نالت ثقة مجلس النواب على أساس بيانها الوزاري سنداً للمادة ٦٤ من الدستور، وليس على أي أساس آخر بدليل الزامية التقدّم بالبيان الوزاري ضمن مهلة ثلاثين يوماً من صدور مرسوم التشكيل، وإلا لا حكومة ولا ثقة . 

ثالثاً – يحق لمجلس النواب في أي وقت نزع الثقة عن أي وزير في الحكومة، وحق طلب عدم الثقة مطلق لكل نائب في العقود العادية سنداً للمادتين ٣٧ و ٦٨ من الدستور. 

وهنا ينهض السؤال: كيف للمجلس أن ينزع الثقة من وزير لم يمنحه إياها؟ الجواب واضح من خلال ان الوزير الجديد يحظى بالثقة الممنوحة للحكومة خلال مثولها مع بيانها الوزاري أمام المجلس. فالوزير الجديد يتبع الحكومة ويصبح جزءاً منها ويلتزم حكماً ببيانها الوزاري. وفي الخلاصة، ان ما يحسم عدم لزوم الثقة هي: الفقرة الثانية من المادة ٦٤ التي تنص صراحة على ان الحكومة لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة على أساس بيانها الوزاري ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة. ولو شاء المشرّع طرح الزامية الثقة النيابية لدى أي تعديل وزاري، لنصّ على ذلك صراحة كما فعل بالنسبة للحكومة لدى تأليفها، ولأفرد مادة بذلك تلزم الثقة بالوزير المعيّن أسوة بالمادة التي تعطي كل نائب الحق بنزع الثقة عن الوزير. كذلك فإن  قاعدة التضامن الوزاري التي تجعل من الوزير الخارج على التضامن مستقيلاً كما فعل جورج قرداحي، ومن الوزير الداخل الى الحكومة ملتزماً مسبقاً بالبيان الوزاري كحال الوزير زياد مكاري. كما في الدستور اللبناني كذلك في دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا، الوزير مقيّد بالتضامن الوزاري: إما soumission أو démission. وفي العرف والسوابق التي لم تشهد أي نيل ثقة لدى أي تعديل وزاري منذ وضع الدستور عام ١٩٢٦ وبعد تعديل الطائف عام ١٩٩٠، وكان آخرها تعيين الوزير شربل وهبة خلفاً للوزير ناصيف حتي المستقيل. لا الحكومة عرضت ولا مجلس النواب طلب. ومارس الوزير وهبه مهامه في الخارجية الى ان حصل ما حصل واضطر الى الاستقالة على خلفية المقابلة التلفزيونية التي اعترضت عليها السعودية بشدة ومنها عدد من دول الخليج.


بارود : لا تصويت على الوزير منفرداً

وثمة من يرى من اهل القانون ان عدم مثول الوزير المعني حديثاً لنيل ثقة المجلس به امر غير مطلوب دستورياً حيث يلتقي الوزير السابق زياد بارود، والخبير في القانون الدستوري، مع القائلين إنه لا يوجد نص ولا سوابق بهذا الشأن كما أن الثقة تُمنح للحكومة مجتمعة وبمجموع أعضائها بعد تقديم بيانها الوزاري ومناقشته والتصويت على الثقة. ويؤكد بارود أنه وعملاً "بمبدأ موازاة الأشكال والصيغ، وبما أنه لا يتم التصويت على الثقة بكل وزير منفرداً، رغم أن الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب يسمحان بطرح الثقة بكل وزير منفرداً أو بالحكومة مجتمعة، وبالتالي فإن مجلس النواب يستطيع أن يطرح الثقة بأي وزير يرى أنه لا يستحق ثقة الأكثرية النيابية، لكن كل ذلك لا يعني أن تعيين وزير جديد بحاجة لثقة مجلس النواب". في السياق، لا بد من التذكير بأن النظام السياسي الحالي في لبنان قد اختلف عما كان عليه قبل العام 1990 (إتفاق الطائف)، حيث كانت عملية تشكيل الحكومة والحصول على الثقة يخضعان لقواعد وأعراف دستورية. فالمادة 53 من الدستور قبل تعديلها كانت تنص على أن رئيس الجمهورية يعيّن الوزراء ويسمي من بينهم رئيساً ويقيلهم، ولم تكن الاستشارات النيابية التي كان يجريها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة المكلف، ملزمة له، اذ كان يسمي رئيساً مكلفاً غير الذي تسميه الأكثرية النيابية، ومسألة الحصول على ثقة مجلس النواب كانت وفق المادة 66 القديمة، تتحدث عن عرض خطة الحكومة ولم تشر إلى واجب الحصول على الثقة.

لقد اختلف هذا الواقع الدستوري بعد العام 1990، فالاستشارات النيابية التي يجريها رئيس الجمهورية أصبحت ملزمة له وعليه أن يسمي رئيساً مكلفاً، من تسميه الأكثرية النيابية، ويجب على الحكومة أن تتقدم أمام المجلس النيابي ببيانها الحكومي من أجل الحصول على ثقة المجلس خلال ثلاثين يوماً من صدور مرسوم تشكيلها، وإلا تعتبر مستقيلة، والدستور لم يتضمن أي مادة في ما يخص استقالة الوزير، وإنما تحدثت المادة 69 عن الحالات التي تعتبر فيها الحكومة بأكملها مستقيلة. أما استقالة الوزير من الحكومة فهي عمل إرادي وشخصي مرتبط بالوزير، وهذه الاستقالة غير مقيدة بشروط محددة، ولكي تصبح نافذة تحتاج إلى صدور مرسوم يوقعه رئيسا الجمهورية والحكومة، كما مرسوم تعيين الوزير الجديد مكان الوزيرالمستقيل.

ويعتبر تعيين الوزير الجديد أمراً طبيعياً لارتباط الموضوع بنصاب انعقاد جلسات مجلس الوزراء وبنصاب التصويت واتخاذ القرارات في مجلس الوزراء، وطالما لا يوجد نص دستوري يطلب مثوله أمام المجلس النيابي للحصول على ثقته قبل مباشرة مهامه، وطالما لا يوجد عرف دستوري ملزم يقضي بذلك، وبما أن الثقة التي يعطيها المجلس للحكومة هي ثقة للحكومة مجتمعة وعلى أساس بيانها الوزاري، وليست ثقة ممنوحة لكل وزير بصفته الشخصية، فلا يوجد مبرر لمنح الثقة للوزير الجديد.