تفاصيل الخبر

"تسويات" أو "مقايضة" مررت التعيينات الأمنية وماذا عن ملء الشواغر الأخرى؟

  في الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء قبل اسابيع، وحصلت فيها المواجهة في شأن المحقق العدلي في جريمة مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، اعلن وزراء "الثنائي الشيعي" انهم لن يقبلوا بطرح اي موضوع غير ملح على النقاش ما لم تتم معالجة وضعية القاضي البيطار ومنهم من ذهب بعيداً الى حد المطالبة بـ "قبعه"... وبعد توقف استمر ثلاثة اسابيع عاد مجلس الوزراء للانعقاد لدرس الموازنة وبعض "الامور الملحة" والتي كان من بينها تعيين عضوين في المجلس العسكري، الاول عضو متفرغ كاثوليكي وآخر سني هو الامين العام للمجلس الاعلى للدفاع، فكان الاول بيار صعب والثاني العميد محمد المصطفى.

اللواء طوني صليبا.

اللواء طوني صليبا.


  في الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء قبل اسابيع، وحصلت فيها المواجهة في شأن المحقق العدلي في جريمة مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، اعلن وزراء "الثنائي الشيعي" انهم لن يقبلوا بطرح اي موضوع غير ملح على النقاش ما لم تتم معالجة وضعية القاضي البيطار ومنهم من ذهب بعيداً الى حد المطالبة بـ "قبعه"... وبعد توقف استمر ثلاثة اسابيع عاد مجلس الوزراء للانعقاد لدرس الموازنة وبعض "الامور الملحة" والتي كان من بينها تعيين عضوين في المجلس العسكري، الاول عضو متفرغ كاثوليكي وآخر سني هو الامين العام للمجلس الاعلى للدفاع، فكان الاول بيار صعب والثاني العميد محمد المصطفى. يومها "قامت قيامة" الثنائي الشيعي من جديد معترضاً على التعيين لانه "خارج الاتفاق" ولأنه لم يشمل تعيين نائب رئيس جهاز امن الدولة وهو شيعي. "انتصب" الميزان من جديد وسرب وزراء "الثنائي" ان وزير المال يوسف خليل لن يوقع على مرسومي التعيين في تلك الجلسة التي شهدت كذلك تعيين مفوض الحكومة في مجلس الانماء والاعمار زياد نصر. وبعد الجلسة انطلقت اصوات وزراء ونواب "الثنائي" تعترض على ما حصل وتنذر بالويل والثبور وعظائم الامور.... مرّ اسبوعان، وحلّ موعد جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي، وبسحر ساحر تم تعيين العميد حسن شقير الضابط الاداري في مديرية المخابرات نائباً لرئيس جهاز امن الدولة، وقبل مجلس الوزراء استقالة المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا من وظيفته كعسكري، ثم اعاد تعيينه في المنصب نفسه كمدني. لم يعترض احد من الوزراء الذين اعتادوا الاعتراض، ليصدر في اليوم التالي مرسوم تعيين العميدين صعب والمصطفى في المجلس العسكري خاليين من توقيع الوزير خليل، بوجود تواقيع رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة نجيب ميقاتي ووزير الدفاع الوطني موريس سليم، وبذلك اكتمل عقد المجلس العسكري المؤلف من ستة اعضاء برئاسة قائد الجيش العماد جوزف عون.

لم يعرف احد كيف تم التوافق على هذه التعيينات ولم يسأل اي من الوزراء عن اسباب تبدل المواقف المعترضة الى موافقة، علماً ان كل هذه التعيينات طرحت من خارج جدول الاعمال بعد موافقة رئيس الجمهورية الذي اعطاه الدستور وحده طرح مواضيع "ملحة" من خارج الجدول، وظل السؤال حول ملابسات القبول بعد الرفض بلا جواب وسط قناعة بأن "تسوية" ما تمت تحت الطاولة وأفضت الى سقوط التحفظات دفعة واحدة وولادة التعيينات في غياب تام للشفافية والوضوح، علماً ان كل التعيينات التي تمت لم تقدم فيها الى الوزراء السير الذاتية للمعينين كما تقضي الاصول، علماً ان وزيراً واحداً سأل عن السيرة الذاتية للعميد شقير فاعطي جواباً مختصراً من دون اي زيادة لمستزيد. وبدا ان الرئيس ميقاتي الذي ادار عملية التعيين بنجاح، تمكن من تمرير "القطوع" من دون اي مضاعفات تذكر ليؤكد ما هو مؤكد، من انه عند الوصول الى "تسوية" ما يتمكن الفاخوري من تركيب اذن الجرة كما يشاء، ولا داعي بالتالي لاي اجتهاد او ان يتذاكى احد، فالوزراء تلقوا تعليمات من مرجعياتهم السياسية بعدم الاعتراض لان "الطبخة" اعدت خارج قاعة مجلس الوزراء و"استوت" وفق الاصول على قاعدة "عطيني حتى اعطيك" و"عيّن لي حتى عيّن لك"... ويبدو ان هذه القاعدة ستكون معتمدة في الآتي من التعيينات لاسيما منها التشكيلات الديبلوماسية الجزئية التي يتم "طبخها" حالياً بين بعبدا والسراي وعين التينة، وعندما "تستوي" سيتم اقرارها في مجلس الوزراء... ويا دار ما دخلك شر".... لان وزراء حكومة الرئيس ميقاتي "الاختصاصيين" يدركون انه عندما يتفق "كبارهم" على شيء فإن دورهم هو الموافقة من دون نقاش ليمر ما هو متفق عليه بسلاسة، خلافاً لما يمكن ان يحصل اذا كانت مرجعياتهم غير موافقة.....

"لغم" فجره القاضي مكية...

 إلا أن أمراً غريباً وغير مألوف حصل في جلسة الخميس الماضي عند طرح موضوع استقالة اللواء صليبا ثم اعادة تعيينه مديراً عاماً لأمن الدولة كمدني وليس كعسكري. "نجم" هذا اللامألوف لم يكن وزيراً، بل كان الامين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية الذي خرق صمت الوزراء وموافقتهم ليقول إن اعادة تعيين اللواء صليبا في منصبه ذاته سيكون معرضاً للطعن، علماً ان ولاية اللواء صليبا كعسكري تنتهي السنة المقبلــــة عندما يبلغ الستين من العمر (يبلغ الآن عمره 59 سنة)، في حين يمكن ان يبقى كمدني حتى سن الــ 64 اي انه كسب ست سنوات اضافية في الوظيفة. برر القاضي مكية ملاحظته هذه بأن اللواء صليبا يحال على التقاعد في ايار (مايو) 2023، اي بعد نحو عام وشهرين وبالتالي لا داعي للعجلة، لافتاً الى وجود موانع قانونية لاعادة تعيينه كمدني لأن المادة 32 من قانون سلسلسة الرتب والرواتب الرقم 64 الصادر في 18 تموز (يوليو) 2017 نصت على الاتي: "خلافاً لأي نص آخر، لا يجوز ان تحفظ وظائف الفئتين الاولى والثانية لقدماء العسكريين حيث يبقى التعيين في هاتين الوظيفتين خاضعاً لاحكام قانون الموظفين، ويستمر الموظفون الذين عينوا قبل تاريخ العمل بهذا القانون باشغال الوظيفة التي عينوا فيها حتى انتهاء خدماتهم". واستطرد مكية بالقول إن قانون الموظفين نص ان تعيين الموظفين المدنيين (كما اصبح وضع اللواء صليبا بعد قبول استقالته) يفرض الا يتعدى سن المعين 39 عاماً فيما صليبا اليوم في سن الـــ 58 وكان يجب ان يحال على التقاعد في سن الـــ 59 برتبة لواء، وفي الحالتين لا يمكن تعيينه في موقعه الحالي بصفة مدنية لأن وضعه يخالف قانون الموظفين.

 ووسط إرباك الوزراء، جاء من يقول من الحاضرين حول الطاولة ان عدم حفظ الوظائف لقدامى العسكريين لا ينطبق على وضع اللواء صليبا، وبالتالي فإن تعيينه قانوني ولا لبس فيه، كما حصل مع المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي قبلت استقالته في 14 آذار (مارس) 2017 واعيد تعيينه بصفته المدنية. والأمر نفسه حصل مع العميد الياس خوري الذي عين مديراً عاماً للاحوال الشخصية بعد قبول استقالته كعميد في قوى الامن. لكن سرعان ما قيل لصاحب هذا الرأي ان اعادة تعيين اللواء ابراهيم وتعيين العميد خوري حصلا قبل صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب في 18 تموز (يوليو) 2017، وبالتالي لا تنطبق عليهما النصوص التي تنطبق على وضع اللواء صليبا.... وهنا وقعت الحيرة لاسيما مع تكرار القاضي مكية باحتمال اقدام احد على الطعن باعادة تعيين اللواء صليبا، وفي حال قبل الطعن امام مجلس شورى الدولة، يكون صليبا قد خسر وظيفته قبل احالته على التقاعد بسنة وشهرين ويسبب له قرار مجلس الوزراء ضرراً معنوياً ومادياً. امام هذا الواقع "ابتدع" الرئيس ميقاتي مخرجاً بأن يتم التعيين على الا يصدر المرسوم المتضمن قبول استقالة صليبا كعسكري ثم تعيينه كمدني، الا بعد لفت انتباه اللواء صليبا الى هذا الواقع ليقرر هو اما قبول التعيين الجديد بصورته المستجدة او برفضه فيبقى في منصبه حتى تقاعده كعسكري... ثم انتقل مجلس الوزراء الى درس بنود جدول الاعمال بعد "انجاز" التعيين المزودج لكل من اللواء صليبا والعميد شقير. 

 الا ان الواقع المستجد لم يلغ قلق الفريق المؤيد للواء صليبا، فكان لا بد من بحث عن مخرج قانوني يحمي اعادة تعيينه من اي طعن، وسرعان ما وجد المخرج الذي استند الى قانون الدفاع الوطني الذي ينص على ان المدير العام لأمن الدولة يعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء من رتبة عقيد وما فوق او من بين موظفي الدرجات الثلاث العليا من الفئة الاولى، او من بين اللبنانيين من خارج الملاك من حملة الشهادات الجامعية... وحيث ان اللواء صليبا لبناني ويحمل شهادة جامعية فإن تعيينه كمدني لا شائبة قانونية له. الا ان هذا "المخرج" قد يجد من يعترض عليه - اذا وجد - على اساس ان اللواء صليبا بات بعد استقالته من السلك العسكري، مدنياً من خارج الملاك ما يفرض الا يتجاوز عمره الـــ 39 سنة، في حين ان صليبا في 58 من العمر اي شروط التعيين المحددة في قانون الموظفين لا تنطبق عليه. وفي حال الاعتراض، من اي متضرر، سيحال الامر امام مجلس شورى الدولة الذي يرأسه القاضي فادي الياس للبت به استناداً الى فتوى قانونية يمكن ان تصدر عنه... فهل سيتولى احد الاعتراض على إعادة تعيين اللواء صليبا كمدني ام ان الامر سيتم تجاوزه لاسيما وان اللواء صليبا اظهر خلال توليه رئاسة امن الدولة، كفاءة وقدرة واخلاصاً في العمل واستطاع ان يعيد لهذا الجهاز الامني حضوره ودوره بعدما كان شبه مغيب خلال الاعوام الماضية؟ هنا يكمن سر "التسوية" -او المقايضة لا فرق- التي تتحكم في مفاصل عمل المؤسسات دستورية كانت ام إدارية ام عسكرية!.


العميد حسن شقير.

العميد حسن شقير.