تفاصيل الخبر

بعثة الخزانة الأميركية طالبت بضبط القرض الحسن وصندوق النقد دعا الى المصارحة عن مصير الودائع

في توقيت واحد، حلت في بيروت بعثتان، الأولى بعثة وزارة الخزانة الأميركية، والثانية بعثة صندوق النقد الدولي ما جعل المسؤولون يتفاءلون بأن الاهتمام الدولي بلبنان ما زال قائماً على رغم الحرب الاميركية – الروسية وانشغال العالم بها نتيجة

الرئيس ميشال عون يستقبل وفد الخزانة الأميركية برئاسة "بول أهرين".

الرئيس ميشال عون يستقبل وفد الخزانة الأميركية برئاسة "بول أهرين".


في توقيت واحد، حلت في بيروت بعثتان، الأولى بعثة وزارة الخزانة الأميركية، والثانية بعثة صندوق النقد الدولي ما جعل المسؤولون يتفاءلون بأن الاهتمام الدولي بلبنان ما زال قائماً على رغم الحرب الاميركية – الروسية وانشغال العالم بها نتيجة تداعياتها السلبية التي تزداد يوماً بعد يوم، وباتت تهدد الامن والاستقرار العالميين. إلا أن تفاؤل المسؤولين اللبنانيين لم يدم طويلاً بعد الاستماع الى اعضاء البعثتين الذين جالوا تقريباً على الأماكن الرسمية نفسها وقالوا الكلام نفسه أمام الجميع، وهو كلام لم يكن مشجعاً ولا هو يصب في مصلحة طريقة تعاطي لبنان مع أزمته المالية والاقتصادية والسبل الواجب اعتمادها لحلها. ولعل القاسم المشترك الذي جمع بين البعثتين كان الدعوة الى الاسراع في إيجاد الحلول المناسبة للخروج من النفق الذي دخله لبنان ولا يزال يغرق في متاهاته وسط غياب الامل الواضح بامكانية الخروج منه سالماً معافى. أما الدعوة الى الإسراع في البحث عن الحلول العملية، فتعود الى قناعة لدى أعضاء البعثتين من أن تطور الاحداث بين موسكو وأوكرانيا وتداعياتها قد تنقل الاهتمام الدولي الى حيث النار مشتعلة وتتراجع نسبة المهتمين بلبنان دولياً فيعود الملف اللبناني الى غياهب النسيان ويترك اللبنانيون كي "يقلعوا شوكهم بيدهم" لاسيما وأن قياداتهم السياسية كانت وراء ما يحصل لهم حالياً...


"مؤسسة القرض الحسن" أمام المجهر الأميركي

ماذا حملت البعثتان؟

بعثة وزارة الخزانة الأميركية التي رئسها النائب الاول المساعد لوزير الخزانة والمسؤول عن مكافحة تمويل الارهاب والجرائم المالية بول أهرين (الذي حلّ مكان الماريشال بلينسكي)، كانت صريحة في طرح الهواجس الأميركية التي لا تزال إياها وأبرزها متابعة جهود تجفيف منابع تمويل الارهاب والتزام لبنان القوانين المرعية بحيث لا يحصل أي تراخ من الجانب اللبناني في هذا المجال، بالوضوح نفسه قال أهرين للمسؤولين الذين التقاهم إن ثمة مصارف لبنانية لا تزال "تتذاكى" في عدم الالتزام بالتعهدات التي قطعتها لاسيما لجهة الاستمرار في "تهريب" الأموال، او قبول ودائع مشكوك بأمرها، وبالتالي فإن التعاون المطلوب من هذه المصارف ليس على المستوى المرغوب به ما يفرض "تنبيهها" الى خطورة تجاوز الخطوط الحمر التي تعرفها المصارف جيداً... ولعل الشكوى التي نقلها الوفد الاميركي من عدم إعادة تنظيم المصارف اللبنانية، تفاعلت في أذهان المسؤولين اللبنانيين الذين يعملون، من دون جدوى، الى إقناع أصحاب المصارف اللبنانية والقيمين عليها بضرورة التجاوب مع العملية الاصلاحية المطلوبة.

وأثار وفد الخزانة الاميركية ايضاً البطء المتعمد في إقرار قانون "كابيتال كونترول" الذي يؤدي التأخير في إقراره الى الاستمرار في محاولات تحويل الأموال الى الخارج من دون ضوابط تفرضها دقة الوضعين المالي والاقتصادي في لبنان. واذا كان بعض المسؤولين حمّل التأخير في إقرار قانون "كابيتال كونترول" الى السلطة التشريعية، فإن أعضاء البعثة الاميركية ردوا بصراحة ايضاً، أن ما يهمهم هو إقرار القانون وليس من يعرقل ذلك لأن هذه المسألة داخلية وليس لهم أن يدخلوا في "دهاليز" المؤسسات اللبنانية، رسمية كانت أم خاصة، ولاسيما "دهاليز" المصارف وعلاقتها مع مصرف لبنان الذي كانت لافراد البعثة الاميركية ايضاً ملاحظات حول بعض الاجراءات التي يتخذها والتي يرى الأميركيون أنه كان يجب أن تكون أكثر فعالية... أما النقطة الأبرز التي توقف عندها أعضاء بعثة الخزانة الاميركية فكانت وضعية "مؤسسة القرض الحسن" التي تخالف في رأيهم القوانين اللبنانية، الإدارية منها والمصرفية، وتغطي الحركة المالية لحزب الله من دون أن تتقيد بالاصول المعتمدة في العمليات المصرفية، فضلاً عن مخالفتها قواعد ترخيصها وفق العلم والخبر الذي نالته، من كونها جمعية خيرية تعنى بالمساعدات والنشاطات الاجتماعية والخيرية، وليس في هذا العلم والخبر أية اشارة الى حقها بالقيام بعمليات مالية، مباشرة كانت هذه العمليات، ام غير مباشرة، وبطبيعة الحال سمع أفراد البعثة كلاماً من المسؤولين اللبنانيين لم يقنعهم لاسيما القول إن وضع "مؤسسة القرض الحسن" وارتباطها بحزب الله، لا يسمحان للدولة اللبنانية بالتدخل او ممارسة سلطتها عليها بالنظر الى خصوصية "حزب الله" والمقاومة في لبنان، إلا أن التحذير الاميركي في هذا الصدد كان واضحاً وخلاصته أن استمرار "مؤسسة القرض الحسن" في عملياتها المالية سيعرض المتعاملين معها لعقوبات سواء كانوا مؤسسات او جمعيات او أفراداً، علماً أن خطوات أولى اتخذت سابقاً ويمكن أن تستكمل في اي لحظة، خصوصاً اذا ما استمر "الفتان" - حسب تعبير المسؤول الاميركي بول أهرين - على هذا النحو. وتشير المعلومات الى أن مسألة العقوبات لم تغب عن أحاديث الوفد الاميركي وإن كان لم يفصح عن طبيعتها ولا الاشخاص او الكيانات التي سوف تستهدفهم. من هنا فإن الانطباع الذي تكون لدى المسؤولين اللبنانيين من زيارة وفد الخزانة الاميركية لم يكن ايجابياً، وأن الإشارات السلبية التي سمعوها من أعضاء الوفد تضع القلق في منسوب عال وتهيء الأجواء لإجراءات لن تقل صرامتها عن تلك التي أوقعتها وزارة الخزانة الاميركية على شخصيات لبنانية عديدة، واللائحة تطول!.


وفد صندوق النقد: ودائع اللبنانيين تبخّرت!

واذا كانت بعثة وزارة الخزانة الاميركية صارحت المسؤولين اللبنانيين ورفعت من منسوب قلقهم، فإن مناخ بعثة صندوق النقد الدولي التي رئسها ارنستو راميريز لم يكن أفضل، لاسيما وأن الملاحظات كانت سلبية حيال "تباطؤ" السلطات اللبنانية في السير بالخطوات الاصلاحية المطلوبة الأمر الذي دفع بأعضاء البعثة الى التحذير من مغبة عدم الاسراع في إنجاز المطلوب من الحكومة اللبنانية، وإن كانوا نظروا بايجابية الى عمل الفريق اللبناني الذي يتولى المفاوضة مع الصندوق والذي يرأسه نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي. وتنقل مصادر مطلعة أن كلام راميريز كان مباشراً وواضحاً ومفاده أن لبنان لا يزال متأخراً عن القيام بالاصلاحات المطلوب تقديمها ضمن خطة اقتصادية واضحة، وبالتالي فإن الرسائل التي حاولت السلطات اللبنانية إبلاغها لأعضاء البعثة من خلال إقرار الحكومة مشروع موازنة 2022 سوف يحتاج الى مدة شهر على الاقل، ذلك أن هذه المدة اعتبرتها البعثة طويلة لأنها ستؤخر عملية التفاوض وبالتالي البدء بإجراءات عملية لوضع برنامج خطة التعافي المالي والاقتصادي موضع التنفيذ. كذلك فإن بعثة الصندوق كانت واضحة في إشارتها امام المسؤولين اللبنانيين، الى رفض المقاربة التي قدمتها الحكومة لمسألة تحديد الخسائر المالية وتوزيعها، ولذلك دعا راميريز المسؤولين الى مصارحة اللبنانيين بحجم هذه الخسائر وحقيقتها ومن ثم توزيعها بعدالة بحيث تتم حماية المودعين وليس تحميلها للجزء الاكبر منها. ويقول متابعون لوقائع الزيارة، إن الواضح في كلام راميريز أن عملية "التذاكي" التي قامت بها السلطات اللبنانية في مقارباتها مع الصندوق لم تؤتِ ثمارها، بل على العكس، كشفت في شكل فاقع ومؤذ للبنان، لأنها بينت أن لا جدية في التعاطي الرسمي مع التحديات القائمة، وأن حسن النيات لا يكفي لوضع برنامج جدي يخرج لبنان من كبوته. اذاً فالتقييم الأولي لأول جولة من المشاورات لم يكن مقبولاً وقد اضطر الصندوق الذي عبر عن رأيه في البيان الختامي للمشاورات التمهيدية الأولى، الى أن يعيد تكرار الموقف على لسان رئيس البعثة وجهاً لوجه مع القيمين على السلطة خصوصاً ان ما تعتبره السلطة انجازات على صعيد الموازنة والكهرباء وتوزيع الخسائر، يعتبره الصندوق إخفاقاً واستسهالاً لحلول غير مستدامة. والبيان من عشرات الاسطر لبعثة الصندوق الى لبنان تعيد التذكر بالركائز الخمس المطلوبة من لبنان، و"الحاجة الى اتخاذ إجراءات حاسمة"، فضلاً عن تكرار التأكيد على "أهمية وضع استراتيجية مالية متوسطة للانفاق الاستثماري" و"تنفيذ خطة إصلاح شاملة"...

راميريز: صارحوا اللبنانيين واصلحوا قطاعكم المصرفي

ويردد بعض من التقى راميريز ورفاقه في بعثة صندوق النقد الدولي كلاماً مزعجاً من مثل أن الخلاصة التي توصل اليها فريق عمل الصندوق حول وضع النظام المصرفي في لبنان، هي أن الودائع غير موجودة في المصارف التي تعاني مع مصرف لبنان من ثغرة كبيرة في ميزانيتها وهذا مؤسف لأنه سيتوجب على اللبنانيين المساهمة في حل هذه المعضلة، اي أن يتحملوا تبعات هذه الثغرة، واذا أراد لبنان مساعدة من صندوق النقد فإن ذلك يقتضي اتخاذ قرارات صعبة جداً لجهة توزيع الخسائر وإقرار تشريعات اضافة الى اعادة النظر في النظام المصرفي ككل، وعلى القيادات السياسية على مختلف مستوياتها أن تدفع في اتجاه حل مشترك لا دليل أنه متوافر الآن على الأقل! يجب إقرار هذه التشريعات ما يقتضي الاعتراف اولاً بوجود هذه الخسائر وهو أمر لم يحصل بعد وفقاً للمطلوب. وبصراحة جارحة قال راميريز في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين: "صارحوا اللبنانيين لأن في الوضع الراهن، وفي ظل هذا النظام المصرفي القائم لن يتمكن المودعون من الوصول مجدداً الى اموالهم"! واضاف: "نحن مستعددون لنكون جزءاً من الحل، لكن عليكم ان تقولوا للبنانيين إن اي حل سوف يفرض تغيير وضعية امور كثيرة، والشعب اللبناني سوف يقبل بأن يساهم في الحل اذا ما اقتنعت المؤسسات الرسمية والقيادات السياسية بأن الحصة الاكبر من الخسائر يجب ان تكون من نصيب المؤسسات والسياسيين الذين عليهم ان يقبلوا باجراءات لمكافحة الفساد، وما يجب البدء به في هذا المجال هو إصلاح قانون السرية المصرفية، ومعالجة الإرث الثقيل في النظام المصرفي واعتماد الحوكمة وإعادة النظر في النظام الضريبي... هذه هي شروط الإصلاح ولا بد من البداية ولا خيار لكم مطلقاً، مصرف لبنان يحتاج الى إعادة المصداقية إليه.... نحن لا نملك حلولاً سحرية وبالتالي فإن المسؤولية تقع عليكم أولاً في إصلاح ما هو فاسد. يجب إعادة اصلاح المصرف المركزي وإجراء التدقيق اللازم ولا بد من سياسة جديدة. مصرف لبنان خسر الكثير من إمكاناته المالية وإعادة النظر في مؤسساته بات أمراً ضرورياً، والأهم من كل ذلك ان هيئة التحقيق الخاصة لا يجوز أن تكون تابعة لحاكم مصرف لبنان، وكذلك الاسواق المالية... إنها خطوات ضرورية نوصيكم جدياً باعتمادها، وإلا فإن اي معالجة تبقى مبتورة".

يتضح مما تقدم أن الواقع المالي في البلاد ليس على ما يرام وعمل الحكومة مع صندوق النقد الدولي تنقصه الجدية وضرورة مصارحة اللبنانيين بالقيمة الحقيقية لخسائرهم والمسارعة الى اعتماد اصلاحات لا بد منها لإنجاح خطة التعاطفي الاقتصادي، وغير ذلك فهو هروب من الواقع، واي محاولة لتحميل المودعين الخسائر لن تمر بسهولة لا بل لن تمر مطلقاً... وعيون صندوق النقد مفتوحة وسيبقى التباين قائماً بين الصندوق والحكومة الى ان تصحح الاخطاء وتتوضح الحقائق وأولها أن الخسائر المالية أكبر بكثير من 69 مليار دولار لأن هذا المبلغ هو فقط خسائر القطاع المالي من دون ديون الدولة لحاملي سندات "اليوروبوند" على سبيل المثال لا الحصر!.


الرئيس عون يستقبل وفد صندوق النقد الدولي برئاسة "ارنستو راميريز".

الرئيس عون يستقبل وفد صندوق النقد الدولي برئاسة "ارنستو راميريز".

الرئيس نجيب ميقاتي أيضاً يلتقي في السراي الوفد الأميركي.

الرئيس نجيب ميقاتي أيضاً يلتقي في السراي الوفد الأميركي.