تفاصيل الخبر

كلام فرنسي قاس عن "فرصة أخيرة" وإلا عقوبات على السياسيين بمشاركة أوروبية!

31/03/2021
وزير الخارجية الفرنسية "جان ايف لودريان" يعطي القيادات اللبنانية الفرصة الأخيرة.

وزير الخارجية الفرنسية "جان ايف لودريان" يعطي القيادات اللبنانية الفرصة الأخيرة.


 من قرأ جيداً البيان الذي صدر عن وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان يوم الاثنين الماضي حول الازمة الحكومية اللبنانية، تيقن ان باريس (ومعها اوروبا) قررت الانتقال في محاكاتها للملف اللبناني، من مرحلة التشاور والتمني والنصح، الى مرحلة اكثر حدة وقساوة اذا لم تستجب القيادات اللبنانية للمطلب الفرنسي بضرورة الاسراع في تشكيل الحكومة، والتوقف عن تعطيل الجهود المبذولة للتشكيل لأن الوقت لم يعد يسمح بذلك. قال لودريان بوضوح كلاماً متشدداً لكل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري خلاصته التنديد بالانسداد الكامل منذ اشهر للمحادثات التي تهدف الى تشكيل حكومة في لبنان، "فيما تستمر البلاد في الانغماس في ازمة اقتصادية واجتماعية وانسانية وسياسية كبرى يدفع الشعب اللبناني ثمنها كل يوم وتضع البلد في توتر خطير وغير ضروري".

وذهب لودريان في صراحته وجرأته الى تحميل كل القوى السياسية "المسؤولية الكاملة عن هذا المأزق"، مصدرها "أمر اليوم" بوجوب انهاء التعطيل المتعمد فوراً للخروج من الازمة، لاسيما من جانب بعض الفاعلين في النظام السياسي اللبناني من خلال مطالب متهورة وقديمة العهد.

 لكن ما هو أخطر ما في كلام لودريان صدوره بعد التشاور مع وزراء خارجية الدول الاوروبية ووصولهم الى موقف واحد حيال الملف اللبناني وهو "الضغط" على المتسببين بهذا التعطيل، وهو اراد ان يلوح بالعقوبات التي قد تصدر عن الدول الاوروبية مجتمعة، وليس عن فرنسا فقط، في حال استمرت القيادات في تعطيلها تشكيل الحكومة، مع التمييز بأن هذه العقوبات لن تشمل بأي شكل من الاشكال، الشعب اللبناني الذي سيقف الاوروبيون الى جانبه كما اكد لودريان، كما فعلت منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (اغسطس) الماضي، من دون ان يعني ذلك اغفال الشق السياسي الذي يضمن اخراج لبنان من الازمة، وهو يكون بتشكيل حكومة وصفها لودريان والشركاء الاوروبيون بأنها "كفوءة وجاهزة للعمل بجدية للصالح العالم لتنفيذ اصلاحات معروفة من الجميع".

 والذين اطلعوا على فحوى اتصالات لودريان بالقيادات اللبنانية ادركوا ان وزير الخارجية الفرنسية لم يكن يعكس وجهة نظره مع وزراء الخارجية الاوروبيين فحسب، بل كان يتحدث باسم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي قالت مصادر فرنسية عليمة انه اصيب بــ "الملل" من مواقف السياسيين اللبنانيين ولم يعد يريد ان يتصل بهم، كما كان يفعل، واحال هذه المهمة الى وزير خارجيته الذي ذكر القيادات بالتزاماتها امام ماكرون خلال زيارتيه الى بيروت "من اجل لبنان واللبنانيين". وقال لودريان لمحدثيه انه تفاهم مع نظرائه الاوروبيين بأن "الضغط" سيحصل اذا ما استمر التعطيل فترة اضافية لأن سبعة اشهر من "الدلع" السياسي كاف للوصول بالبلاد الى حافة الانهيار الذي لطالما حذر منه لودريان نفسه اكثر من مرة "وانزعج" من كلامه العديد من الرسميين والسياسيين. لكن لودريان، حسب مصادر ديبلوماسية مطلعة لم يأبه لردود فعل الرسميين الذين تحدث اليهم ولم يلبس "قفازات" في اختيار كلماته لأنه اعطي الضوء الاخضر من الرئيس ماكرون بعدم "مراعاة  خواطر احد" بحيث تكون الرسالة الفرنسية الاكثر صراحة وشدة ونهائية قبل الانتقال الى مرحلة الضغط والعقوبات. 

وفي تقدير المصادر نفسها ان باريس " تحملت" كثيراً من القيادات السياسية التي "ماطلت" كثيراً و"راوغت" و"خدعت" الرئيس الفرنسي الذي وثق بها ووضع رصيده السياسي في سلتها وتحرك في كل الاتجاهات للمساعدة الجدية، لكنه في المقابل اصيب بــ "خيبة امل" من ردود فعل السياسيين اللبنانيين. لكن ذلك لن يمنعه من المضي في العمل من اجل لبنان الذي سيحمل قضيته الى الفاتيكان خلال زيارة متوقعة له الى الاب الاقدس البابا فرنسيس في اطار دعوته لزيارة باريس وتدشين مذبح كنيسة "نوتردام" التي احترقت وذلك بعد اعادة ترميمه مع اقسام عدة من الكاتدرائية الاكبر في فرنسا.

هامش المناورة ضاق

كيف كان وقع الكلام الفرنسي"القاسي" على الساحة اللبنانية، وهل من امل في التجاوب مع الرغبة الفرنسية بحلتها الجديدة المتصلبة؟ تقول مصادر متابعة ان هامش المناورة لدى السياسيين اللبنانيين قد ضاق بعد الموقف الفرنسي الاخير الذي لم يكن فرنسياً فقط، بل كان اوروبياً شاملاً، الامر الذي يفترض بالسياسيين قراءته بشكل مختلف عن السابق، وبالتالي فإن ردة الفعل قد تختلف عن السابق لاسيما وان تحرك سفراء فرنسا واميركا والسعودية والكويت وبريطانيا في الايام الماضية لم يكن من فراغ بل هو استند الى مواقف الدول التي يمثلون والتي ترغب فعلياً في الوصول الى حل للأزمة اللبنانية التي امتدت طويلاً، ولولا المتابعة الفرنسية المستمرة لاصبحت هذه الأزمة في غياهب النسيان، وما جعل الحراك الفرنسي اكثر حيوية وفعالية، الدعم الذي لقيه الرئيس ماكرون من الرئيس الاميركي جو بايدن في ما خص لبنان، وهو امر لم يكن متوافراً مع ادارة الرئيس السابق دونالد ترامب الذي لم يكن يرى في لبنان سوى ضمان مصالح اسرائيل في ترسيم الحدود البحرية ومعاداة حزب الله المتحالف مع ايران. من هنا فإن القيادات اللبنانية باتت مدركة هذه المرة انها امام "الفرصة الاخيرة" وان عليها ان تتصرف على هذا الاساس ما يحمل على الاعتقاد بأن "فشات الخلق" التي حصلت الاسبوعين الماضيين بين بعبدا و"بيت الوسط" قد تكون آخر العنقود، وسيتجه الطرفان لــ "التسوية" التي تحدث عنها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من قصر بعبدا بالذات، واشارت اليها بوضوح السفيرة الاميركية في بيروت دوروثي شيا، وتطرق اليها بطريقة غير مباشرة السفير السعودي وليد البخاري من قصر بعبدا ايضاً بعيد لقائه الرئيس عون.

اما تفاصيل "التسوية" فتبقى صناعة وطنية لا دخل للوسطاء الخارجيين في تفاصيلها، وهي قد تكون من خلال توسيع الحكومة الى 24 وزيراً من دون ثلث معطل لأي فريق مع وزراء اختصاصيين غير حزبيين يتم اختيارهم بــ  "التعاون" مع القيادات السياسية، من دون ان يكونوا "مسيسين" او من الوان سياسية فاقعة. اما تسويق "التسوية" فستكون عملاً مشتركاً بين البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي (الذي قد يجمع في بكركي الرئيس المكلف برئيس "تكتل لبنان القوي" جبران باسيل لاتمام المصالحة بينهما ) والرئيس نبيه بري وجنبلاط على ان يتولى الحراك الفعلي رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيم كنعان والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي عاد من باريس بداية الاسبوع باجواء لا تختلف عن تلك التي عكسها الوزير لودريان في اتصالاته، خصوصاً وان ابراهيم التقى على هامش زيارته مسؤولين فرنسيين على صلة مباشرة بالملف الحكومي اللبناني من الفريق اللصيق بالرئيس ماكرون وفي طليعتهم نظير اللواء ابراهيم السفير السابق برنار ايمييه الذي بات ممسكاً مع السفير إيمانويل ماكرون بالملف اللبناني باشراف مباشر من الرئيس ماكرون.

مواكبة اميركية

 وتؤكد المصادر المتابعة ان الحراك من اجل "التسوية" ستواكبه السفيرة الاميركية في بيروت بتعليمات من ادارتها وبالتنسيق مع الفرنسيين لاسيما وانها اشارت الى الكلمة السحرية اي "التسوية" من قصر بعبدا كدليل على بداية تحول في السياسة الاميركية في لبنان في انتظار اكتمال التعيينات في دوائر الخارجية الاميركية. وترجح مصادر ديبلوماسية متابعة ان تعين بربارا ليف في منصب مساعدة لوزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى خلفاً لديفيد شينكر، على ان تنقل من فريق العمل الذي يترأسه بريت ماكغورك، المسؤول عن منطقة الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي. وليف من الموظفين الكبار الثابتين، عملت في وزارة الخارجية مختصة بشؤون منطقة الخليج والعراق، وتتقن العربية.

ويذكر ان جوي هود يشغل بالتكليف منصب مساعد وزير الخارجية، فيما شينكر خرج نهائياً من الادارة مع تسلم الرئيس جوزف بايدن، وعاد الى العمل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، ويطمح في الوقت نفسه في ان يعين مبعوثاً رئاسياً خاصاً للشأن السوري، ويشاركه في هذا الطموح السفير جيفري فيلتمان، وتقع في هذا السياق تحديداً الاطلالات المكثفة لشينكر في الشأنين اللبناني والسوري، بالشراكة مع بعض الاعلام اللبناني، الذي لا يزال يوحي او يتعامل معه، عن قصد او عن جهل، على انه يستمر في منصبه الرسمي في وزارة الخارجية. اما في وزارة الدفاع فعينت مارا كارمن مسؤولة عن ملف لبنان، وهي من مؤيدي استمرار دعم الجيش اللبناني. كما عينت دينا سترول مسؤولة عن الشرق الاوسط، وتعمل تحت ادارة كولن كال الرجل الثالث في تراتبية المسؤولية عن المنطقة في البنتاغون.