تفاصيل الخبر

تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية سنة أسبابه سياسية.... وليس فقط لوجستية وتقنية!

  لم يكن وزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي مضطراً ليقدم شروحات كثيرة للوزراء عندما طرح في جلسة مجلس الوزراء البند المتعلق بالموافقة على مشروع قانون يحال الى مجلس النواب بتأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية سنة لتعذر إجرائها في شهر أيار (مايو) المقبل نظراً لتزامنها مع إجراء الانتخابات النيابية في 15 من الشهر نفسه. فما أن طرح الوزير مولوي البند على الوزراء حتى سلم الجميع بضرورة التأجيل، في حين سأل البعض عن سبب التأجيل سنة وليس ستة أشهر، ومنهم من اقترح تأجيلهـــا حتى شهر ايلول (سبتمبر) المقبل... إلا أن كل هذه الأفكار ظلت من دون صدى لأن المبررات التي أدلى بها وزير الداخلية كانت كافية 

جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي تم فيها تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية.

جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي تم فيها تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية.


  لم يكن وزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي مضطراً ليقدم شروحات كثيرة للوزراء عندما طرح في جلسة مجلس الوزراء البند المتعلق بالموافقة على مشروع قانون يحال الى مجلس النواب بتأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية سنة لتعذر إجرائها في شهر أيار (مايو) المقبل نظراً لتزامنها مع إجراء الانتخابات النيابية في 15 من الشهر نفسه. فما أن طرح الوزير مولوي البند على الوزراء حتى سلم الجميع بضرورة التأجيل، في حين سأل البعض عن سبب التأجيل سنة وليس ستة أشهر، ومنهم من اقترح تأجيلهـــا حتى شهر ايلول (سبتمبر) المقبل... إلا أن كل هذه الأفكار ظلت من دون صدى لأن المبررات التي أدلى بها وزير الداخلية كانت كافية وخلاصتها أن لا إمكانات لوجستية ومالية وتقنية وإدارية تسمح بأن تتم الانتخابات البلدية في يوم واحد مع الانتخابات النيابية لأن ذلك يتطلب زيادة عدد رؤساء الاقلام والعاملين فيها، وتشكيل لجان فرز خاصة بالاستحقاق البلدي. كذلك يتعذر إجراء الانتخابات بعد الاستحقاق النيابي لعدم توافر المال اللازم لتغطية المصاريف الضرورية للعملية الانتخابية. وهكذا يتوقع أن يدرس مجلس النواب مشروع القانون الذي أعدته الحكومة ويقره وإن كان من المتوقع أن يصار الى بعض "المزايدات" من النواب خصوصاً في هذه الايام حيث الاستحقاق النيابي على الأبواب، ويهم بعض النواب أن يزايدوا على زملائهم في كل المواضيع، فكيف اذا كان الأمر يتعلق بمطلب شعبي مثل الانتخابات البلدية والاختيارية؟.


 من الواضح أن وزارة الداخلية تتعامل مع الاستحقاق النيابي كأولوية وتنشغل دوائرها المعنية في اتمام التحضيرات الادارية واللوجستية المطلوبة له. وعندما يسأل وزير الداخلية عن سبب التأجيل سنة يجيب أن ثمة صعوبة في الجمع بين الاستحقاقين النيابي والبلدي لما يفرضه ذلك من حاجة لعدد اكبر من الكتاب وصناديق الاقتراع والقضاة، فضلاً عن صعوبة استيعاب بعض اقلام الاقتراع لثلاثة صناديق، واحد نيابي، وثان بلدي وثالث اختياري، مع عدد مندوبين اكبر، فضلاً عن ان مرحلة ما بعد انتهاء الاقتراع هي الاصعب في خلال فرز الاصوات نظراً لاختلاف القانون الانتخابي البلدي باعتماده النظام الاكثري من قانون الانتخاب النيابي الذي يعتمد النسبية مع الصوت التفضيلي. ويلتقي مع الوزير مولوي العديد من السياسيين والنواب الذين يفضلون فصل الاستحقاقين عن بعضهما البعض لاسباب عدة ابرزها الاتي:

اولاً: عدم قدرة السياسيين على متابعة القاعدة الشعبية في الاستحقاقين معاً علماً ان ظروف الاستحقاق النيابي ومعطياته تختلف عن ظروف الاستحقاق البلدي وملابساته، وبالتالي فإن ثمة جهات سياسية تحرص عادة على جعل البلديات "تابعة" لها كي تتمكن من تقديم الخدمات في البلدات والقرى حفاظاً على النفوذ ومنعاً للخروقات من الخصوم او المرشحين الخاسرين.

ثانياً: الاوضاع المالية لا تسمح بأن تنفق المرجعيات السياسية على استحقاقين شعبيين في وقت واحد، خصوصاً ان ماكينات السياسيين تكون قد ارهقت في الانتخابات النيابية ويصعب عليها بالتالي خوض استحقاق شعبي اضافي في فترة زمنية قصيرة.

ثالثاً: اجراء الانتخابات البلدية بعد الانتخابات النيابية بفترة زمنية معقولة تفسح في المجال امام معرفة الاتجاهات الشعبية من خلال الخيارات التي تكون قد ظهرت في الاقتراع النيابي، وبالتالي يمكن تصحيح المسار واعتماد استراتيجيات اخرى في مقاربة الاستحقاق البلدي تأخذ في الاعتبار ما حصل في الاستحقاق النيابي كي لا تتكرر المفاجآت التي يمكن ان تكون حصلت في الانتخابات النيابية.

رابعاً: رغبة بعض السياسيين الذين ترشحوا الى الانتخابات النيابية وخسروا في خوض الانتخابات البلدية على اساس انها قد تكون المدخل في الانتخابات النيابية المقبلة العام 2026 لتحضير الارض كي تتحسن حظوظهم، بدليل ان رؤساء بلديات عدة ترشحوا سابقاً الى الانتخابات النيابية بعد استقالتهم من رئاسة بلديات في مناطقهم وفازوا، اي ان العمل البلدي كان المدخل الطبيعي الى العمل النيابي.


ضد التأجيل... واعتراض رؤساء البلديات


في المقابل، ثمة من يرى ان حجج الوزير مولوي غير مقنعة بالمطلق وإن كان بعض ما اورده حول الظروف المالية والاقتصادية التي تعيشها البلاد له ما يبرر التأجيل. ومن بين القائلين بامكانية اجراء الاستحقاقين النيابي والبلدي معاً، وزير الداخلية السابق زياد بارود الذي يؤيد دمج الاستحقاقين لأن ذلك يوفر على الدولة اعباء مالية، خصوصاً ان الانتخابات البلدية والاختيارية تجري على مدى اربعة ايام، في حين ان النيابية تجرى في يوم واحد وليس صعباً اضافة صندوقي اقتراع، واحد للمجالس البلدية وآخر للاختيارية الى جانب الصندوق المخصص للانتخابات النيابية، كما ان التأجيل بحجة التمديد التقني لا ينطبق على ما هو مطروح، اذ ان اي تمديد تقني لا يجوز ان يزيد عن شهرين او ثلاثة. ويرى آخرون ان الحكومة ومعها مرجعيات نيابية وسياسية وازنة، تتفادى اجراء الانتخابات النيابية والبلدية سوياً لأن للاخيرة طابعها العائلي التقليدي والاحزاب ليست في وارد وراثة مشاكلها وتأثيراتها في ظل انشغالها بالاستحقاق النيابي، ما يعزز اعتبار الصعوبة اللوجستية ذريعة اكثر منها واقعاً. وبالقدر نفسه الذي تريد فيه السلطة هذا التأجيل فإنه يشكّل بالنسبة إلى المجالس البلدية ضغطاً كبيراً، كما للمحافظ والقائمقام الذي يدير أعمال بلدية منحلّة في نطاقه. فالتمديد يرتب إشكاليات إدارية في البلديات التي تضع مشاريعها لسنوات ست. ويستبعد عدد من رؤساء البلديات إمكانية وضعها لمشاريع لمدة عام، واصفين ما يجري بـ «تمديد اللاعمل، أو تمديد العمل الأساسي وضمن الإمكانيات التي تسمح بها الفترة الزمنية لكون المجالس البلدية تعمل وفق خطط سنوية قصيرة وطويلة المدى». وتحت وطأة الأوضاع الاقتصادية الضاغطة يبرز ضعف الإمكانيات، ومعه لن تستطيع البلديات رسم استراتيجية عمل لعام ستليه انتخابات. والضعف سيطاول البلديات معنوياً أيضاً، من مجلس منتخب إلى مجلس ممدّد له ذلك ان قراراته تحت هذه الصفة يضعف وقعها وتأثيرها على الناس. إلى ذلك، لا تحترم السلطة بقرارها التمديد رغبة رؤساء البلديات، فمنهم من اكتفى بتجربة السنوات الست وهو مضطر اليوم لأداء الخدمة العامة خلافاً لظروفه وتقييمه للتجربة. تحد إضافي يبرز في المجالس البلدية القائمة ولايتها على المداورة (3 سنوات مقابل 3 سنوات) بين عائلتين أو حزبين، من سيتولى أعمال البلدية في السنة الإضافية.

 وهذا يعني حصول خلافات داخل البلدات والقرى والعائلات التي تكون قد اتفقت على تقاسم رئاسة البلدية ما يعطي للرئيس الحالي 4 سنوات في موقع الرئاسة، فيما الرئيس الذي سبقه تولى الرئاسة ثلاث سنوات!.

تجدر الاشارة الى ان 30% من المجالس البلدية في لبنان تعاني من الشواغر، و10% منحلّة، وهو واقع لم يمنع السلطة من تخطي إجراء الانتخابات البلدية الفرعية، فبقيت تلك البلديات في عهدة المحافظ أو القائمقام الواقعة ضمن نطاق عمله، وفي بعض المناطق يدير أعمال أكثر من بلدية في آن واحد، ما أدى إلى تراجع العمل البلدي والإنمائي وحفظ النظام في عدد كبير من البلدات، حيث لا قدرة للمحافظ على المتابعة اليومية وسط ما هو موكل إليه بالأصل من واجبات. ويمكن تخيّل كيف ستكون الحال إذا ما ازداد عدد البلديات المستقيلة، اعتراضاً على التمديد أو لفقدان التمويل أو لأي سبب آخر، وربما يكون تأجيل اضافي لسنة ثانية!.


وزير الداخلية بسام مولوي.

وزير الداخلية بسام مولوي.

مشهد من الانتخابات البلدية في بيروت في العام 2016.

مشهد من الانتخابات البلدية في بيروت في العام 2016.