تفاصيل الخبر

النظام السوري يعود إلى التاريخ والجغرافيا

بقلم علي الحسيني

 في كلّ مرّة تبدأ فيها التحضيرات للانتخابات النيابية يبدأ النظام السوري باستعداداته وتجهيز جماعاته في لبنان لخوض غمار هذه الانتخابات، وذلك سعياً وراء حجز مقاعد نيابيّة تحت اسم "حزب البعث العربي الاشتراكي" في لبنان وذلك لكي يكون له رأي في السياسة اللبنانية وتوجهاتها. وكم من مرّة أيضاً نجح النظام السوري بأن يعبر بمجموعة أسماء تنتمي إلى مدرسة "البعث" إلى مجلس الوزراء بحيث كانت لهم مواقف تُعبّر دائماً عن مصلحة سوريا بالدرجة الأولى حتّى ولو كانت على حساب لبنان.


الرئيس السوري بشار الأسد... نكش بالتاريخ والجغرافيا.

الرئيس السوري بشار الأسد... نكش بالتاريخ والجغرافيا.


 في كلّ مرّة تبدأ فيها التحضيرات للانتخابات النيابية يبدأ النظام السوري باستعداداته وتجهيز جماعاته في لبنان لخوض غمار هذه الانتخابات، وذلك سعياً وراء حجز مقاعد نيابيّة تحت اسم "حزب البعث العربي الاشتراكي" في لبنان وذلك لكي يكون له رأي في السياسة اللبنانية وتوجهاتها. وكم من مرّة أيضاً نجح النظام السوري بأن يعبر بمجموعة أسماء تنتمي إلى مدرسة "البعث" إلى مجلس الوزراء بحيث كانت لهم مواقف تُعبّر دائماً عن مصلحة سوريا بالدرجة الأولى حتّى ولو كانت على حساب لبنان.

الأسد يبحث في تاريخ وجغرافيا لبنان

كثيرة هي الشعارات والعناوين التي رفعتها مدرسة حزب "البعث العربي السوري" في زمن الوصاية السوريّة على لبنان التي دلّت على أطماع النظام السوري وسعيه على الدوام إلى جعل لبنان أشبه بمُحافظة للدولة السورية تابعة مثلها مثل أي مُحافظة أخرى. وكانت أبرز شعارات تلك المرحلة هي التي تحدثّت عن تاريخ البلدين وجغرافيتهما "الواحدة" بالإضافة إلى عناوين عدّة من بينها "وحدة المسار والمصير" الأمر الي خلّف هواجس عدّة لدى الشعب اللبناني، خشية تجديد الأطماع السورية التي أعلن فيها المؤتمر السوري في العام  1920 وحدة سوريا والتي تضمّ "لواء" طرابلس وعكّار وإجراء استفتاءات في مناطق لبنانية أخرى.

مع بداية الحرب الروسيّة على أوكرانيا، استعاد اللبنانيون تاريخ أطماع النظام السوري بلبنان ومساعيه لتطبيق مقولة وحدة "المسار والمصير" وذلك عندما ذهب الرئيس السوري بشّار الأسد إلى حد وضع هذه الحرب في خانة "تصحيحٌ للتاريخ وإعادةٌ للتوازن إلى العالم الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفياتي". وكان سبق كلام الأسد، كلام مُشابه للسفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي جاء فيه: "إن لبنان أحوج إلى سوريا في تنسيق الأمور الأمنية والاقتصادية" ثم استتبعه بكلام آخر من وزن "الفضاء اللبناني والسوري واحد وهناك رئة واحدة يتنفس منها البلدان".

هذه مشكلة النظام السوري مع لبنان

لا تستغرب مصادر سياسية بارزة كلام الرئيس السوري عن تاريخ الدول وتلميحه في الوقت نفسه إلى علاقة سوريا بلبنان والأطماع التي يعرفها القاصي والداني بما يتعّلق بجغرافية البلدين خصوصاً أنه قبل اصرار لبنان على تعيين سفراء بين البلدين، كانت وجهة نظر الأسد قائمة على أن العلاقة بين لبنان وسوريا لا تستدعي تعيين سفراء بينهما، وذلك وفقاً للرؤية السورية لطبيعة هذه العلاقة القائمة على التابع والمتبوع.

وتُضيف المصادر نفسها: المُشكلة في العقل السوري أو النظام الحالي في سوريا، أنه لا يُريد الاعتراف بنهائية لبنان كدولة مُستقلة لها قوانينها ودستورها وجيشها ومؤسساتها وهو يُصرّ على نقض مُعاهدة "سايكس بيكو" والتلميح بشكل دائم ومُستمر من قبل مدرسة "البعث" عن الوحدة السورية بما فيها لواء طرابلس وعكار والأقضية الأربعة وإجراء استفتاء في المناطق الأخرى التي ضمت الى جبل لبنان، وذلك وفقاً للمادة الثانية من الدستور السوري عام 1928، وقد ظلّت الأطماع على حالها حتّى في الميثاق الوطني الذي أعلنته الكتلة الوطنية في سوريا عام ١٩٣٦ الداعي إلى "تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية وجمع أراضيها المجزأة في دولة واحدة ذات حكومة واحدة".

ورقة ترسيم الحدود.. كيف يستغلها الأسد؟

بتاريخ 15/10/2008 وافقت الجمهورية العربية السورية على طلب الحكومة اللبنانية بإقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين، إلا أن عملية ترسيم الحدود لم تتم بحجة عدم إمكانية الوصول الى منطقة المزارع لكونها تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي وذلك في وقت كانت تواصل فيه سوريا تأكيدها أنها ستقوم بهذه العملية مع لبنان فور انسحاب الاحتلال الإسرائيلي وبالتالي فقد استمرّت إشكالية الترسيم بين لبنان وسوريا أوّلاً حتّى يومنا هذا. والأبرز أن المسؤولين السوريين، يفردون آراء مُتعددة حول هويّة مزارع شبعا مرّة بقولهم إنها لبنانية، ومرّات يؤكدون أنها سوريّة وبأن إسرائيل احتلتها بالتزامن مع احتلالها للجولان السوري.

ومزيداً من إلقاء الضوء على الأطماع السورية بلبنان وحدوده البحرية والبرية، ففي العام 2014 ‏اعترضت الحكومة السوريّة على طرح لبنان التنقيب عن النفط والغاز، وفي أيار(مايو) 2017، أرسلت الحكومة اللبنانية مذكرة إلى الحكومة السوريّة طالبة التواصل بهدف توحيد النظرة في ما خص الحدود لكن من دون أي جواب سوري. والعام الماضي تفاجأ لبنان تلزيم شركة روسية من قبل الحكومة السورية للتنقيب عن النفط والغاز وفق الترسيم السوري.

في السياق، تعتبر مصادر سياسية بارزة أن الورقة الوحيدة التي ما زال نظام الأسد يتلاعب بها انطلاقاً من لبنان، هي ورقة ترسيم الحدود وتحديداً الشقّ المتعلّق بمزارع شبعا، ففي حين أكد وزير الخارجية السابق فاروق الشرع لبنانية هذه المزارع وذلك في العام 2005، إلّا أن الرئيس بشّار الأسد عاد وأكد أمام مُستشار الرئيس الأميركي السابق "باراك أوباما" للشؤون السوريّة "فريدريك هوف" أن "رأي حزب الله" بلبنانية مزارع شبعا ليس صحيحاً وذلك في ردّه على مطالبة لبنان باسترجاع المزارع. وهذا الأمر يُعيدنا مُجدداً إلى حلقة الأطماع السورية بلبنان والذي نرى جزءاً قليلاً منه من خلال ما يجري بين الحين والآخر مع قرية الطفيل الحدودية والتي تحوّلت هي الأخرى إلى نقطة صالحة للقضم عسكرياً وجغرافيّاً.

لا بد من موقف موحّد

في ظل الانفتاح العربي الذي بدأ منذ عام تقريباً باتجاه سوريا، غمّز حلفاء سوريا في لبنان من بوّابة التطبيع بين البلدين وذلك عبر تأليف لجان خاصّة تبحث ملف النازحين السوريين والعمل على إعادتهم إلى سوريا، وأيضاً تُزيل الهواجس السوريّة لجهة اعتقاد السوريين بأن ثمّة من يُريد دائماً استخدام لبنان كشوكة لزرعها في الخاصرة السورية، لكن في المقابل، خرجت أصوات لبنانية كثيرة، تدعو النظام السوري إلى كفّ يده السياسية عن لبنان بعد نزع يده العسكرية والأمنية عنه، والتعامل مع لبنان من دولة إلى دولة وليس كوصيّ عليه واعتباره عاجزاً عن حكم نفسه، كما يروّج دائماً حلفاء سوريا في لبنان.

من هنا، يُشير مصدر سياسي ينتمي إلى سياسة فريق "14 أذار" أو "السيادي" كما يُحب التعريف عن نفسه، إلى أن لبنان أصبح خارج مُعادلة التطويع الإلزامي بالمعنى الذي يُريده النظام السوري، فلبنان تحوّل بعد خروج نظام الوصاية من لبنان في العام 2005 إلى دولة مُستقلّة بحد ذاتها، يحكمها القانون وفقاً للدستور والمؤسسات ووفقاً للرؤية اللبنانية ومصلحة الشعب اللبناني بالدرجة الأولى، على الرغم من بعض أصوات النشاذ التي تخرج بين الحين والآخر لتُطالب بعودة العلاقات السورية - اللبنانية. 

وتخلص المصادر الى القول: نعم نحن مع استعادة هذه العلاقات بالطرق الصحيحة أي عن طريق المؤسسات، ولكن يبدو أن عودة الرئيس السوري بشار الأسد إلى استخدام لغة التاريخ والجغرافيا مُجدداً، دليل جديد لنا كلبنانيين على أن الذهنية السورية الفوقية، ما زالت هي المُتحكّمة وستكشف عن أنيابها بشكل أكبر، في ما لو سمحت لها الفرصة مُجدداً للتدخل في بلدنا.



 


الانسحاب السوري الكبير من لبنان.

الانسحاب السوري الكبير من لبنان.