تفاصيل الخبر

وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه
وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه
31/03/2021

معاناة وهبة متعددة: خلافات في الداخل وتشكيلات ديبلوماسية مجمدة في الخارج!

 قدر وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه أن يواجه منذ اللحظة الأولى لتعيينه وزيراً في حكومة الرئيس حسان دياب خلفاً للوزير المستقيل ناصيف حتي، أن يواجه الصعوبات الواحدة تلو الأخرى. ذلك أنه يوم تسلمه الوزارة في مقرها التراثي في قصر بسترس، حصل انفجار مرفأ بيروت، فأصيب مقر الوزارة بأضرار جسيمة جعلته غير قابل للإقامة فيه، فبات الوزير وهبه بلا مقر. ولم تمر فترة طويلة، إلا و"اقتحمت" مجموعة من "الثوار" المبنى واحتلته لفترة قبل أن يخرج الجيش أفراد هذه المجموعة و"يحرر" المبنى، وظل الوزير وهبه بلا مكان يمارس فيه صلاحياته الوزارية، الى ان اصيب بــ "كورونا" وحجر نفسه في منزله اياماً عدة حتى استعاد عافيته. بعد ذلك ظل "مشرداً" بين مكتبه السابق في رئاسة الجمهورية حيث كان مستشاراً ديبلوماسياً لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الى ان تأمن له مكتب موقت قرب السرايا الحكومية حيث استطاع اعادة لم شمل العاملين في الوزارة التي عملت في الحد الادنى مع موجات الاقفال المتتالية في ظل التعبئة العامة.....

مؤخراً، يواجه الوزير وهبه مشكلتين اساسيتين في وزارة الخارجية، الاولى ادارية بعد الخلاف الذي نشأ بين الأمين العام للوزارة السفير هاني شميطلي وعدد من السفراء في مديريات الوزارة، لاسيما مدير الشؤون السياسية السفير غدي خوري، ومدير الشؤون الادارية السفير كنج الحجل وصلت الى حد القطيعة بين السفراء و"توج" الخلاف بدعاوى رفعت امام مجلس شورى الدولة، بعد مراجعة مجلس الخدمة المدنية، ولم يتمكن الوزير من مصالحة "زملائه" السابقين لاسيما وانه كان سفيراً في عداد السفراء قبل تقاعده ثم توزيره. ويقر الجميع بأن هذه الخلافات بين السفراء شميطلي وخوري والحجل تسللت الى العاملين في الوزارة، فنشأت "مجموعات" مع هذا السفير او ذاك وتأثرت الانتاجية وظهرت "متاريس" بين الديبلوماسيين والاداريين يعمل الوزير وهبه جاهداً من اجل ازالتها او التخفيف من مضارها، إلا أنه لم يتمكن -حتى وقت قريب على الاقل- من تحقيق اي تقدم يعيد الصفاء الى أروقة الوزارة ومكاتبها لكنه أجاد تدوير الزوار للحد من تداعيات هذه الخلافات من جهة، والحؤول دون تمددها الى السفارات في الخارج وفي بعضها ما يكفيها من مشاكل وصعوبات وخلافات.

المطلعون على مسار ما يجري في وزارة الخارجية يقولون إن إمكانية التوفيق بين الامين العام للوزارة من جهة، والسفيرين خوري والحجل تبدو صعبة اذا لم تكن مستحيلة، فالخلافات فعلت فعلها ولم تترك للصلح "مطرح" خصوصاً بعد رفع الدعاوى القضائية وحصول "تمرد" في اكثر من مناسبة خرج الى العلن بعدما كان خلف اسوار مبنى الوزارة المشلّع نتيجة الانفجار. والمطلعون يقولون ان "الخير لقدام" اي ان الصراع لن يهدأ وستكون له كل يوم اسبابه بعدما حصلت انقسامات داخل الجسم العامل في الادارة المركزية لوزارة الخارجية ازداد حدة مع وجود تباعد جغرافي بين العاملين المنقسمين بين البناية المجاورة لقصر بسترس المهدم في الاشرفية، والموجودين في المقر الموقت للوزارة قرب السرايا الكبير.... الامر الذي انعدم فيه اي تواصل جسدي، وحلت المراسلات الخطية و"الايميلات" مكان التحاور المباشر، وهو ما جعل عمل الوزارة  "متأرجحاً" وغير ثابت.

تشكيلات ديبلوماسية معلقة!

إلا أن المشكلة الثانية والأبرز التي تواجه الوزير وهبه حالياً هي "تجميد" التشكيلات الدبلوماسية مع ارتفاع عدد السفارات اللبنانية في الخارج الشاغرة او تلك التي ستشغر قريباً بعد إحالة عدد من السفراء الى التقاعد او انتهاء المهل القانونية لوجود ديبلوماسيين في الخارج والتي تختلف بين عشر سنوات للسفراء، وسبع سنوات للمستشارين والسكرتاريين، اي بين من هم في الفئة الاولى، واولئك الذين يقبعون في الفئة الثانية. ولأن استحقاق نقل ديبلوماسيين من الادارة المركزية الى البعثات الديبلوماسية في الخارج، وعودة بعض من هم في الخارج الى الداخل، هو امر طبيعي في الحياة الديبلوماسية من خلال اجراء تشكيلات، الا ان الظروف الراهنة في البلاد، ووجود حكومة تصريف اعمال، حالت وتحول دون اي تبدل يمكن ان يحصل في عمل السلك الديبلوماسي اللبناني في الخارج الذي يفترض ان يكون صورة لبنان في دول العالم.

 يتحدث متابعون للعمل الديبلوماسي اللبناني ان ما تعانيه الديبلوماسية اللبنانية ليست مشكلة ظهرت فجأة، بل هي امتداد لسنوات من التفكك بلغت ذروتها اخيراً من خلال ترسيخ البعد الطائفي والولاء السياسي في التعيينات والترقيات بهدف "انتاج" سلك يخدم مصالح الزعماء السياسيين (واحياناً الروحيين ايضاً)، وليس خدمة لبنان ورسم صورة واضحة عن سياسته الخارجية، ناهيك عن تعطل اي قدرة لاعادة الهيكل البشري وتعزيز الحضور الديبلوماسي في العالم عبر اقرار التشكيلات الديبلوماسية. ويضيف المتابعون ان الواقع الراهن في البعثات الديبلوماسية يظهر الوقائع الاتية:


- هناك 11 سفارة لبنانية شاغرة في العالم في الولايات المتحدة الاميركية، البرازيل، ابيدجان، سيراليون، الكويت، قطر، اندونيسيا، باكستان، اليونان، الاردن، الكونغو، وقريباً تنضم اليها سفارة لبنان في دمشق مع احالة السفير سعد زخيا على التقاعد.

- هناك 9 سفراء رامي مرتضى في لندن، سليم بدوره في جنيف، جوانا القزي في بودابست، رنا المقدم في بوخارست، طوني فرنجية في تونس، رلى نور الدين في برن، ميليا جبور في بكين، سامي النمير في مكسيكو، البير سماحة في مسقط، اتموا المدة القصوى للبقاء في الخارج والمحددة بحسب المادة 22 من قانون الوزارة بعشر سنوات، وبالتالي تجب اعادتهم الى الادارة المركزية.

- هناك 8 دبلوماسيين ينتمون الى الفئة الثانية ديما حداد في الخرطوم، سامي حداد في داكار، هادي جابر في صنعاء، مايا داغر في يريفان، ميلاد نمور في المنامة، قبلان فرنجية في بريتوريا، رينا شربل في وارصو، انطوان عزام في سيول ومعينين في مراكز خدمتهم "بلقب سفير" تخطوا المدة القصوى لبقائهم في الخارج وهي سبع سنوات، وايضاً يجب ان يعودوا الى لبنان، وتبقى معضلة السفير ريان سعيد من دون حل منذ عام 2017، بعد ان طلبت الكويت من لبنان عدم ارسال اوراق اعتماده، بسبب انتمائه الطائفي، لا يزال يداوم في بعثة لبنان لدى الامم المتحدة في جنيف، التي يرأسها حالياً السفير سليم بدورة، فسجلت الدولة اللبنانية سابقة تعيين سفيرين في بعثة واحدة.

- في المقابل، ينتظر 12 سفيراً يشغلون مواقع ادارية في وزارة الخارجية والمغتربين، دورهم "القانوني" لتسلم بعثات دبلوماسية في الخارج، بين هؤلاء من لم يسبق له بعد ادارة سفارة، بالاضافة اليهم، يتم في تموز المقبل 17 دبلوماسياً، موزعين بين الفئتين الثانية والثالثة مدة خدمتهم القانونية داخل الادارة المحددة بسنتين، بالتالي يفرض القانون تعيينهم في مراكز خارجية، منذ ايام الوزير ناصيف حتي، "طيرت" محاولات اجراء مناقلات دبلوماسية. قاد الجبهة يومها سفراء "طامعون" بالبقاء خارجاً، لأسباب شخصية، من دون ان يحسبوا تأثير سلوكهم عل مستقبل السلك. وقد رضخ لهم "صناع القرار الذين علقوا التشكيلات حتى اشعار آخر، علماً ان آخر تشكيلات اجريت العام 2019 مع احترام المهل القانونية، مع العلم انها لم تشمل الديبلوماسيين زياد عيتاني في ملبورن وعبد العزيز عيسى في الاسكندرية، فبقيا حيث هما حتى الساعة عوضاً عن العودة الى الادارة.

الحل موجود...

ويقول مطلعون ان الحاجة باتت ملحة لاجراء تشكيلات لاسباب عدة اهمها عدم مخالفة القانون، وتعزيز حضور لبنان في المراكز العالمية الرئيسية، اضافة الى امكانية مساهمة هذه التشكيلات في "تنفيس" الاحتقان المتزايد بين السفراء شميطلي وخوري وحجل وغيرهم. الا ان ثمة من يسعى لترحيل موضوع التشكيلات الى اشعار آخر مستفيدين من استقالة الحكومة وتسارع الانهيار في مقومات الدولة وترشيد الانفاق في الوزارة، وباختصار يقول هؤلاء الساعين ان التشكيلات الديبلوماسية "ليست اولوية" ويعملون عملياً لنسفها والاستمرار بالوضع على ما هو عليه مع الرهان بأن عملية تصريف الاعمال في حكومة الرئيس دياب قد تستمر فترة طويلة.... الا ان ثمة من يرى في المقابل انه لا يجوز التذرع باستقالة الحكومة اذ يمكن ان يكون البديل المراسيم الجوالة او ظاهرة "الموافقة الاستثنائية" خصوصاً في السفارات الحساسة، وحين تتشكل الحكومة ترسل اوراق اعتماد السفراء، علماً ان تعيينات الفئة الثانية تتم بقرار من الوزير، والفئة الثالثة بقرار من الامين العام، وذلك لتفادي فراغ كبير له تأثيره السلبي على علاقات لبنان مع الدول التي شغرت مواقع السفراء فيها، مع مخاوف من اللجوء الى المعاملة بالمثل، لأنه اذا اصبح التمثيل الديبلوماسي اللبناني على مستوى قائم بأعمال في دولة معنية، فإن في استطاعة هذه الدولة ان تعامل لبنان بالمثل وتسحب سفيرها من بيروت وتبقي قائماً بالأعمال....

ويبقى السؤال: الى متى سوف تستمر حالة اللامبالاة في الاهتمام بالسلك الديبلوماسي واجراء التشكيلات المناسبة، ام أن الانحلال الذي أصاب مؤسسات الدولة في الداخل يجب أن يصيب بعثاتها في الخارج.... وما حدا أحسن من حدا"!.