تفاصيل الخبر

الرئيس ميشال عون يستقبل سفير المملكة العربية السعودية وليد البخاري
الرئيس ميشال عون يستقبل سفير المملكة العربية السعودية وليد البخاري
31/03/2021

الأزمــــة الحكومية مفتوحة على عدة احتمالات وحراك السفراء ليس البديل عن اتفاق داخلي

 الفشل الذي تميز به اللقاء الأخير بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري وما رافقه من بيانات ومواقف وردود فعل، كلها عوامل تركت انطباعاً أن القطيعة بين الرجلين واقعة لا محالة، وبالتالي فإن ملف تشكيل الحكومة سوف يجمد حتى إشعار آخر، والآمال التي علقت على ولادة حكومة جديدة تبددت في اقل من 20 دقيقة، وهو الوقت الذي استغرقه الاجتماع بين الرئيسين عون والحريري في قصر بعبدا. ومع انهيار الآمال ازدادت المخاوف من تداعيات امنية واقتصادية ومالية تزيد الأوضاع الحرجة في البلاد وتقود بها الى الانهيار السريع، كما قال وزير خارجية فرنسا جان ايف لودريان قبل أيام.

 هذه المؤشرات الدراماتيكية التي تكررت مع تعثر المحاولات في الداخل لاعادة إحياء السعي لتشكيل الحكومة، ومنها محاولات البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي والرئيس نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، حركت سفراء عرباً وأجانب ولاسيما الرباعي الذي ضم سفير المملكة العربية السعودية وليد البخاري والسفير الكويتي عبد العال القناعي والسفيرة الفرنسية "آن غرييو" والسفيرة الأميركية "دوروثي شيا"، فزاروا كل على حدة، قصر بعبدا "وبيت الوسط" وعقدوا في ما بينهم اجتماعات لتقييم لقاءاتهم من جهة مع المسؤولين، ولدرس الخطوات التي يمكن اعتمادها من جهة ثانية لعدم غرق البلاد في المجهول مع تجميد السعي الى تشكيل الحكومة العتيدة.

 سمع السفراء خلال لقاءاتهم الكثير من الشروحات والتبريرات والايضاحات، خصوصاً في قصر بعبدا الذي زاره سفراء السعودية وفرنسا واميركا للاطلاع من الرئيس عون على موقفه مما جرى ويجري، كما سمعوا من الرئيس الحريري أسباب تمسكه بشروطه وخلفية ما دار بينه وبين رئيس الجمهورية في آخر اجتماع عقداه في بعبدا وبدا واضحاً التناقض في المواقف بين الرجلين، الأمر الذي جعل مهمة السفراء في الوصول الى الحقيقة، صعبة جداً، خصوصاً بعدما رافق بعض الزيارات ولاسيما زيارة السفير السعودي الى بعبدا من تسريبات إعلامية عقدت الأمور بدلاً من ان تسهلها. 

 حيال هذا التناقض كان لا بد للسفراء من اللقاء لتقييم حصيلة لقاءاتهم لكنهم لم يتوصلوا الى معطيات تجعل في مقدورهم إصدار بيان يعكس وجهة نظرهم من جهة، ويهيىء لمبادرة ما من جهة أخرى، وبدا واضحاً ان الحركة الواسعة التي قاموا بها لم تفضِ الا الى تأكيد المؤكد لجهة استقصاء الحلول وعدم توصل الافرقاء اللبنانيين الى مخارج لأزمتهم.

ماذا دار بين السفراء؟

 وتقول مصادر  ديبلوماسية إنه خلال لقاء السفراء الأربعة طرحت السفيرة "غرييو" اقتراحاً يقضي بأن يتولوا مناقشة موقف موحد يتفق عليه، وينبثق منهم، يوجه الى حكوماتهم كي تتبناه. رحبت "شيا" وقناعي به، وتحفظ عنه البخاري مسجلاً ملاحظة مفادها انه يشاطرهم تشخيصهم المشكلة اللبنانية والحاجة الى حكومة في اسرع وقت تخرج البلاد من مأزقها، وتباشر إصلاحات بنيوية فوراً، بيد انه لا يوافقهم الرأي على اتخاذ موقف موحد خشية تحوله الى مبادرة في ذاتها ملزمة لدولته، في وقت لا تبدو فيه الرياض مستعدة للانضمام الى أي مبادرة حيال لبنان في الوقت الحاضر، ولا يعدو اهتمامها بالشأن اللبناني سوى إسداء النصح وتأكيد المواقف المعلنة سابقاً. افضى ذلك الى خروج اجتماع السفراء بلا نتائج ملموسة سوى اسهابهم في المناقشة، واتفاقهم على الادلاء بمواقف منسجمة في ما بينهم حيال القواسم المشتركة التي يقاربون بها الوضع اللبناني.

 وتضيف المصادر الديبلوماسية انه نظر الى اجتماع السفراء الأربعة على انه اقرب الى مرجعية رباعية محدثة، معنية بالشأن اللبناني في محطته الحالية، الموشكة على الانهيار الشامل، لم تعد الفروق في ما بينهم، في مقاربة ما يجري، ذات مغزى بعدما تقاربت وجهات نظرهم الى حد بعيد، يلتقي السعوديون والاميركون على ضرورة تأليف حكومة لا وجود فيها مباشراً او غير مباشر  لحزب الله، بينما  يجري الفرنسيون مراجعة جدية لتعويلهم على الحزب مذ لمسوا انه لم يترجم تعاونه مع المبادرة الفرنسية تبعاً لما وعد به، على نحو يزيل من طريقها العراقيل، مع ذلك، لم تصل المراجعة الفرنسية الى حد التطابق مع الموقفين السعودي والأميركي، وهذان بدورهما غير متطابقين، تميز ما بينهما فروق ضئيلة مرتبطة بالتشدد حيال وجود حزب الله في الحكومة الجديدة. لم يصل تذمر الفرنسيين من الحزب الى حد استبعاده تماماً عن أي دور في الحكومة الجديدة، من غير ان يتمثل بها مباشرة او غير مباشرة ما دامت ستكون من مستقلين، الا ان دعمه إياها عامل مهم لمدها بفاعلية العمل والقرارات.

 وتوقفت المصادر عند انتهاء اجتماع البخاري و"شيا" برئيس الجمهورية بتلاوتهما بياناً مكتوباً أعد سلفاً، وحاز موافقة وزارتي خارجية البلدين، كي توجه الرسالة وتقرأ بوضوح وسهولة، كلاهما أبرز عدم وجود أي استعداد للرياض وواشنطن للتدخل في الشأن اللبناني، بل الاكتفاء بممارسة ضغوط عبر تكرار المواقف المعلنة من المواصفات التي يطلبانها في الحكومة الجديدة. يتلاقى ذلك مع معلومات واردة من واشنطن، تتحدث عن اجتماع عقد الأسبوع الماضي لخلية لبنان في وزارة الخارجية الأميركية، هو الأول من نوعه في ظل إدارة الرئيس جو بايدن، تم خلاله درس الموقف الواجب اتخاذه من الوضع اللبناني، علماً ان هذه الخلية تحتاج الى شهر على الأقل كي يتبلور أي تصور لها، لذلك طلب من السفيرة "شيا" ان تتابع من بيروت الملف وتزود الإدارة الأميركية بالمعطيات التي يمكن ان تتوافر لها. وثمة من تحدث عن ان الرياض وواشنطن لن تحددا موقفاً من الحكومة الجديدة الا بعد تأليفها لمعرفة ما اذا كان الفريق اللبناني المعني بالتأليف قد التزم المبادرة الفرنسية التي تعلن الرياض وواشنطن التزامهما بها ، إضافة الى الشرط المشترك وهو عدم وجود ممثلين لحزب الله فيها، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال إشارة السفير السعودي في بيانه الذي ادلى به من قصر بعبدا الى القرارين 1559 و1701، المعني بهما حزب الله مباشرة، فضلاً عما قيل عن ان وجهتي نظر رئيس الجمهورية والسفير السعودي كانتا على طرفي نقيض. في المقابل كان الموقف الفرنسي اكثر ليونة وإن بدا اكثر حدة في تحميل المسؤولين والقيادات السياسية مسؤولية تفشيل عملية تشكيل الحكومة وصولاً الى حد التشهير بسمعتهم وفسادهم والتلويح بعقوبات مباشرة عليهم.

تعديل المبادرة الفرنسية!

 وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة إنه لم يبق من المبادرة الفرنسية التي اطلقها الرئيس ايمانويل ماكرون من قصر الصنوبر في الأول من آب (أغسطس) 2020 سوى عنوانين هما حكومة جديدة والولوج الى الإصلاحات، ما أوحى بأن تبدلاً ما حصل في مسار التأليف، بدليل ان الصيغة التي اقترحها الحريري وسلمها الى الرئيس عون تضمنت أسماء سمتها كتل وأحزاب سنية وشيعية ودرزية ما يخفف من وهج صفة "الاختصاصيين" على الوزراء المقترحين، وجعلتهم اقرب الى مواصفات وزراء حكومة الرئيس حسان دياب التي لا يرى الفرنسيون انهم نجحوا في مهمتهم، او عملوا بتناغم في ما بينهم للخروج من المحنة التي تمر بها البلاد.

 وتضيف المصادر المتابعة ان البيان الذي ادلى به السفير السعودي في قصر بعبدا كان نسخة متطابقة عما كان قد صرح به بعد مقابلته البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في 19 شباط (فبراير) الماضي بتأكيده ضرورة تطبيق اتفاق الطائف المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. وهي إشارة إضافية الى عدم الرغبة في التدخل في الشأن اللبناني، كما في تأليف الحكومة، سواء ترأسها الحريري او سواه، لذا لم ير البعض زيارة البخاري لرئيس الجمهورية على انها رسالة سلبية الى الرئيس المكلف، رغم انقطاع التواصل المباشر بينهما واستثنائه من الزيارات السياسية التي يقوم بها السفير. ما سمعه منه الراعي في ذلك الاجتماع، أن المملكة جاهزة لكل مساعدة فور تأكدها من ان الحكومة الجديدة- عندما تتألف- يمكن الركون اليها والثقة بمواصفاتها، مختلفة تماماً عن كل الحكومات التي سبقتها. وفي رأي هذه المصادر ان بيان السفير بخاري ارسل إشارات مشفرة الى الذين يدعون الى عقد اجتماعي جديد او مؤتمر تأسيسي، لاسيما "التيار الوطني الحر" وحليفه حزب الله، من هنا بدا كلام البخاري واضحاً في ما يتعلق باتفاق الطائف وصولاً الى تناوله القرارات الدولية وضرورة تطبيقها والالتزام بها من دون الدخول في الزواريب اللبنانية الضيقة ولاسيما الخلافات حول تشكيل الحكومة. وفي هذا السياق قالت مصادر ديبلوماسية سعودية ان زيارة البخاري الى بعبدا التي أتت بدعوة من الرئيس عون، أظهرت ان الرياض تتعاطى مع المؤسسات الرسمية أيضاً إضافة الى تعاطيها مع السياسيين، ومن الطبيعي ان يلتقي السفير السعودي بروتوكولياً مع رئيس الدولة عندما يدعوه الى زيارته على الا تفسر هذه الزيارة غير تفسيرات خصوصاً ان البيان الذي تلاه كان مكتوباً وواضحاً لأن الوضع في لبنان حساس ودقيق سياسياً ومذهبياً وطائفياً وبالتالي فإن اي كلمة تصدر عن السفير يجب ان تكون مدروسة بعناية ودقة، وتركز على ثوابت المملكة ومسلماتها تجاه الوضع الراهن في لبنان مع عنوان كبير خلاصته ان المملكة لن تتخلى عن لبنان بالتزامن مع وقوفها على مسافة واحدة من كل الأطراف والطوائف والمذاهب من دون تفرقة بين أي مكون روحي وآخر وصولاً الى عدم التدخل في الشأن اللبناني الداخلي.

اتفاق الداخل هو الأساس

 في أي حال، فإن حركة السفراء تبدو اكثر من اهتمام وحرص ومتابعة، واقل من مبادرة لحل الازمة الحكومية التي تبقى مسؤولية لبنانية وهو ما ادركه البطريرك الماروني الذي جدد مساعيه مدعوماً من السفراء ومن غيرهم، وكذلك الرئيس نبيه بري الذي حرك مبادرة جديدة يأمل ان تلقى صدى إيجابياً تقوم على رفع عدد الوزراء الى 24 وزيراً بمعدل 8 وزراء لكل مجموعة سياسية، أي تلات 8 بدلاً من تلات 6 كانت في صيغة الــ 18 وزيراً، مع عدم حصول أي مجموعة على الثلث المعطل. لكن تبقى العقدة في توزيع الوزارات على الطوائف والأحزاب وحصة رئيس الجمهورية الذي لم يتمسك بالثلث المعطل، وإن كان يتمسك بوزارة الداخلية التي يريد الحريري ان تكون من حصته او على الأقل ان يتفق مع رئيس الجمهورية على اسم شاغلها، في مقابل ان يتفق الرئيسان عون والحريري على الاسم الذي سوف يشغل وزارة العدل التي يريد الحريري ان تكون من ضمن حصته.  المتابعون يقولون إن مسيرة التشكيل عادت الى نقطة البداية وإن الأمر قد يستغرق وقتاً إضافياً اذا ما تقرر بلورة صيغة حكومية جديدة ستكون مقرونة هذه المرة بالتزامات مسبقة يعلنها الحريري لجهة المضي في الإصلاحات والتدقيق الجنائي ومكافحة الفساد ومحاسبة المرتكبين والفاسدين من خلال ملفات واقعية لا كيدية فيها. وهذا الأمر ليس بالسهل في ظل اتهامات فريق رئيس الجمهورية لفريق الرئيس الحريري برغبته في طي صفحة التدقيق الجنائي وفرملة عملية محاسبة الفاسدين!.