تفاصيل الخبر

بت اقتراح قانون استقلالية السلطة القضائية رحلّه النواب الى المجلس الجديد... فهل يبصر النور يوماً؟

 مرة جديدة تثبت الأحداث أن الشعارات التي يطلقها المسؤولون وأهل السياسة شيء، والواقع شيء آخر. ومرة جديدة تتأكد الانطباعات بأن التركيبة السياسية الحالية ليست في وارد الإقدام على اي خطوة اصلاحية على رغم الوعود المعطاة للمجتمع الدولي بانجاز الاصلاحات الكفيلة بمد يد العون الدولية الى لبنان لاخراجه من محنته. ما حصل في الجلسة الاخيرة لمجلس النواب مع اقتراح قانون استقلالية القضاء يؤكد هذه المعطيات لا بل يجعلها حقيقة ثابتة لأنه في الاساس لم يكن احد يثق بأن المجلس سوف يقر قانون القضاء المستقل وينزع عن السلطة التنفيذية "الرقابة" الداعمة على الجسم القضائي، او يحجب عن النواب القدرة على التدخل مع القضاة سعياً وراء خدمة ما لأحد المناصرين، او تسهيلاً لاصدار حكم او عدم إصداره. وهكذا انقضت الجلسة بتأجيل درس اقتراح القانون والحجة المعلنة هذه المرة، أن وزير العدل القاضي هنري خوري لم يتسن له دارسة الاقتراح الذي وصله قبل ثلاثة ايام من موعد انعقاد الجلسة، كما لم يتمكن مجلس القضاء الاعلى من إبداء ملاحظاته على التعديلات التي ادخلت على الصيغة التي كان سبق ان عرضت على مجلس القضاء في وقت سابق، صحيح ان المجلس اعطى مهلة شهر لاعادة طرح القانون على الهيئة العامة بعد الاطلاع على ملاحظات وزير العدل هنري خوري، ومجلس القضاء الاعلى، لكن الصحيح ايضاً انه بعد شهر، اي في نهاية شهر آذار (مارس) الجاري تكون البلاد قد دخلت في مناخ الانتخابات النيابية ولن يكون من السهل جمع المجلس من جهة، او التشريع في اجواء هادئة من جهة اخرى، فضلاً عن أن عدداً من النواب الحاليين لن ترشحهم كتلتهم من جديد، او هم سيستنكفون عن الترشح، لن يعودوا مهتمين بما يمكن أن يحققه المجلس من "انجازات" في حقل التشريع ام لأنهم سوف يغادرون ساحة النجمة الى غير رجعة!.


مجلس النواب في جلسته الأخيرة.

مجلس النواب في جلسته الأخيرة.


 مرة جديدة تثبت الأحداث أن الشعارات التي يطلقها المسؤولون وأهل السياسة شيء، والواقع شيء آخر. ومرة جديدة تتأكد الانطباعات بأن التركيبة السياسية الحالية ليست في وارد الإقدام على اي خطوة اصلاحية على رغم الوعود المعطاة للمجتمع الدولي بانجاز الاصلاحات الكفيلة بمد يد العون الدولية الى لبنان لاخراجه من محنته. ما حصل في الجلسة الاخيرة لمجلس النواب مع اقتراح قانون استقلالية القضاء يؤكد هذه المعطيات لا بل يجعلها حقيقة ثابتة لأنه في الاساس لم يكن احد يثق بأن المجلس سوف يقر قانون القضاء المستقل وينزع عن السلطة التنفيذية "الرقابة" الداعمة على الجسم القضائي، او يحجب عن النواب القدرة على التدخل مع القضاة سعياً وراء خدمة ما لأحد المناصرين، او تسهيلاً لاصدار حكم او عدم إصداره. وهكذا انقضت الجلسة بتأجيل درس اقتراح القانون والحجة المعلنة هذه المرة، أن وزير العدل القاضي هنري خوري لم يتسن له دارسة الاقتراح الذي وصله قبل ثلاثة ايام من موعد انعقاد الجلسة، كما لم يتمكن مجلس القضاء الاعلى من إبداء ملاحظاته على التعديلات التي ادخلت على الصيغة التي كان سبق ان عرضت على مجلس القضاء في وقت سابق، صحيح ان المجلس اعطى مهلة شهر لاعادة طرح القانون على الهيئة العامة بعد الاطلاع على ملاحظات وزير العدل هنري خوري، ومجلس القضاء الاعلى، لكن الصحيح ايضاً انه بعد شهر، اي في نهاية شهر آذار (مارس) الجاري تكون البلاد قد دخلت في مناخ الانتخابات النيابية ولن يكون من السهل جمع المجلس من جهة، او التشريع في اجواء هادئة من جهة اخرى، فضلاً عن أن عدداً من النواب الحاليين لن ترشحهم كتلتهم من جديد، او هم سيستنكفون عن الترشح، لن يعودوا مهتمين بما يمكن أن يحققه المجلس من "انجازات" في حقل التشريع ام لأنهم سوف يغادرون ساحة النجمة الى غير رجعة!.

لذلك، ترى مصادر معنية بالملف أن مشروع قانون استقلالية السلطة القضائية سيعود الى اللجان من جديد، حيث تنام عادة مشاريع واقتراحات القوانين نومة اهل الكهف ما يدل مرة جديدة ان لا احد من السياسيين يبدي فعلياً حماسة لاقرار هذا القانون وبالتالي تمكين القضاة من العمل بحرية بعيداً عن "هيمنة" السلطة السياسية، ولعل الامثلة على مثل هذه الهيمنة كثيرة ليس آخرها ما يجري اليوم من خلال ما يحصل من تحقيقات في جريمة تفجير المرفأ حيث يريد طرف سياسي "قبع" المحقق القاضي طارق البيطار، ويعمل طرف آخر على تكرار رفع دعاوى الرد حينا ودعاوى المخاصمة احياناً لابقاء يد القاضي البيطار مشلولة وغير قادرة على ممارسة تحقيقاتها بسبب هذه الدعاوى، وما فعله النائبان غازي زعيتر وعلي حسن خليل بحق القاضي ناجي عيد دليل آخر، فضلاً عن أدلة كثيرة حيث بدا القضاة في حالة عجز عن المضي في التحقيق او إصدار الاحكام في جرائم الاغتيال التي "كرت" بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الى جرائم التفجيرات وغيرها من الملفات التي لا تزال مكدسة في اقلام المحاكم تنتظر من يرفع عنها الغبار... هذا اذا وجدها في مكانها. ولعل من الصعوبة بمكان الجزم امكانية اعادة الحياة الى مشروع قانون استقلالية السلطة القضائية في المجلس الحالي على الاقل، الامر الذي يعطي انطباعاً يقارب من اليقين بأن لا قانون للسلطة القضائية في عهد المجلس الحالي، وبالتالي الى اللقاء مع المجلس الجديد الذي يفترض ان ينبثق من انتخابات ايار (مايو) 2022.

وفي رأي مراجع متابعة ان ثمة من سيرفع الصوت داعيا الى اعادة درس مشروع القانون في المجلس الحالي وعدم انتظار المجلس الجديد، الا ان  هذه الاصوات لن تكون الا من خلال المزايدات السياسية التي تكثر في المواسم الانتخابية لدغدغة عقول الناخبين وذر الرماد في العيون من خلال الايحاء بأن النواب الحاليين المرشحين من جديد لملء المقاعد النيابية، يبدون حرصاً شديداً على استقلالية القضاء، فأين كان هذا الحرص طوال اربع سنوات من ولايتهم المنتهية في أيار (مايو) المقبل ولماذا لم يظهروه كما يفعلون اليوم؟ لذلك ترى هذه المراجع أن إصلاح السلطة القضائية او تعديل قانونها، هما من الانجازات التي تتطلب توافر عقلية غير تلك التي تتحكم في البلاد راهناً، علماً ان امكانية زوالها وحلول عقلية اكثر استعداداً لقبول إجراء الاصلاحات ليست مضمونة في ظل التجاذبات القائمة من جهة، وعودة الجهات نفسها الى مجلس النواب وان بوجوه جديدة اذ سرعان ما يطغي النواب القدامى على النواب الجدد ويصبحون معاً في مركب واحد، وهذا ما حصل بالفعل في مرحلة ما بعد انتخابات 2018... ولعل ردود الفعل التي صدرت عن "نادي قضاة لبنان" يرفض اقتراح القانون المقترح، ما يدل على انه حتى التعديلات المقترحة لم تكن كافية لادخال الاصلاحات المطلوبة، اذ قال "نادي قضاة لبنان" ان الاقتراح لم يحرر القضاء من السلطة السياسية لانه "لا يحقق استقلالية تامة للسلطة القضائية سواء لجهة منح القضاة حق التجمع او تمكينهم من انتخاب كامل اعضاء مجلس القضاء الاعلى من خلال آلية اقتراع منصفة وعادلة، وعدم اعطاء مجلس القضاء الاعلى حق اصدار التشكيلات القضائية وفقاً لمعايير موضوعية من دون الحاجة الى مرسوم".

أبرز ما في اقتراح القانون

لكن السؤال ماذا في اقتراح قانون استقلالية القضاء حتى تم تعليق البحث فيه ولم يصوت عليه مجلس النواب كما كان مفروضاً وإن لم يكن متوقعاً؟

لحظ اقتراح قانون استقلالية القضاء على صعيد رأس الهرم في هذه السلطة انتخاب القضاة سبعة أعضاء من مجلس القضاء المؤلف من عشرة قضاة، فرفع بذلك عدد القضاة، المنتخبين من جميع القضاة وليس من قضاة محكمة التمييز فحسب، فيما القانون الساري يلحظ انتخاب قاضيين من أعضاء المجلس فحسب. وأبقى الاقتراح مدة ولاية في العضوية على حالها وهي ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، كما وتعيين الأعضاء الحكميين الثلاثة في المجلس من السلطة التنفيذية، وهم رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام التمييزي ورئيس هيئة التفتيش القضائي بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل، على ان تكون الأسماء المقترحة من الدرجة 16 وما فوق، بعدما حدد ولاية الأركان الثلاثة بأربع سنوات غير قابلة للتجديد بخلاف القانون الحالي الذي يجعل مدة ولاية رئيس المجلس والنائب العام التمييزي غير محددة ويترك لرئيس التفتيش القضائي نقله من مركزه بناء على طلبه. وفي الوقت نفسه أفسح الاقتراح إشراك المجلس في تعيين الخلف باقتراح البديل من الأركان الثلاثة قبل شهرين على الأقل من انتهاء ولايتهم، ورفع اقتراحه إلى مجلس الوزراء بواسطة وزير العدل الذي أجاز له الاقتراح بدوره اقتراح أسماء أخرى للثلاثة، إضافة الى تلك المقترحة من مجلس القضاء، شرط موافقة الأخير عليها.

وعلى هامش التعديلات التي شملها الاقتراح لحظ حق رؤساء الغرف لدى محكمة التمييز، سواء أصيلين أو منتدبين، في العضوية في الهيئة العامة لمحكمة التمييز والمشاركة في جميع أعمالها بموجب قرار من مجلس القضاء بالنسبة الى رؤساء الغرف المنتدبين، بعدما لحظ المشرّع نقصاً في التشريع لهذه الجهة من خلال ما واجهته في ملف انفجار المرفأ. فالهيئة العامة لمحكمة التمييز أوقفت حالياً النظر في الملفات المطروحة أمامها بما فيها ملفّا مداعاة الدولة على عمل قضاتها المقدمة من الوزير السابق يوسف فنيانوس والنائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر، وذلك لافتقارها الى النصاب القانوني لتشكيل الهيئة بسبب عدم وجود رؤساء غرف أصيلين في هذه المحكمة، فيما لا يسمح القانون الحالي بمشاركة رؤساء الغرف المنتدبين في أعمالها، ما استدعى توقف التحقيق في ملف المرفأ وسائر الملفات المطروحة أمامها.

وفي مجال التشكيلات القضائية، استمر الاقتراح في ربط صدورها بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل، كما هي عليه الحال الآن، إلا أنه اشترط مهلة شهر لصدور المرسوم وإلا تصبح نافذة. وحصر مشروع التشكيلات بين مجلس القضاء ووزير العدل، وفي حال اختلاف وجهات النظر بين الطرفين يبتّه مجلس القضاء على أن يتخذ قراره بأكثرية سبعة أعضاء ليكون نهائياً وملزماً لوزير العدل. وأخيراً لجهة حرية القاضي في التعبير والتجمع وتأسيس جمعيات، أباح الاقتراح حق تأسيس جمعيات مهنية وجمعيات مهنية قضائية والالتحاق بها والانتساب إلى جمعيات أخرى مؤسسة بصورة قانونية، تسعى إلى تحقيق أهداف مشروعة، على ألّا تتعارض مع صلاحيات مجلس القضاء أو مع مدوّنة أخلاقيات القضاة أو مع مبدأ استقلالية القضاء، محظراً على القضاة ممارسة العمل السياسي والمشاركة بأي شكل من الأشكال في أي تجمّع أو جمعية تتعارض أهدافها ومبادىء حقوق الإنسان والعدالة والمساواة. وفي الحصيلة عاد هذا الاقتراح إلى دائرة الانتظار من جديد للفراغ من البحث في مضمونه مع المجلس النيابي الجديد.


رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود والأعضاء عند الرئيس ميشال عون .

رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود والأعضاء عند الرئيس ميشال عون .

وزير العدل هنري خوري.

وزير العدل هنري خوري.