تفاصيل الخبر

شكوك ترافق الضغوط الدولية لإجراء الانتخابات النيابية تزداد مع انكفاء المرجعيات السنية عن المشاركة فيها

 كثيرة هي التأكيدات، من الداخل والخارج، بأن الانتخابات النيابية ستجري في موعدهـا في 15 أيار (مايو) المقبل احتراماً للاستحقاق الدستوري الذي يقول الجميع أن لا بد من إتمامه من دون أي تبديل لانتاج واقع سياسي جديد في البلاد... لكن في المقابل ثمة من يطرح علامات استفهام تضع مسار الانتخابات النيابية في مدار الشك لجهة حصولها في موعدها وتعطي أمثلة على ذلك "برودة" المرشحين في تقديم ترشيحاتهم من جهة، وعدم أخذ الكثيرين بجدية كلام المسؤولين عن "حتمية" إجراء الانتخابات وكان آخرهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، وقبله رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وبينهما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي حاول من خلال انتزاع موافقة مجلس الوزراء على تخصيص ما يوازي 15 مليون دولار اميركي لتمويل العملية الانتخابية، القول أن لا رجوع عن موعد 15 أيار (مايو) المقبل، وعلى جميع المعنيين قيادات ومرشحين التصرف على هذا الأساس. ذلك أن الرئيس ميقاتي ذهب الى ميونخ لترؤس الوفد اللبناني الى مؤتمر الأمن الذي يعقد سنويا بــ "زوادة" فيها كل القرارات التي اتخذتها حكومته في ما خص إجراء الانتخابات، و"طمأن" الذين التقاهم من رؤساء الوفود المشاركين في مؤتمر ميونخ أنه وفى بوعده امام المجتمع الدولي قبيل تشكيل حكومته بأنه سيجري الانتخابات في موعدها على اعتبارها أحد العوامل الأساسية لحماسة المجتمع الدولي في تعاطيه مع لبنان وفي مد يد المساعدة اليه، الى جانب "خزنة" صندوق النقد الدولي التي لا تفتح قبل إنجاز الاستحقاق الانتخابي، كما بات معروفاً...


الرئيس سعد الحريري أمام قبر والده في جامع محمد الأمين.

الرئيس سعد الحريري أمام قبر والده في جامع محمد الأمين.


 كثيرة هي التأكيدات، من الداخل والخارج، بأن الانتخابات النيابية ستجري في موعدهـا في 15 أيار (مايو) المقبل احتراماً للاستحقاق الدستوري الذي يقول الجميع أن لا بد من إتمامه من دون أي تبديل لانتاج واقع سياسي جديد في البلاد... لكن في المقابل ثمة من يطرح علامات استفهام تضع مسار الانتخابات النيابية في مدار الشك لجهة حصولها في موعدها وتعطي أمثلة على ذلك "برودة" المرشحين في تقديم ترشيحاتهم من جهة، وعدم أخذ الكثيرين بجدية كلام المسؤولين عن "حتمية" إجراء الانتخابات وكان آخرهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، وقبله رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وبينهما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي حاول من خلال انتزاع موافقة مجلس الوزراء على تخصيص ما يوازي 15 مليون دولار اميركي لتمويل العملية الانتخابية، القول أن لا رجوع عن موعد 15 أيار (مايو) المقبل، وعلى جميع المعنيين قيادات ومرشحين التصرف على هذا الأساس. ذلك أن الرئيس ميقاتي ذهب الى ميونخ لترؤس الوفد اللبناني الى مؤتمر الأمن الذي يعقد سنويا بــ "زوادة" فيها كل القرارات التي اتخذتها حكومته في ما خص إجراء الانتخابات، و"طمأن" الذين التقاهم من رؤساء الوفود المشاركين في مؤتمر ميونخ أنه وفى بوعده امام المجتمع الدولي قبيل تشكيل حكومته بأنه سيجري الانتخابات في موعدها على اعتبارها أحد العوامل الأساسية لحماسة المجتمع الدولي في تعاطيه مع لبنان وفي مد يد المساعدة اليه، الى جانب "خزنة" صندوق النقد الدولي التي لا تفتح قبل إنجاز الاستحقاق الانتخابي، كما بات معروفاً...

إلا أنه رغم كل ما قيل ويقال حول "حتمية" إجراء الانتخابات في موعدها، فإن الشكوك حيال إجراء الانتخابات لا تزال ماثلة في أذهان السياسيين والديبلوماسيين وسط كم من الشائعات والمخاوف التي تجعل الاستحقاق في خطر. بعض الديبلوماسيين العاملين في لبنان يعكس هذا القلق في لقاءاته مع المسؤولين والسياسيين والاعلاميين انطلاقاً من أن الضغوط التي تمارسها الدول قد لا تكون سبباً لإجراء هذه الانتخابات ما لم تتوافر إرادة لبنانية جامعة حيال هذا الموضوع. وبعض الديبلوماسيين يعطي مثلاً ما حصل في ليبيا حيث كان الضغط الدولي كبيراً لإجراء الانتخابات في نهاية السنة الماضية، لكنها مع ذلك لم تحقق النتائج المرجوة وتأجلت الانتخابات الليبية، ورضي المجتمع الدولي، ولو على مضض، بهذا التأجيل، ما جعل مخاوف هؤلاء الديبلوماسيين من ان يتكرر المشهد الليبي في لبنان كبيرة وواقعية. 

ذلك ان العصيان على الإرادة الدولية تبقى واردة في حسابات السياسيين في كل لحظة خصوصاً اذا كانت هناك أسباب "معقولة" تقف وراء هذا "التمرد" كما حصل في لبنان العام 2004 حين وقف العالم بأسره ضد التمديد للرئيس السابق اميل لحود وصدرت قرارات دولية في هذا الصدد أشهرها على الإطلاق القرار 1559، ومع ذلك حصل التمديد بعد ساعات قليلة من صدور ذلك القرار الذي لا يزال المجتمع الدولي يسعى الى تطبيقه في الشق المتعلق بسلاح حزب الله ومنع قيام "دويلته" ضمن الدولة اللبنانية الجامعة. وبعد حصول التمديد للرئيس لحود، رغم الممانعة الدولية غير المحدودة، استمر الوضع في البلاد وكأن شيئاً لم يكن، ولم تحصل بداية التغيير المنشود الا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005 وما تلاه من تطورات كان ابرزها انسحاب القوات السورية من الاراضي اللبنانية.

الضغوط الدولية... لا تكفي

ويعود أحد الديبلوماسيين بالذاكرة الى العام 2013 ليروي أنه عمل في لبنان تلك الفترة وكان الضغط الدولي على أشده لاجراء الانتخابات النيابية، وكانت الصيحات من الخارج مشابهة لتلك التي يسمعها اللبنانيون هذه الأيام.... لكنها لم تنفع في ردع النواب عن التمديد لأنفسهم سنة وخمسة أشهر بذرائع مختلفة لم تكن لها اي ركائز اساسية او تبريرات منطقية. ومع التمديد للمجلس دخلت البلاد في فترة الشغور الرئاسي بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان وتكرر المشهد نفسه: دعوة دولية تلو أخرى لإجراء الانتخابات الرئاسية لم تلق آذاناً صاغية إلا في 31 تشرين الاول (اكتوبر) 2016 مع انتخاب الرئيس ميشال عون نتيجة تسوية سياسية محلية نالت "بركة " دولية، لكنها في الأساس كانت وليدة إرادة لبنانية داخلية. ويستطرد الديبلوماسي ليقول إنه لا يكفي أن تضغط واشنطن، ومعها دول الاتحاد الاوروبي، وان تصدر قرارات عن مجلس الامن الدولي ليستجيب اللبنانيون اذا هم لم يفعلوا ذلك من تلقاء انفسهم، لاسيما وان ثمة ما يجعل مخاوف التأجيل واردة في الحسابات، بعد اعلان الرئيس سعد الحريري تعليق عمله السياسي وعزوفه هو وعائلته وتيار "المستقبل" الذي يرأسه عن الترشح. ذلك ان مثل هذا القرار قد يكون سبباً كي تزداد الشكوك حول اجراء الانتخابات تارة بالقول انه من غير الطبيعي القبول باجرائها في غياب رمز اساسي من رموز الطائفة السنية ما يجعل المقاطعة السنية واردة كما بدأت تبرز طلائع مثل هذه المقاطعة، وطوراً بالقول ان افقاد الطائفة السنية مرجعيتها التمثيلية سيضع نتائج الانتخابات النيابية في مهب مرشحين مغامرين ومغمورين في مقاعد نيابية كانت اصلاً لمرشحين اقوياء لهم مكانتهم على الساحة السنية، خصوصاً اذا ما غاب عن ممارسة الترشيح الرئيس نجيب ميقاتي - كما يتردد في الاندية والمحافل السنية - بعد تغيب الرئيس تمام سلام وغيره من الشخصيات السياسية السنية وكان آخرهم النائب نهاد المشنوق الذي اعلن عن عزوفه على الترشح، كما فعلت عمة الرئيس الحريري النائب السيدة بهية الحريري بعيد صدور موقف ابن شقيقها الرئيس سعد الحريري، وكما يتوقع ان يحصل مع شخصيات "مستقبلية" اخرى تنفيذاً للاجراءات التي اتخذها الرئيس سعد الحريري حيال نوابه او الاعضاء فيه حين دعاهم الى الاستقالة من "التيار الازرق" إن هم ارادوا خوض الاستحقاق النيابي "على مسؤوليتهم الشخصية" ومن دون اي ارتباط مع تيار "المستقبل" وبعد الاستقالة منه، خصوصاً ان الحديث عن ان شقيق الرئيس الحريري رجل الاعمال بهاء الحريري يريد ملء الفراغ الذي نتج عن انسحاب شقيقه، لا يزال يدور في فراغ لأن ردود الفعل على امكانية ترشح بهاء الحريري او دعمه لمناصرين له في مجموعة "سوا" لم تكن مشجعة على رغم الاتصالات التي اجراها بهاء الحريري وكان آخرها مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي التقاه في روما اوائل الأسبوع الجاري.


 تداعيات الانكفاء السني

وما يزيد في المخاوف بحصول انكفاء سني عن المشاركة في الانتخابات النيابية، ان هذا الانكفاء سيجعل ثقل الطائفة السنية مستبعداً ايضاً في التأثير على الانتخابات الرئاسية التي يفترض ان تتم قبل نهاية شهر تشرين الاول (اكتوبر) المقبل، موعد انتهاء ولاية الرئيس عون في قصر بعبدا، ما يعني ان دور الطائفة السنية سيكون محدوداً في التأثير على هوية الرئيس العتيد للجمهورية، مع ما يعني ذلك من خلل على صعيد الشراكة الوطنية في اختيار خليفة الرئيس عون، ليصبح "الثقل" في التأثير في موقع آخر، وخصوصاً لدى الطائفة الشيعية وجناحها القوي اي حزب الله. من هنا فإن جعل التأثير السني في الانتخابات الرئاسية محدوداً قد يكون من الاسباب التي ستساعد على تعميم فكرة تأجيل الانتخابات النيابية والتمديد للمجلس الحالي، كي تبقى التوازنات السياسية كما هي في انتخاب الرئيس العتيد، علماً ان الرئيس الحريري كان ابلغ نوابه في لقائه الاخير معهم عشية ذكرى اغتيال والده انه في حال تم التمديد للمجلس النيابي الحالي، فإن عليهم ان يستقيلوا من الندوة البرلمانية ما يفقد مجلس النواب اذ ذاك الميثاقية الوطنية التي هي الاساس في التركيبة السياسية اللبنانية. لقد ادرك العديد من سفراء الدول الكبرى ان خروج - او اخراج لا فرق - الرئيس الحريري من المعادلة الوطنية ستكون له تداعيات على استحقاقي الانتخابات النيابية والانتخابات الرئاسية، على حد سواء، لذلك سعى اكثر من ديبلوماسي غربي الى ثني الرئيس الحريري عن خطوة المقاطعة من دون ان يوفقوا في جعله يتراجع عن موقفه للاعتبارات المعروفة والتي في معظمها خارجي عموماً وسعودي وخليجي خصوصاً.

نسب متفاوتة للاقتراع

ويعتقد مراقبون ان نسبة الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة اذا تمت في موعدها ستكون متدنية وهذا أمر لا يحصل للمرة الاولى في تاريخ الانتخابات النيابية اذ سبق ان سجل تراجع مماثل في استحقاقات سابقة، لاسيما وان العودة الى الماضي تؤكد ان نسب اقتراع اللبنانيين في الانتخابات النيابية كانت تتفاوت لاسباب مختلفة. ففي العام 1972 اجريت الانتخابات النيابية وشهدت نسبة اقتراع تاريخية قاربت الـ 57 في المئة، نتيجة عوامل ابرزها: استمرار انخفاض مُعدلات الأمية وانخفاض معدلات الهجرة في الفترة التي سبقت الانتخابات. ولكن السبب الرئيسي هو ازدياد نشاط الاحزاب السياسية اليمينية واليسارية والخلاف الذي تعمق بين اتجاه التسلح الفلسطيني خصوصاً بعد انتقال منظمة التحرير من الاردن إلى لبنان في عام 1970 الامر الذي رفع نسب الاقتراع مع تراجع تأثير الشهابية والإقطاع. لم يكن معروفاً آنذاك ان مجلس النواب سيبقى مُمداً لنفسه لحوالي العشرين عاماً بسبب اندلاع الحرب الاهلية. وفي العام 1990 شهد لبنان اول انتخابات بعد الحرب الاهلية وبعد اتفاق الطائف في ظل الوصاية السورية، ولكن نسبة الاقتراع وصلت إلى الـ 30 في المئة لسببين رئيسيين: الاول موجات التهجير بفترة الحرب، والثاني المقاطعة المسيحية الواسعة التي شهدتها الانتخابات النيابية بسبب اعتبار المسار السياسي الذي كانت تهيمن عليه سورية بذلك الوقت "مرفوضاً". في دورتي 1996 و 2000 كانت القيادات المسيحية ما زالت بعيدة عن المشهد السياسي، فقائد الجيش السابق  العماد ميشال عون كان في المنفى في باريس، وسمير جعجع كان في السجن، وأجريت الانتخابات النيابية وارتفعت نسبة الاقتراع مقارنة مع العام 1992 فحاولت المعارضة المسيحية حينها محاربة النظام السوري من داخل النظام فارتفعت نِسب الإقتراع لتصل إلى 41 في المئة العام 2000. اما في عام 2005 فتغيرت الظروف، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واندلاع "ثورة الارز" وخروج الجيش السوري وعودة قائد الجيش السابق العماد ميشال عون، فارتفعت نسبة الاقتراع لدى السُنة رداً على اغتيال رفيق الحريري. اما عودة المشاركة في الحياة السياسية رغم ان سمير جعجع كان لا يزال في السجن و"التسونامي" العوني تحديداً بوجه التحالف الرباعي رفع نسبة الاقتراع إلى 47 في المئة. عام 2009 أجريت الانتخابات على وقع انقسام سياسي عمودي في البلاد بين 8 و 14 آذار وبعد سنة على احداث السابع من ايار (مايو) الذي رفع نسبة اقتراع السُنة وتحديداً في وجه حزب الله وايضاً بفعل إجراء الانتخابات على قانون الستين الذي وعلى الرغم من انه أكثري اعطى المسيحيين تأثيراً اكبر في الانتخابات وخصوصاً في الاقضية ذات الاغلبية المسيحية، فمرة جديدة ارتفعت نسبة الاقتراع وهذه المرة بشكل ملحوظ لتصل إلى 55 في المئة. اما في العام 2018 ومع تبني القانون النسبي الذي يعطي الاقليات المناطقية فرصة للخرق وبعد السماح للمغتربين بالاقتراع للمرة الاولى كان من المتوقع ان ترتفع نسبة الاقتراع إلى مستوى غير مسبوق الامر الذي لم يحصل لسببين: الاول ان تسجيل المغتربين لم يكن على قدر التوقع. ثانياً بدأ التململ لدى العديد من المواطنين من جراء الواقع السياسي وخصوصاً لدى الطائفة السنية، فرغم ان بعض الدوائر شهدت ارتفاع نسب الاقتراع كدائرة بعلبك الذي رفع الاندفاع المسيحي فيها نسبة الاقتراع إلى 60 في المئة ودائرة جبيل إلى 66 في المئة ولكن انخفضت نسبة الاقتراع في لبنان إلى 49.6 في المئة ويعود ذلك إلى تراجع نسبة الاقتراع لدى السنة وبدء تراجع شعبية تيار "المستقبل".

 ففي بيروت الثانية لم تتعدَ نسبة الاقتراع 42 في المئة والأمر نفسه في طرابلس التي لم تتعدَ نسبة الاقتراع فيها الـ 39 في المئة. اما العام 2022 فمن الممكن ان تنخفض نسب الاقتراع مرة جديدة بسبب مقاطعة جزء من تيار "المستقبل" مثلاً بفعل تعليق الرئيس الحريري العمل السياسي وبسبب عدم اقتناع عدد كبير من المواطنين بأي من الخيارات السياسية المطروحة والظروف العديدة، ومن الممكن أن ترتفع نسب الاقتراع مع ارتفاع تسجيل المغتربين لهذا العام بالإضافة إلى الصوت الانتقامي بوجه الاحزاب التي في السلطة بفعل الازمات المتتالية.

 

البطريرك بشارة الراعي يستقبل بهاء الحريري.

البطريرك بشارة الراعي يستقبل بهاء الحريري.

الرئيس تمام سلام يعلن عزوفه عن الترشيح.

الرئيس تمام سلام يعلن عزوفه عن الترشيح.

النائب نهاد المشنوق يعلن عزوفه عن الترشيح أيضاً.

النائب نهاد المشنوق يعلن عزوفه عن الترشيح أيضاً.