تفاصيل الخبر

رسائل غالاغير: قلق من الخلافات واستعداد لرعاية حوار ولا زيارة للبابا الى لبنان قبل الانتخابات النيابية

يخطىء من يعتقد أن زيارة وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور"بول ريتشارد غالاغير" الى بيروت الأسبوع الماضي، كانت زيارة "روحية" وبهدف المشاركة في مؤتمر نظمته جامعة الروح القدس في الكسليك تحت عنوان "البابا يوحنا بولس الثاني ورسالة لبنان"، ذلك أن انتقال المونسنيور "غالاغير" للمرة الاولى الى لبنان هدفه إصابة عصفورين بحجر واحد

وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور "بول ريتشارد غالاغير" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.

وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور "بول ريتشارد غالاغير" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.


 يخطىء من يعتقد أن زيارة وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور"بول ريتشارد غالاغير" الى بيروت الأسبوع الماضي، كانت زيارة "روحية" وبهدف المشاركة في مؤتمر نظمته جامعة الروح القدس في الكسليك تحت عنوان "البابا يوحنا بولس الثاني ورسالة لبنان"، ذلك أن انتقال المونسنيور "غالاغير" للمرة الاولى الى لبنان هدفه إصابة عصفورين بحجر واحد، كما يقول المثل العامي اللبناني، فالمسؤول عن السياسة الخارجية في الكرسي الرسولي أراد من زيارته توجيه رسائل سياسية واضحة الى المسؤولين والسياسيين على حد سواء، ورسائل "مباشرة" الى رؤساء الكنائس الكاثوليكية في لبنان تتعلق بأدائهم ودورهم في تطبيق تعاليم الكنيسة والارشادات الرسولية وتوجهات البابا "فرنسيس" والنمط الذي يمارس من خلال رعايته البابوية للكاثوليك في العالم، وهو نمط يتميز بالتواضع وتقديم الخدمة للمحتاج وإبعاد الكنيسة عن أي مظهر مادي يتناقض مع رسالتها الاساسية في "رعاية" ابنائها والاهتمام بهم. من هنا اكتسبت زيارة المسؤول البابوي اهمية كبيرة ليس لأنها أعادت مجدداً بسط "المظلة البابوية" فوق لبنان المعذب بشعبه المقهور والجائع والقلق على مستقبله كي يقول للعالم ان الاب الاقدس وما يمثله من قوة معنوية كبيرة، لا يريد لهذا البلد ان يسقط، لن في سقوطه خسارة كبيرة للمجتمع الدولي وللاعتدال والتعايش بين الشعوب، لذلك حرص المونسنيور "غالاغير"على ان يردد في كل محطات زيارته للبنان ما عبر عنه البابا "فرنسيس" امام السلك الديبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي في 10 كانون الثاني (يناير) الماضي، من "قلق" بالغ على لبنان، ومطالبة واضحة من المجتمع الدولي لدعمه والصلاة من اجله. وكرر المسؤول البابوي ما قاله البابا "فرنسيس" في اللقاء مع الديبلوماسيين: "الى الشعب اللبناني العزيز، اجدد تأكيد قربي منه وصلاتي من اجله، واتمنى ان تساعد الاصلاحات اللازمة ودعم المجتمع الدولي لكي يبقى هذا البلد ثابتاً في هويته وبقائه نموذجاً للعيش السلمي معاً والاخوة بين مختلف الاديان فيه". وفي 2/12/2021 خلال لقائه الكنيسة المارونية في قبرص قال البابا: "عندما افكر في لبنان، اشعر بقلق شديد وبمعاناة شعب يرهقه العنف والالم، احمل في صلاتي الرغبة في سلام يرتفع من قلب ذلك البلد". وفي 1/7/2021 اقام البابا فرنسيس "يوم التأمل والصلاة من اجل لبنان" في الفاتيكان حضره رؤساء الكنائس اللبنانية شدد على ضرورة ان لا يضع من يتبوأون مناصب السلطة انفسهم في خدمة مصالحهم الخاصة. 

خوف على لبنان وصيغته وحوار مشروط بالإجماع

هذه المواقف البابوية المعبرة، فصلها وزير خارجية الفاتيكان مع الذين التقاهم من مسؤولين وروحيين مسيحيين ومسلمين، الى جانب زيارة لافتة الى قيادة الجيش حيث التقى العماد جوزف عون على غير عادة المسؤولين الروحيين الذين يزورون بيروت هذه الايام، مع ما حملته زيارته لليرزة من تفسيرات مرتبطة بشكل او بآخر بالوضع السياسي العام في البلاد وبالاستحقاقات المرتقبة فيه، نيابياً ورئاسياً حيث شدد المونسنيور "غالاغير" على ضرورة اجراء هذه الانتخابات في مواعيدها وعدم السماح لاي فريق بالتأثير عليها، من دون ان يدخل بالطبع في أي اشارة يمكن ان تفهم بأنها تصب في مصلحة هذا الفريق او ذاك. من هنا كان للشق السياسي في الزيارة اهمية لافتة اذ شدد المسؤول البابوي على اهمية الحوار بين اللبنانيين للمحافظة على الصيغة الفريدة التي ميزت لبنان طوال القرون الماضية، وضرورة الاستمرار في هذا النهج الذي من دونه لا يمكن للبنان ان ينهض ويستعيد دوره في محيطه والعالم. لذلك بدا المونسنيور "غالاغير" صريحاً جداً الى حد القساوة احياناً في معرض حديثه عن مسؤولية السياسيين في ما آل اليه الوضع في لبنان راهناً، وصولاً الى حد استعمال عبارة تقارب توصيف "التآمر" على لبنان في اطار الاشارة الى "الخطورة من زواله" لأنه عندما يتحقق هذا الزوال، فإن ذلك سيشكل لحظة "يندم عليها العالم" على حد تعبيره. وبرزت خلال احاديثه "خشية" داخل لبنان وخارجه، ودعا الى الحفاظ على لبنان بصفة رسالة للعيش معاً وللاخوة والرجاء بين الاديان. ولم يكتف "غالاغير" بــ "النصح" فهو ركز ايضاً في احاديثه على دعوة المسؤولين الى الالتزام بتنفيذ الاصلاحات في مسار اعادة بناء الدولة اولاً، داعياً ايضاً الى الالتزام بالقرارات الدولية والمحافظة على علاقات جيدة مع الدول العربية عموماً، ودول الخليج خصوصاً. وعندما تحدث عن الاصلاحات سمع من المسؤولين ان الكلام وحده لا ينفع، لأن المطلوب هو تنفيذ الوعود وليس تكرارها فقط ،وهو قال في احد الاجتماعات ما حرفيته: "سهل جدا تكرار الكلام نفسه، لكن بين التكرار والواقع ثمة فوارق لا بد من ازالتها لتصبح الوعود حقيقة ملموسة".

لم يخف المونسنيور"غالاغير"، وهو رأس الديبلوماسية الفاتيكانية الحاضرة في كل انحاء العالم من خلال سفرائها ورجال الاكليروس، بأن الوضع المضطرب في الشرق الاوسط يترك انعكاسات على الوضع في لبنان، لذلك كشف لمن التقاهم في بيروت، ان الديبلوماسية البابوية تتحرك في اكثر من اتجاه لاسيما مع دول القرار وفي مقدمها الولايات المتحدة الاميركية (رئيسها "جو بايدن" كاثوليكي) وفرنسا من اجل توفير مناخات ايجابية تخفف من الانعكاسات السلبية للاحداث في دول الجوار اللبناني على لبنان نفسه وتساعد في حلحلة بعض المسائل الداخلية اللبنانية المعقدة التي لها امتدادات اقليمية. وفي هذا السياق حرص المونسنيور "غالاغير" على ابلاغ محدثيه من رسميين استعداد الفاتيكان للاستمرار في حمل الملف اللبناني الى كل المحافل الاقليمية والدولية خصوصا ان لبنان كان وسيبقى في صلب لقاءات البابا فرنسيس مع رؤساء الدول الكبرى وتلك التي لها تأثير على الساحة اللبنانية، متمنياً في الوقت نفسه ان يخطو لبنان، بقياداته الرسمية والسياسية، خطوات عملية في اتجاه تسهيل مهمة البابا الذي يردد دوما قول المسيح "أيها العبد ساعد نفسك ليساعدك الرب". وكان "غالاغير" واضحاً عندما سئل عن استعداد الكرسي الرسولي لرعاية حوار بين اللبنانيين، فأجاب ان الدوائر الفاتيكانية حاضرة لتلبية أي دعوة لرعاية حوار شرط ان تكون هذه الدعوة اجتماعية وصادرة عن جميع الافرقاء اللبنانيين، لان الكرسي الرسولي حريص على الا يكون منحازا الى طرف لبناني من دون آخر، لأن "انحيازه" فقط هو للبنان الواحد الذي يجب ان يبقى نموذجاً يحتذى. من هنا كانت اشارة المونسنيور"غالاغير" الى تجاوب الفاتيكان للتحضير لأي مؤتمر دولي خاص بلبنان لاخراجه من الازمات المتتالية التي يرزح تحتها مع التأكيد على ان الدول الكبرى ابلغت الكرسي الرسولي اهتمامها بالملف اللبناني وسعيها لتحييد لبنان عن الصراعات في المنطقة على انواعها. ولاحظ من التقاهم المونسنيور "غالاغير" انه تحدث مرارا عن دول الخليج ودورها في دعم لبنان اقتصاديا ورعاية اللبنانيين الموجودين فيها. لكنه كان يكرر امام محدثيه بأن مستقبل لبنان هو في البداية مسؤولية لبنانية، ودور المجتمع الدولي دعم الخيارات اللبنانية من دون ان تكون للكرسي الرسولي مبادرة محددة، لكن العنوان العريض لاي دور بابوي يبقى ضرورة المحافظة على الحضور المسيحي الفاعل والمتفاعل مع محيطه، خصوصا ان لبنان البلد العربي الوحيد الذي رئيسه مسيحي وكاثوليكي، ويجب المحافظة على عدم اضعاف الحضور المسيحي لان اضعافه يدمر التوازن الداخلي وهوية لبنان، وهو اهتمام بابوي يوازيه الاهتمام بالعلاقات المسيحية - الاسلامية التي يتميز بها لبنان عن غيره من دول الشرق الاوسط.


دور الكنيسة.... وزيارة البابا مؤجلة

 أما في الشق الروحي للزيارة فقد ارتدى طابعاً اجتماعياً لأن المونسنيور "غالاغير" نقل الى البطاركة الكاثوليك الذين التقاهم حرصاً بابوياً على ان تقوم الكنائس الكاثوليكية بدورها في مساعدة اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً اجتماعياً وتربوياً وصحياً، مشدداً على توجهات البابا فرنسيس حول بساطة الكنيسة وعدم جواز ثرائها مقابل تقهقر أوضاع مؤمنيها. وفي هاتين النقطتين الكلام واضح وصريح، وبعض من في لبنان ومن زوار الكرسي الرسولي لم يكونوا مرتاحين للكلام البابوي الذي سمعوه سابقاً. وقد اراد "غالاغير" استكمال جمع المعطيات عما تفعله المؤسسات الكنسية التربوية والصحية. فالكنيسة مسؤولة مباشرة وغير مباشرة عن جزء أساسي من المدارس والمستشفيات. والوعود التي أعطيت في الصيف الماضي لا يبدو أنها تحققت في شكل مُرضٍ، بدليل ما يصل إلى الفاتيكان وممثليه في بيروت عن أوضاع اللبنانيين عموماً، ورعايا الكنائس، من فقر مدقع ومن تعذّر الطبابة في مستشفيات "مسيحية" الطابع وتقهقر أوضاعها. وربما يكون بعض مسؤولي الكنيسة غير مرحّبين بكلامه ورسائله، تماماً كما بعض المسؤولين السياسيين، لأن الديبلوماسي الذي أراد أن يقف على حقيقة الخطوات التي تحقّقت، يعرف أن جزءاً من الحلول الاجتماعية في يد المسؤولين الكنسيين ومؤسساتهم، وهي تتحقّق بفعل مبادرات فاعلة، وإذا كان حل الأزمة اللبنانية ككلّ مرهوناً بحوارات إقليمية ودولية، فعلى مَن في الكنيسة تحمل مسؤوليتهم. وهذا تنبيه لا يحبه الكثير من الأساقفة والكهنة.

تبقى الاشارة الى نقطة اخيرة من الهواجس التي سكنت المسؤولين اللبنانيين الرسميين والروحيين، مرتبطة بموعد زيارة البابا "فرنسيس" الى لبنان لاسيما وانه وعد مراراً بتحقيق هذه الزيارة، وكرر ذلك الوعد خلال زيارته الى قبرص. وفي هذا السياق تؤكد المعلومات المتوافرة، ان المونسنيور "غالاغير" اعاد التأكيد على ما قاله البابا من انه سيزور لبنان وان الدوائر الفاتيكانية تحضر منذ مدة لهذه الزيارة، لكن موعدها لن يكون قبل الانتخابات النيابية المقررة في شهر ايار (مايو) المقبل لئلا تستغل زيارة الاب الاقدس من قبل افرقاء سياسيين وتستثمر في الانتخابات. لذلك، لا زيارة بابوية قبل الانتخابات لان الكرسي الرسولي لا يريد ان يكون فريقاً مع احد. صحيح ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كان اعلن بعد زيارته للفاتيكان قبل اشهر بان البابا ابلغه انه سيزور لبنان بعد تشكيل الحكومة، لكن الصحيح ايضا أن الزيارة لن تتم قبل الاستحقاق الانتخابي. ويخشى البعض الا تتم ايضا قبل الاستحقاق الرئاسي في تشرين الاول (اكتوبر) المقبل. وفي مثل هذه المسائل الحساسة، البابا حسم موقفه، على الاخص بعدم زيارته لبنان قبل الانتخابات النيابية، وبعدها لكل حادث حديث...

ومع الرئيس نبيه بري

ومع الرئيس نبيه بري

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي