تفاصيل الخبر

مظهر آخر من مظاهر "تحلل" الدولة: تعميم الى السفارات في الخارج لــ"شحادة" مصاريفها!


 مظهر آخر من مظاهر تحلل الدولة اللبنانية برز في الأسبوعين الماضيين من خلال الأزمة المالية التي بدأت تعصف بالبعثات الديبلوماسية اللبنانية في الخارج بعد تعذر توفير المال اللازم لها في مصرف لبنان لاسيما وأن رؤساء هذه البعثات والعاملين فيها 

الوزير عبد الله بو حبيب.

الوزير عبد الله بو حبيب.


 مظهر آخر من مظاهر تحلل الدولة اللبنانية برز في الأسبوعين الماضيين من خلال الأزمة المالية التي بدأت تعصف بالبعثات الديبلوماسية اللبنانية في الخارج بعد تعذر توفير المال اللازم لها في مصرف لبنان لاسيما وأن رؤساء هذه البعثات والعاملين فيها يتقاضون رواتبهم بالدولار الاميركي الذي يغيب تدريجاً من موجودات مصرف لبنان منذ أن استعرت الأزمة الاقتصادية وأصاب "النشاف" خزينة الدولة. ووصل الأمر الى حد أن وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب طلب من السفارات والطواقم الديبلوماسية في الخارج التواصل مع "اللبنانيين المقتدرين" في الدول المعتمدين فيها ورجال الاعمال اللبنانيين لتوفير مقومات الاستمرار لعشرات البعثات الديبلوماسية. واللافت في هذا السياق، أن طلب الوزير بو حبيب لم يكن "ديبلوماسياً"، بمعنى أنه لم يتم بشكل سري يحفظ للسفارات اللبنانية في الخارج "ماء الوجه"، بل شكل تناول وسائل الإعلام لتفاصيله "صدمة" عند بعض الديبلوماسيين اذ بدا وكأنه "شحادة" يفترض أن يقوم بها السفير المعتمد في الخارج او احد معاونيه ليضمن استمراره حيث هو، ولتبقى السفارة مفتوحة، علماً أن سفراء كثراً حان موعد عودتهم الى بيروت بعدما امضوا اكثر من عشر سنوات في الخارج، يفضلون البقاء في الخارج لتقاضي تعويضاتهم بالدولار الاميركي بدلاً من العودة الى الادارة المركزية والقبض بالليرة اللبنانية!.

 ولعل القرار الاسرع الذي سوف يتخذه الوزير بو حبيب اذا اتت اجوبة رؤساء البعثات الديبلوماسية، سيكون اقفال السفارة التي لا تؤمن "اكتفاء ذاتياً" او تقليص نفقاتها من خلال استدعاء عدد من العاملين فيها الى الادارة المركزية في بيروت للتخفيف من المصاريف، وكذلك من بدل الايجار والصيانة واشتراكات المياه والكهرباء فضلاً عن نفقات ادارية تزداد عادة حين يكون عدد الديبلوماسيين مرتفعاً. واذا كانت الأزمة بدأت طلائعها في كانون الاول (ديسمبر) الماضي، فإن تأخر وزارة الخارجية في معالجتها فاقم من حدتها، علماً أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كان ابلغ المعنيين في الحكومة والوزارة أنه سيتوقف عن تحويل الدولارات الى أفراد البعثات الديبلوماسية على السعر الرسمي اي 1500 ليرة للدولار الواحد، ما أثار ردود فعل سريعة وسلبية من البعثات التي واجهت حالة غير مسبوقة، ذلك أن احدى السفارات التي يصلها مبلغ 70 الف دولار بدل إيجار سنوي، بات يصلها خمسة او عشرة آلاف دولار حسب منصة "صيرفة"!  وما زاد الطين بلة أن المصرف المركزي تأخر خلال اشهر تشرين الاول وتشرين الثاني وكانون الاول 2021 عن تحويل الاموال الى البعثات في الخارج، ولم يفرج عن هذه النفقات الا تحت ضغط المراجعات، وثمة من يشكو من الديبلوماسيين في الخارج عدم قبض رواتبهم عن شهر كانون الثاني ( يناير) الماضي.

لا تشكيلات ولا تعيينات قبل نهاية العهد!

غير أن معاناة الديبلوماسيين من تراجع سعر صرف الليرة وتضاؤل التحويلات المالية الى الخارج لدفع تعويضاتهم والنفقات الاخرى، ليست الاولى ولن تكون الاخيرة، ذلك أن هذا الحدث "المأساوي" بالنسبة الى الديبلوماسيين، تزامن مع تسريب معلومات من اروقة الادارة المركزية، أن التشكيلات الديبلوماسية والترفيعات والتعيينات وضعت من جديد على الرف بعدما كانت على نار حامية، وأن هذه التعيينات تراجعت من اولويات الحكومة الى مراتب اخرى، بدليل أن لا مؤشرات توحي بإدراجها على جدول الاعمال قريباً على رغم أن المعلومات تشير الى أن رئيس الجمهورية العماد عون والوزير بو حبيب يضغطان لاقرارها، فيما المعلومات تشير الى أن ثمة صعوبات راهناً بامكانية تمريرها لاسباب عدة منها أنه ليست هناك من سابقة بإقرار تعيينات دبلوماسية مع نهاية العهود. فلو افترضنا أن التشكيلات صدرت اليوم، فهناك مسار يحتاج الى اشهر قبل التحاق السفير بمقر عمله. يبدأ الامر بارسال الخارجية كتاباً الى الدول المعنية باعتماد السفراء اللبنانيين للتقصي عنهم، ويحتاج الامر عادة الى نحو ثلاثة اشهر قبل ارسال الجواب، ثم يعد رئيس الجمهورية اوراق الاعتماد قبل التحاق السفراء بسفاراتهم في الخارج. وعرفاً يصعب جداً أن يرسل رئيس جمهورية سفراء من قبله الى رؤساء وملوك دول العالم وهو يوضب امتعته لمغادرة مقره الرئاسي. اضافة الى ذلك ثمة مخاوف جدية أن ترفض بعض الاسماء ربطاً بهذا الواقع. وزد على ذلك أن الأزمات المالية والسياسية والخلافات المتوقعة حول توزيع السفراء والمحاصصات الفاقعة ستصعب جداً الاتفاق على التعيينات في مهلة زمنية قصيرة. لذلك فحتى التعيينات الدبلوماسية الجزئية قد لا تمر. علماً أن إقرار التعيينات كان ممكناً بعد ولادة الحكومة بفترة قصيرة، لكن الآن قد فات الأوان، حسب ما يعتقد مصدر ديبلوماسي رفيع . الا أن ثمة من يرى أن وراء تأجيل موضوع التشكيلات والتعيينات الديبلوماسية، عدم رغبة الفريق المعارض للرئيس عون بتمكينه من تحقيق اي "انجاز" اداري او سياسي او مالي خلال ما تبقى من ولايته، وان هذا الامر لن يقتصر على السلك الخارجي فقط  بل سيشمل العديد من التعيينات الاخرى المجمدة منعاً لاعتماد "المحاصصة" فيها كما حصل في التعيينات المحدودة التي صدرت عن حكومة ميقاتي في بداية ولايتها. وهذا الامر يعتبر مظهراً من مظاهر سياسة "الكيد" المعتمد في الحياة السياسية اللبنانية مع اقتراب العهد من نهايته.

وبالعودة الى الازمة المالية التي تهدد البعثات الديبلوماسية في الخارج فإن الوزيرة السابقة زينة عكر التي تسلمت وزارة الخارجية بالوكالة بعد تنحي الوزير شربل وهبه على خلفية الازمة التي حصلت مع السعودية، اعتمدت سياسة عصر النفقات وعممت ذلك على السفراء، في وقت اعدت دراسة لخفض الرواتب او ما يعرف باللغة بالديبلوماسية "بدل الاغتراب"، اضافة الى رفع الرسوم في السفارات ومنها رسوم اصدار جوازات السفر. الا أن هذه الاجتهادات لم تكن كافية ذلك أن "بدل الاغتراب" يختلف من بلد الى آخر  فهو الأعلى في دول مثل جنيف وبرن، حيث يضرب الراتب الاساسي للسفير بــ 3.10% اما في كوريا الجنوبية وروسيا فيضرب بنسبة 2.79% وفي اوروبا بـــ 2.35% ومعظم باقي الدول بين 1.75% و1.90% وفي افريقيا 1.60% مع العلم أن البعثات الدبلوماسية الاساسية نفقاتها التشغيلية قليلة، مقارنة بغيرها، خصوصاً تلك الموجودة في مبان تملكها الدولة اللبنانية كما في واشنطن وباريس والعديد من دول الخليج. ويعترف الوزير بو حبيب، وهو سفير سابق للبنان في واشنطن، أن بعض الرواتب مضخمة جداً ولا مبرر لذلك. وحين سئل عن راتب سفير لبنان في المانيا مصطفى اديب البالغ نحو 30 الف دولار، اجاب "نعم هذا صحيح... بس مش هالقد". اما في الموازنة الجديدة فقد خفض اعتماد وزارة الخارجية من 115 مليون دولار الى نحو 85 مليون دولار، وهو ما يعني خفض "بدل الاغتراب". ويتوزع الاعتماد بين  ايجارات ومصاريف تشغيلية ومساهمات واشتراكات مالية في منظمات دولية (نحو 40% من اصل النفقة) ورواتب موظفين اداريين وسفراء ودبلوماسيين. وتنطلق النفقة المرصودة في الموازنة للبعثات الدبلوماسية من وزارة الخارجية، وتمر بوزارة المال ثم مصرف لبنان الذي يحولها الى الخارج. الا أنه وتحت وطأة شح الاموال فإن العديد من سفارات لبنان في الخارج عايشت اخيراً مواقف محرجة مع الدول المستضيفة بسبب العجز عن تأمين النفقات التشغيلية، الامر الذي اضطر بعض البعثات الى الاستدانة بموافقة وزارة الخارجية على أن ترد ديونها لاحقاً!.

  

مبنى وزارة الخارجية اللبنانية.

مبنى وزارة الخارجية اللبنانية.