تفاصيل الخبر

انطلاق التفاوض مع صندوق النقد الدولي تزامن مع تقرير صادم للبنك الدولي عن "الكساد" و"النخبة"

 تفاوتت ردود الفعل حول مضمون مشروع موازنة العام 2022 بين رافض كلياً ما جاء فيها من مقترحات ورسوم وزيادات، وبين "متفهم" لبعض ما فيها من أرقام. لكن مجلس الوزراء الذي يواصل الاسبوع الماضي مناقشة مشروع الموازنة بسبب خلافات حول خطة الكهرباء والسلطة التي طلبها وزير الطاقة وليد فياض والتي قاربت من 5 الاف مليار ليرة، يتابع في المقابل بدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي بواسطة تقنية الفيديو لتعذر مجيء اعضاء فريق التفاوض الى بيروت بسبب الشروط الموضوعة نتيجة جائحة "كورونا" التي لا تزال تهدد دول العالم. ولعل ما جعل انطلاقة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ممكنة هو المعلومات التي توافرت عن ان اللجنة الوزارية المفاوضة التي يرأسها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، توصلت الى صيغة تحدد كيفية تسديد الودائع للمودعين. وبحسب الخطة، فإن الودائع العائدة للمودعين لن تدفع دفعة واحدة، انما سيكون ذلك على مدى 15 سنة. اما طريقة التسديد وعملتها، فتختلف حسب كل حالة.


نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي يفاوض صندوق النقد عبر تقنية الفيديو.

نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي يفاوض صندوق النقد عبر تقنية الفيديو.


 تفاوتت ردود الفعل حول مضمون مشروع موازنة العام 2022 بين رافض كلياً ما جاء فيها من مقترحات ورسوم وزيادات، وبين "متفهم" لبعض ما فيها من أرقام. لكن مجلس الوزراء الذي يواصل الاسبوع الماضي مناقشة مشروع الموازنة بسبب خلافات حول خطة الكهرباء والسلطة التي طلبها وزير الطاقة وليد فياض والتي قاربت من 5 الاف مليار ليرة، يتابع في المقابل بدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي بواسطة تقنية الفيديو لتعذر مجيء اعضاء فريق التفاوض الى بيروت بسبب الشروط الموضوعة نتيجة جائحة "كورونا" التي لا تزال تهدد دول العالم. ولعل ما جعل انطلاقة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ممكنة هو المعلومات التي توافرت عن ان اللجنة الوزارية المفاوضة التي يرأسها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، توصلت الى صيغة تحدد كيفية تسديد الودائع للمودعين. وبحسب الخطة، فإن الودائع العائدة للمودعين لن تدفع دفعة واحدة، انما سيكون ذلك على مدى 15 سنة. اما طريقة التسديد وعملتها، فتختلف حسب كل حالة.

ويورد متابعون امثلة على القواعد التي ستعتمد فيشيرون الى ان مجموع الودائع في المصارف بالعملة الاجنبية يبلغ 104 مليارات دولار من بينها 16 مليار دولار عبارة عن فوائد متراكمة منذ العام 2015 نتجت عن الهندسات المالية والفوائد العالية التي دفعتها المصارف. هذه المبالغ ستدفع بالمبالغ اللبنانية على سعر 5000 ليرة، ما يعني ان المودع سوف يتحمل خسارة 75 في المئة باعتبار ان سعر الدولار المصرفي المحدد في الخطة هو 20.000 ليرة بغض النظر عن سعر الصرف في السوق الموازية. وهناك 35 مليار دولار تم تحويلهم من ليرة الى الدولار بعد تشرين الاول (اكتوبر) 2019. هذه المبالغ سيعاود صرفها الى ليرة وتدفع للمودعين على سعر 12.000 ليرة، يعني بخسارة 40 في المئة بالمقارنة مع 20.000 ليرة التي تحددها الخطة. يبقى 53 مليار دولار من اصل 104 مليارات ما زالوا عالقين في البنوك منذ قبل تشرين الاول 2019، سيختلف تسديدهم حسب قيمة الوديعة على الشكل التالي: 

اولاً: 25 مليار دولار هي شرائح الودائع تحت 15 الف دولار، هؤلاء سيعادون بالدولار "الكاش" يعني من دون اي خسارة. ولكن من اين سيتأمن مبلغ 25 مليار دولار؟ بحسب المعلومات تحسب الخطة ان القطاع المصرفي لديه توظيفات وممتلكات قادرة على تغطية المبلغ، منها مثلاً 11 مليار دولار بمثابة قروض كانت ممنوحة للقطاع الخاص من المفترض انه كان سيسددها مع الوقت واموال واستثمارات بالخارج بحوالي 13 مليار دولار، فضلاً عن ما تبقى من قيمة سندات "اليوروبوندز".

ثانيا: مبالغ الودائع التي هي بين 150 الفاً و500 الف دولار وقيمتها 6 مليارات دولار، سيتم دفعها بالليرة على سعر 20.000 ليرة للدولار، وفقاً للخطة ما يعني على سبيل المثال، اذا كان هناك 300.000 دولار في المصرف سيحصل صاحب هذا المبلغ على 150 الفاً منها بالدولار "الكاش" و150 الفاً الباقية بالليرة اللبنانية على سعر 20.000 .

ثالثاً: كل المبالغ من الودائع التي فوق 500 الف دولار ستتحول الى اسهم في المصارف اي ما يعرف بالـ"BAIL IN" بقيمة 12 مليار دولار، و10 مليارات ستتحول الى سندات دين يعني يتم قبض الفوائد عليها فقط. مثلاً اذا كان لدى المواطن 600.000 دولار في المصرف يأخذ 150 الف دولار بالدولار "الكاش" و35 الف بالليرة على سعر 20.000 ليرة والـــ 100.000 الباقية تنقسم 55.000 دولار تتحول الى اسهم في المصرف، و45 الفاً تتحول الى سندات. وهنا الرهان على ان المصارف سوف تزيد رأسمالها وتعود وتقف على قدميها وتحقق ارباحاً لتكون هذه السندات والاسهم ليست خاسرة لانه في هذه الحالة المودع ليس لديه حل الا ان يقبل بهذه الاسهم والسندات والا لن يحصل على شيء. وهذه الصيغة بتسديد الودائع بحسب المعلومات، متفق عليها من قبل الجانب اللبناني المفاوض مع الصندوق، ولكن يمكن ان يدخل عليها بعض التعديلات في سياق المفاوضات. ويصف بعض الخبراء هذه الصيغة بأنها "غير منطقية" وتحمل المودعين خسارات كبيرة، وهم اصلاً منذ سنوات يدفعون وحدهم ثمن الانهيار، فيما كثير من النافذين هربوا اموالهم الى الخارج.

تقرير صادم للبنك الدولي

وفي غمرة مناقشة الصيغ التي ستعتمد لمعالجة قضية المودعين والأسس التي يتم التعارف عليها مع صندوق النقد الدولي، فوجئت الاوساط الرسمية والسياسية والهيئات الاقتصادية بالتقرير الذي صدر عن البنك الدولي الذي اتهم فيه "قيادات النخبة" في لبنان بتدبير كساد الاقتصاد اللبناني. ولفت التقرير الى ان ايرادات الحكومة اللبنانية انخفضت الى النصف تقريباً في العام 2021، وقدر ان اجمالي الناتج المحلي الحقيقي هبط 10.5 في المئة، معتبراً ان كساد الاقتصاد اللبناني يعرض الاستقرار والسلم الاجتماعي للخطر على المدى الطويل فقد أفلس نموذج التنمية الاقتصادية للبنان، الذي ازدهر بفضل تدفقات وافدة كبيرة لرؤوس الأموال ودعم دولي في مقابل وعود بإجراء إصلاحات. علاوةً على ذلك، يحدث الانهيار في بيئة جيوسياسية تتّسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، الأمر الذي يزيد من إلحاح الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة الحادة.


الانكماش الأشد


وأكد البنك الدولي أنّ حجم ونطاق الكساد المتعمّد الذي يشهده لبنان حالياً، يؤديان إلى تفكك الركائز الرئيسة لنموذج الاقتصاد السياسي السائد في البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويتجلَّى هذا في انهيار الخدمات العامة الأساسية، واستمرار الخلافات السياسية الداخلية المُنهكة، ونزيف رأس المال البشري وهجرة الكفاءات على نطاق واسع. وفي موازاة ذلك، تتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة العبء الأكبر للأزمة، وهي الفئات التي لم يكن النموذج القائم يلبي حاجاتها أصلاً.


يُقدِّر تقرير المرصد الاقتصادي للبنان أنّ إجمالي الناتج المحلي الحقيقي هبط بنسبة 10.5 في المئة في 2021 في أعقاب انكماش نسبته 21.4 في المئة في 2020. وفي الواقع، انخفض إجمالي الناتج المحلي للبنان من قرابة 52 مليار دولار أميركي في 2019 إلى مستوى متوقع قدره 21.8 مليار دولار أميركي في 2021، مسجِّلاً انكماشاً نسبته 58.1 في المئة، وهو أشد انكماش في قائمة تضم 193 بلداً. وما زالت الفوضى النقدية والمالية تغذّي ظروف الأزمة في ظل نظام تعدد أسعار الصرف الذي أفرز تحديات جسيمة على الاقتصاد. ويتناول التقرير مسار تدهور الليرة اللبنانية في 2021، فيشير الى سقوط سعر الصرف للسحب النقدي مقابل الدولار الأميركي ومتوسط سعر الصرف الذي يحتسبه البنك الدولي بنسبة 211 في المئة و219 في المئة (على أساس سنوي) على الترتيب، خلال الأحد عشر شهراّ الأولى من العام. وأدَّى انتقال آثار تغيرات أسعار الصرف على الأسعار إلى قفزة كبيرة للتضخم، الذي يُقدَّر أن معدله بلغ في المتوسط 145 في المئة في 2021، ليسجل ثالث أعلى معدل على مستوى العالم بعد فنزويلا والسودان. وتُمثِّل التأثيرات التضخمية عوامل تنازلية شديدة تُؤثّر على الفقراء والطبقة المتوسطة أكثر من غيرهم، وبوجه أعم على من يعيشون على دخل ثابت مثل أصحاب معاشات التقاعد. وما زال تضخم أسعار المواد الغذائية مبعث قلق كبير، لأنها تشكل نسبة أكبر من النفقات التي تتكبدها الأسر الأفقر التي تواجه مصاعب جمة في تلبية احتياجاتها الأساسية في ظل تدهور قدرتها الشرائية.

ويُقدّر أن تنخفض الإيرادات الحكومية إلى النصف تقريباً في 2021 لتصل إلى 6.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهي ثالث أقل نسبة على مستوى العالم بعد الصومال واليمن. وكان انكماش النفقات أكثر وضوحاً، لاسيما في الإنفاق الأساسي الذي شهد تخفيضات جذرية، الأمر الذي عزَّز دوامة الانكماش الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، يُقدّر أن يبلغ الدين الإجمالي 183 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في 2021، ليُسجِّل لبنان رابع أعلى نسبة مديونية في العالم بعد اليابان والسودان واليونان.

تجدر الإشارة إلى نقطة مضيئة نسبياً ونادرة في عام 2021 هي السياحة التي ساعدت على ثبات نسبة عجز ميزان الحساب الجاري إلى إجمالي الناتج المحلي ويسجل التقرير انه في ربيع عام 2021، بدأ اعتماد تدابير لإلغاء الدعم عن السلع المستوردة على نحو غير منظَّم، والتي أصبحت نافذة بشكل كامل بحلول الصيف. واتسم المسار الذي سلكته السلطات لإلغاء الدعم بالغموض، والنقص في التنسيق، والافتقار إلى اعتماد تدابير وفق جدول زمني مدروس للتخفيف من آثار رفع الدعم على الفقراء. ونتيجةً لذلك، كان المستوردون والمهربون هم أكثر الفئات استفادةً من إلغاء الدعم، واستُنزِفت موارد النقد الأجنبي الثمينة والشحيحة.