تفاصيل الخبر

في مشروع قانون الموازنة مخالفات دستورية سحب بعضها وبقي البعض الآخر.. فهل يتعرض للطعن؟

القيامة التي قامت على وزير المال يوسف خليل الذي ضمن مشروع قانون موازنة 2022 اعطائه صلاحيات استثنائية بتحديد سعر التحويل للعملات الاجنبية في ما يتصل بغايات فرض واستيفاء الضرائب والرسوم، والتي ادت الى سحب الوزير هذا الحق الذي ورد في المادة 133 من مشروع الموازنة، طرحت من جديد مسألة الصلاحيات الاستثنائية التي تلجأ اليها الحكومات في ظروف استثنائية تمر بها البلدان، كما هو الحال راهنا في لبنان، لاسيما وان مثل هذه الصلاحيات حجبت عن الحكومات منذ البدء بتطبيق اتفاق الطائف، وكانت آخر مرة استعملت فيها هذه الصلاحيات في الحكومة الاولى في عهد الرئيس امين الجميل التي ترأسها الرئيس الراحل شفيق الوزان، وكان الهدف منها تمكين الحكومة من التشريع في حقول محددة لانقاذ البلاد من الوضع المأساوي الذي كانت تعيشه نتيجه الاحداث التي شهدها لبنان وتوّجها احتلال اسرائيل في العام 1982 للعاصمة بيروت! ومنذ بدء اتفاق الطائف، حيث باتت السلطة التنفيذية في عهدة مجلس الوزراء وتراجعت صلاحيات رئيس الجمهورية، لم يعد في امكان أي رئيس حكومة طلب صلاحيات استثنائية لحكومته من شأنها ان تعطل دور مجلس النواب او تحل الحكومة مكانه... وهذا "تقليد" مورس خلال ترؤس الرئيس حسين الحسيني رئاسة مجلس النواب، وتمسك به الرئيس نبيه بري الذي يتربع سعيدا على كرسي الرئاسة الثالثة منذ العام 1992 وحتى الان من دون انقطاع.


مجلس الوزراء خلال اجتماعه في السراي لدرس مشروع قانون الموازنة.

مجلس الوزراء خلال اجتماعه في السراي لدرس مشروع قانون الموازنة.



القيامة التي قامت على وزير المال يوسف خليل الذي ضمن مشروع قانون موازنة 2022 اعطائه صلاحيات استثنائية بتحديد سعر التحويل للعملات الاجنبية في ما يتصل بغايات فرض واستيفاء الضرائب والرسوم، والتي ادت الى سحب الوزير هذا الحق الذي ورد في المادة 133 من مشروع الموازنة، طرحت من جديد مسألة الصلاحيات الاستثنائية التي تلجأ اليها الحكومات في ظروف استثنائية تمر بها البلدان، كما هو الحال راهنا في لبنان، لاسيما وان مثل هذه الصلاحيات حجبت عن الحكومات منذ البدء بتطبيق اتفاق الطائف، وكانت آخر مرة استعملت فيها هذه الصلاحيات في الحكومة الاولى في عهد الرئيس امين الجميل التي ترأسها الرئيس الراحل شفيق الوزان، وكان الهدف منها تمكين الحكومة من التشريع في حقول محددة لانقاذ البلاد من الوضع المأساوي الذي كانت تعيشه نتيجه الاحداث التي شهدها لبنان وتوّجها احتلال اسرائيل في العام 1982 للعاصمة بيروت! ومنذ بدء اتفاق الطائف، حيث باتت السلطة التنفيذية في عهدة مجلس الوزراء وتراجعت صلاحيات رئيس الجمهورية، لم يعد في امكان أي رئيس حكومة طلب صلاحيات استثنائية لحكومته من شأنها ان تعطل دور مجلس النواب او تحل الحكومة مكانه... وهذا "تقليد" مورس خلال ترؤس الرئيس حسين الحسيني رئاسة مجلس النواب، وتمسك به الرئيس نبيه بري الذي يتربع سعيدا على كرسي الرئاسة الثالثة منذ العام 1992 وحتى الان من دون انقطاع.

مخالفات دستورية بالجملة

وتقول مصادر متابعة ان الوزير خليل ادرج في هذا البند في مشروع الموازنة ليقينه بان الظروف الاقتصادية والمالية التي تعيشها البلاد حاليا وتعدد اسعار صرف الدولار قياسا الى الليرة اللبنانية، جعلته يقترح مثل هذا الاقتراح حتى يتمكن من مقاربة التطورات المتسارعة في سعر صرف الليرة من جهة ولضبط حركة الاسواق المالية من جهة ثانية، ووفق العمليات غير المشروعة التي يمارسها بعض الصيارفة وتجاريهم فيها مصارف معينة او فروع لمصارف "فتحت على حسابها"... الا ان مصادر مالية متابعة قالت ان هذا الطلب لوزير المال لم يقتصر عمليا على ما ورد في المادة 133 من مشروع قانون الموازنة (قبل ان يتخلى عنه وزير المال طوعا في احدى جلسات مناقشة مشروع الموازنة في السراي  الكبير)، بل ورد ايضا بشكل مختلف ايضا في المادة 109 التي منحت وزير المالية الحق في تعديل التنزيلات والشطور والنسب بالنسبة للضرائب والرسوم التي تحصّلها وزارة المال، كما منح لوزير المالية والوزير المختصّ الحق في ما يتصل بسائر الرسوم الأخرى. وهذا في رأي المصادر يخالف الدستور اللبناني مخالفة مباشرة، وكذلك القانون ذو الصلة إضافة الى المبادئ العامة التي تؤكد أن فرض الضريبة أو تعديلها لا يكون إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب لا بقرار يصدر عن وزير، وإلا فإن الأمر يُعدّ خرقاً جسيماً لدور مجلس النواب الذي يعود إليه منفرداً الحق في فرض الضرائب، والموضوع لا يمكن أن يمرّ بهذه السهولة لأنه يضرب الكيان الدستوري والتشريعي في البلد برمّته. 

اما في ما خص منح الحق لوزير المالية في المادة 133 من الموازنة بتحديد سعر التحويل للعملات الأجنبية فهو مستهجن بشدّة لأنه سيؤدّي في المفهوم المعاكس الى تشريع التعدّد في أسعار الصرف وهذا أمر يخالف نصوص قانون النقد والتسليف ولا سيما أحكام المادة 229 منه وهذا يدل على ان السلطة مستمرة في عدم حسم موضوع تعدد اسعار الصرف بالرغم من ان هذا طلب من صندوق النقد الدولي.

كما ان المادة 132 تحدّد تسديد المصارف للودائع الجديدة بالعملة الأجنبية التي تودع لديها اعتباراً من تاريخ نشر هذا القانون بالطريقة عينها، ورفع قيمة الضمانة عليها، فيثبت وفق المصادر أن "السلطة تسعى الى تشريع المخالفات التي ارتُكبت من القطاع المصرفي لأن نصّها يفرّق بصورة غير قانونية على الإطلاق بين ودائع قديمة وودائع جديدة، ويعني أن القديمة هُضمت ولن يتم تسدديها بعملتها بعكس الجديدة منها أو "الفريش"، وهذا الأمر يشكّل ضربة ثلاثية الأبعاد أي مصرفية مالية واقتصادية، لأنه يشرّع هضم الحقوق بصورة لم تحصل سابقاً، بما سيؤدّي الى هتك اسم لبنان وقد يكون سبباً في إخفات بريق لبنان المصرفي والمالي في الشرق الأوسط. وتبدي المصادر خشيتها من ان يصبح مشروع الموازنة 2022 في حال الطعن به عرضة للابطال امام المجلس الدستوري لما تضمنه من مخالفات جسيمة للاحكام والمبادىء الدستورية.

سوابق واعتراض بري

وفي هذا السياق، يرى الخبير القانوني المالي سعيد مالك، ان مطلب الصلاحيات الاستثنائية للحكومة او لوزير فيها، والذي يجيز عمليا لمجلس الوزراء اقرار مراسيم تدخل ضمن الحقل التشريعي، أي ان يفوض مجلس النواب صلاحياته التشريعية الى السلطة التنفيذية، يصطدم في كل مرة بموقف الرئيس بري الرافض لهذا التفويض وهذه الوكالة معتبرا ذلك مخالفة دستورية اذ لا يحق للسلطة التشريعية تفويض صلاحياتها الدستورية الى السلطة التنفيذية في غياب نص دستوري صريح وواضح. ويورد المحامي مالك، وقائع سابقة فيها انه في العام 1992 طلب الرئيس الشهيد رفيق الحريري لحكومته صلاحيات تشريع استثنائية، رفضها رئيس مجلس النواب، بحجّة غياب النّص من جهة، وحؤولاً دون تهميش دور مجلس النواب في التشريع والرقابة من جهة أُخرى، مع الإشارة إلى أنّ قرار مَنح الصلاحيات التشريعية الاستثنائية للحكومة من عَدَمه، يبقى من صلاحية الهيئة العامة مجتمعةً، وليس من صلاحية رئيس المجلس النيابي مُنفردا، إذ لا يحق للرئيس اختزال المجلس بقرار منفرد يصدر عنه.


عادت وكرّت السبحة في الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة الرئيس حسّان دياب. حيث لمّحت وزيرة العدل يومها ماري كلود نجم إلى نيّة الحكومة طلب صلاحيات تشريعية استثنائية، حيث جوبهت من رئيس المجلس النيابي بوابل من الانتقادات والمواقف الرافضة والمستهجنة. ويضيف مالك انه بالنسبة الى طلب وزير المال لا بد من الاشارة الى انه في 14/12/2001 صدر القانون الرقم /379/ المتعلّق بالضريبة على القيمة المُضافة، فتقدّم أكثر من عشرة نواب بطعن بهذا القانون أمام المجلس الدستوري، حيث تسجّلت المراجعة تحت الرقم مراجعة 1 /2002، وتناول الطعن المذكور موضوع تفويض السلطة التشريعية صلاحياتها إلى الحكومة، ومدى جواز ذلك دستوراً.

 وفي 31/1/2002 صدر القرار الرقم 1 /2002 عن المجلس الدستوري، فصلاً بالمُنازعة والمومأ إليها أعلاه، مُعتبراً:

• إنّ الدستور منع تفويض مجلس النواب للحكومة، بالتشريع في مواضيع مختلفة، لأهمّية هذه المواضيع من جهة، ولحرص المشرّع الدستوري على الضمانات التي يوّفرها القانون، إن لجهة الثبات والقوة، أو لجهة التعبير، أو لجهة الحفاظ على المال العام من جهة أُخرى.

وأضاف القرار، حرفيّاً:

".... ومن بين هذه المواضيع التي يعتبرها الدستور صراحة في حمى القانون، ويحفظها حصراً له،.... فرض الضرائب (المادتان 81 و82 من الدستور) وسواها من المواضيع التي عدّدها الدستور في بعض مواده وجعلها حكراً على القانون".

• وجاء في القرار ما حرفيّته:

 .... إنّ مجلس النواب هو الذي أناط به الدستور دون سواه من السلطات اختصاص فرض الضرائب العمومية وإحداثها والترخيص بجبايتها في الجمهورية اللبنانية، وذلك بموجب قوانين شاملة تطبّق أحكامها على جميع الأراضي اللبنانية بلا استثناء، وانّ المقصود بالنّص الشامل (Loi uniforme)  انّه يطبّق على إقليم الدولة بكامله، وانّه يعود لمجلس النواب أيضا دون سواه من السلطات تعديل الضرائب أو إلغاؤها بموجب قانون يصدر عنه، مما يُفيد ،أنّ طلب تفويض وزير المال صلاحيات تشريعية استثنائية، في فرض الضرائب العمومية وإحداثها وجبايتها وتعديل شطورها ونسبها، لا يستقيم مع الدستور ومع أحكامه. ويقتضي على الحكومة نزع هذه الصلاحية وهذا الإمتياز من مشروع الموازنة قبل إقرارها. وإلاّ على مجلس النواب القيام بما عليه لهذه الجهة.


ويبدو ان وزير المال، ادرك هذه الوقائع والدستور الثابتة، فلجأ الى سحب المادة 133 من مشروع الموازنة الا انه بقيت مواد اخرى تتعارض، في رأي قانونيين، مع الدستور والاصول المرعية الاجراء لا بد من التنبه الى ضرورة سحبها او تعديلها تحسبا لاي طعن في قانون الموازنة.... هذا اذا مر في لجنة المال والموازنة وفي الهيئة العامة لمجلس النواب!.

الخبير القانوني المالي سعيد مالك.

الخبير القانوني المالي سعيد مالك.

وزير المال يوسف خليل.

وزير المال يوسف خليل.