تفاصيل الخبر

لهذه الأسباب أدرج عون على طاولة الحوار بند اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة

 أثارت إشارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في تحديده بند اللامركزية الادارية والمالية الموسعة الذي طرحه من بين ثلاثة بنود على طاولة الحوار الذي كان دعا الى عقده وأرجأ تحديد الموعد لمزيد من التشاور، أثارت هذه الاشارة الى الشق المالي من اللامركزية الادارية، ردود فعل سلبية لدى بعض القيادات السياسية التي طرحت علامات استفهام حول اسباب ورودها لاسيما وأن النص، كما جاء في "وثيقة الوفاق الوطني"، لا يورد عبارة "المالية" انما يتحدث عن لامركزية إدارية موسعة. وقد سعى الرئيس عون الى توضيح هذه المسألة على اعتبار انها حصيلة طبيعية لنجاح اللامركزية الادارية في مفهومها الواسع، الا ان المعترضين لم يتفهموا الطرح الرئاسي، واستمر التشكيك بعبارة "المالية" ضمن اللامركزية واستعملها البعض حجة للتهرب من تأييد الدعوة الرئاسية الى مؤتمر الحوار الذي ستبقى الدعوة اليه مفتوحة وإن كان رئيس الجمهورية آثر عدم تحديد تاريخ له في انتظار المزيد من التشاور حول المواضيع التي حددها الرئيس عون في الدعوة والتي اعتبرها اساسية لمواجهة الوضع القائم في البلاد، سواء لجهة درس خطة التعافي الاقتصادي والمالي والموافقة عليها، ام بالنسبة الى موضوع الاستراتيجية الدفاعية والجدل الذي يتناوله منذ ان طرح قبل سنوات من دون التوصل الى صيغة تلتقي عليها القيادات اللبنانية بالتفاهم مع حزب الله المعني الاول بهذا الملف.


مجلس النواب مجتمعاً في الأونيسكو.

مجلس النواب مجتمعاً في الأونيسكو.


 أثارت إشارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في تحديده بند اللامركزية الادارية والمالية الموسعة الذي طرحه من بين ثلاثة بنود على طاولة الحوار الذي كان دعا الى عقده وأرجأ تحديد الموعد لمزيد من التشاور، أثارت هذه الاشارة الى الشق المالي من اللامركزية الادارية، ردود فعل سلبية لدى بعض القيادات السياسية التي طرحت علامات استفهام حول اسباب ورودها لاسيما وأن النص، كما جاء في "وثيقة الوفاق الوطني"، لا يورد عبارة "المالية" انما يتحدث عن لامركزية إدارية موسعة. وقد سعى الرئيس عون الى توضيح هذه المسألة على اعتبار انها حصيلة طبيعية لنجاح اللامركزية الادارية في مفهومها الواسع، الا ان المعترضين لم يتفهموا الطرح الرئاسي، واستمر التشكيك بعبارة "المالية" ضمن اللامركزية واستعملها البعض حجة للتهرب من تأييد الدعوة الرئاسية الى مؤتمر الحوار الذي ستبقى الدعوة اليه مفتوحة وإن كان رئيس الجمهورية آثر عدم تحديد تاريخ له في انتظار المزيد من التشاور حول المواضيع التي حددها الرئيس عون في الدعوة والتي اعتبرها اساسية لمواجهة الوضع القائم في البلاد، سواء لجهة درس خطة التعافي الاقتصادي والمالي والموافقة عليها، ام بالنسبة الى موضوع الاستراتيجية الدفاعية والجدل الذي يتناوله منذ ان طرح قبل سنوات من دون التوصل الى صيغة تلتقي عليها القيادات اللبنانية بالتفاهم مع حزب الله المعني الاول بهذا الملف.

لقد بدا واضحاً ان الاعتراض على إدراج عبارة اللامركزية المالية الى جانب الادارية لم يكن اعتراضاً "تقنياً" بل كان سياسياً واستعمل مادة في محاولة لاسقاط البند من عمل طاولة الحوار، بهدف اثارة جدل يفهم منه بأنه تحضير لحالة تقسيمية او فيديرالية، وذهب بعض المعترضين الى حد القول إن الغاية من طرح اللامركزية المالية تحمل في طياتها ابعاداً تقسيمية، وتم نسج الكثير من المواقف حولها. الامر الذي تستغربه مصادر رئاسية اشارت الى ان اكثر من جهة حقوقية ودستورية، بينها الوزير السابق زياد بارود الذي عمل على هذا الملف وأعد مشروع قانون موجوداً الآن في مجلس النواب مع غيره من المشاريع والاقتراحات المماثلة، تعتبر بأنه الى جانب المنافع الديمقراطية للامركزية الادارية الموسعة من حيث المشاركة الشعبية، فإن المنافع الاقتصادية للامركزية يمكن ان تكون على جانب كبير من الاهمية، شرط تضمين القانون ما يكفي لجعلها كذلك. وفي رأي هؤلاء الخبراء انه عندما تعطى اللامركزية صفة "الموسعة" كما ورد في وثيقة الوفاق الوطني التي اقرت في مؤتمر الطائف، فإن المقصود هو صلاحيات الوحدات اللامركزية التي يفترض ان تكون واسعة بحيث تشمل ما يمكن ان يحفز اقتصادياً، او يأتي بالنفع الاقتصادي والاجتماعي على تلك الوحدات. ووفقاً للاحصاءات فإن المعدل الوسطي للانفاق المحلي في لبنان يبلغ بين 5  و 7 في المئة من اجمالي الانفاق العام، في حين ان المعدل العالمي هو بحدود 27 في المئة  (ويصل في الدانمارك الى 62 في المئة) ويلاحظ ان الدول الاكثر استقراراً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي هي تلك التي ترتفع فيها نسبة الانفاق المحلي من اجمالي انفاق السلطة المركزية، وهذا يعني ان الاثر مباشر على الحركة الاقتصادية المحلية اذا اعطيت الوحدات اللامركزية ما يكفي من امكانيات مالية بموازاة الصلاحيات الواسعة. الى ذلك، فان الانماء المحلي هو انماء يفترض ان يديره من يعرف الحاجات المباشرة والامكانيات الخاصة بمنطقته، وهو انماء لا يخضع اجمالا للبيروقراطية ولا يخضع لاستنساب المركز في مقاربة البنى التحتية، بل يترك هوامش واسعة من التقدير المحلي الذي يتولاه اشخاص منتخبون لان الاساس في اللامركزية هو الانتخاب والاستقلالان الاداري والمالي.

لماذا "شيطنة" اللامركزية المالية؟

ويؤكد القانونيون، ان تحقيق الانماء المتوازن الذي نص عليه اتفاق الطائف، يتم تفعيله من خلال استمرار السلطة المركزية في اداء واجبها تجاه المناطق، لان اللامركزية لا تعني تخلي الحكومة المركزية من واجباتها، وهذا الامر ممكن من خلال اللاحصرية التي تقوم على تمثيل المركز في المناطق عبر موظفين تابعين له، كالمحافظين او مكاتب الوزارات في المناطق (الصحة، التربية، الزراعة الخ... ) وايضا من خلال آليات توزيع العائدات المشتركة بين المناطق عبر صندوق خاص يخضع فيه التوزيع الى معايير موضوعة مسبقاً تؤدي الى عدالة في التوزيع وتنمية المناطق الاقل قدرة على التمويل الذاتي. وقد نص مشروع القانون الذي اعد العام 2014 على استحداث صندوق لا مركزي مجلسه منتخب بالكامل ويخضع توزيع العائدات فيه لمؤشرات موضوعة مسبقا. وهذه المعطيات تؤكد استطرادا- وفق هؤلاء القانونيين- ان اللامركزية الادارية والمالية الموسعة لا تعني باي شكل من الاشكال تقسيماً او فيديرالية. وترى مصادر مطلعة على موقف قصر بعبدا، أن ردود الفعل التي صدرت ضد اقتراح الرئيس عون، هدفه "شيطنة" اللامركزية المالية، والقبول باللامركزية الادارية مضيفة ان السجال السياسي شيء والمبدأ القانوني شيء آخر ذلك ان الواقع ان اللامركزية هي دائما ادارية واذا اصبحت سياسية تكون قد انتقلت الى الفيديرالية، وليس هذا هو الواقع في طرح بعبدا، علما ان الصفة التي تعطى للامركزية، اكانت ادارية او مالية غير مهمة، لان العبرة تبقى في مضمون اللامركزية ومدى صلاحيات وحداتها ومدى قدرتها المالية على الاضطلاع بهذه الصلاحيات. وتضيف المصادر ان التوصيف اللفظي لا يقدم ولا يؤخر بقدر ما ان النص التشريعي هو الذي يحسم. "شيطنة " الصفة المالية سياسي وليس منهجيا او علميا، لسببين، على الاقل: الاول لانه لا يمكن تصور لا مركزية فعالة ومنتجة الا اذا اقترنت بعائدات مالية تمكن المجالس المحلية من ممارسة صلاحياتها، وفي غياب تلك العائدات، عبثا نبحث في اللامركزية الادارية.

والثاني لان مالية اللامركزية لا تعني انفصالا عن المركز على الاطلاق، بل تكاملا وتنسيقا وتقاطعا على المستوى التشريعي- الضريبي، مثلا، كما الحال في كل الدول التي اعتمدت نظاما لا مركزيا. هل انفصلت المناطق الفرنسية عن باريس لانها عززت لا مركزيتها بموارد ضخمة؟! الجدل السياسي مؤسف جدا لانه لا يقارب الموضوع منهجيا ولانه يلقي على اللامركزية ما هي براء منه: اللامركزية ليست تقسيما، بل حالة انعاشية للمناطق ضمن وحدة الدولة. اللامركزية المالية ليست سوى جزء من اية لامركزية يراد لها ان تنجح في تنمية المناطق، وهذه التنمية ترتد ايجابا على كامل الدولة، الا اذا كان المطلوب الاستمرار في الاطباق على الحالة المحلية المنتخبة، من خلال استمرار السلطة المركزية في ممارسة استنسابية تكاد تكون مطلقة تجاه تلك الحالة، وفي البلديات المثل الصارخ على كيفية توزيع واردات الصندوق البلدي المستقل والمأزوم واقتطاع مساهمات من البلديات، غالبها غير ارادي.

وتؤكد المصادر نفسها ان الحديث عن اللامركزية المالية تؤدي الى لا عدالة بين المناطق اللبنانية، هو حديث باطل ولا اساس له لان بعض الضرائب ستبقى مركزية، وبعضها الاخر سيكون توزيعه مشتركا بنسب معينة بين المناطق والمركز، فيما بعضها الاخر سيكون من حصة المجالس المحلية، وذلك بصورة مباشرة. والمثال على ذلك، في مشروع القانون الذي هو اليوم قيد المناقشة في المجلس النيابي. فضريبة الاملاك المبنية بكاملها لصالح صندوق مجلس القضاء، لان جغرافية العقار معروفة ولان واردات هذه الضريبة مهمة، ولان نقل بعض الصلاحيات يفترض ان يستتبعه نقل بعض الواردات. اما الرقابة، فيقترح المشروع ان تكون لاحقة وليست مسبقة وان تكون قضائية، لا ادارية. الاهم ان المشروع لا يستحدث ضرائب جديدة، بل يكتفي بنقل بعضها، جزئيا او كليا، من المركز الى المجالس المحلية. ولان السلطة المركزية ستبقى مسؤولة عن اعباء عدة، كالدين العام والبنى التحتية العابرة للمناطق والمرافق العامة الوطنية عموما، فان بعض الواردات ستبقى مركزية، ولو كانت ضمن مناطق محددة، كالنفط والغاز.

وفي مفهوم اللامركزية الادارية والمالية الموسعة، سيتم تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص ضمن اطار قانون الشراكة لاسيما وان بعض المناطق اللبنانية تتمتع بميزات تفاضلية في قطاع معين، وانما تفتقر الى الامكانات التمويلية. كما يمكن اللجوء الى نظام الــ"B.O.T" بعيدا عن الخصخصة. اضافة الى ذلك فإن على الدولة المركزية ان تبقى معنية بمناطقها لان اللامركزية ليست انسلاخاً عن المركز والانماء المتوازن يفترض استمرار السلطة المركزية في اداء دورها على مستوى البنى التحتية العابرة للمناطق وعبر القطاع الصحي والتربوي والمرافق العامة الوطنية مع ضرورة اعتماد التوزيع العادل للواردات الوطنية على المناطق.


تفاوت الجباية وسقوط المساواة

ولا تنفي المصادر ان الرئيس عون ادرك من خلال اطلاعه على التقارير التي ترده من مختلف الادارات ان هناك مناطق تتم فيها الجباية بشكل منتظم، في حين تتعثر الجباية في مناطق اخرى، والنظام المركزي يعتمد مبدأ "وحدة الموازنة " اي ان الجباية تتم من كل لبنان وتدخل الواردات الى خزينة الدولة ومنها يعود ويحصل التوزيع على الوزارات والمجالس والادارات والمناطق، وغالباً ما يخضع للاستنساب في غياب المعايير. لكن في المقابل لا يجوز ان تكون اللامركزية ردة فعل على هذا الخلل فهي تعالجه جزئيا من دون اي شك ولكن تستمر المناطق تمول جزءاً ليس قليلاً من واردات الدولة. من هنا، وفي موازاة اللامركزية، لا بد من العمل على اخضاع الانفاق المحلي من السلطة المركزية لقواعد ومعايير صارمة تؤدي الى انماء متوازن، ومن مصلحة كل الوحدات اللامركزية وحتى المقتدرة منها، ان تكون جارتها الاقرب او الابعد، على قدر من النمو لأن ارتداداتها الايجابية على مستوى الوطن. وتضيف المصادر ان القول إن اللامركزية المالية "تنسف اسس الدولة الموحدة" هو قول مردود علماً ان الدوائر الرئاسية تلقت تقريرا عن ارقام العام 2018  اظهر ان مصدر 39 في المئة تقريباً من الضرائب التي حصلتها الدولة اللبنانية ذلك العام هي محافظة واحدة من المحافظات الخمس، هي جبل لبنان. بالمقابل، ساهم الجنوب بحوالي 10 في المئة من الضرائب، والبقاع باقل من 4 في المئة يعني هذا ان ضرائب قضاء المتن الشمالي وحده (25 في المئة من اجمالي عائدات الضرائب في لبنان) تكاد توازي ضعفي الضرائب المحصلة في الجنوب والبقاع حيث معاقل الثنائي حزب الله- حركة امل. بالمقابل، تنقلب الصورة رأسا على عقب عند البحث في الانفاق. ذلك ان للجنوب حصة الاسد منه، تليه بيروت ثم الشمال، فالبقاع واخيراً جبل لبنان. واوضحت الارقام اعلاه ان الضرائب التي يدفعها جبل لبنان تساوي تقريباً اربع مرات ضرائب الجنوب، لكن الانفاق الحكومي في الجنوب ثلاثة اضعاف الانفاق في جبل لبنان.

في اي حال وبمعزل عن المواقف اللامركزية الادارية والمالية الموسعة، فان الثابت لدى الاوساط السياسية المتابعة ان هذا الملف اصبح ملفا خلافيا ولا يمكن الوصول الى حل بشأنه الا بالتوافق السياسي وهو امر غير وارد في هذه الفترة حيث الخلافات سيدة الموقف، ولا مجال لاي فريق ان يتنازل للفريق الاخر، وزمن التسويات مؤجل الى اشعار آخر قبل اشهر قليلة من الانتخابات النيابية التي سوف تتصارع القوى بعضها مع البعض الاخر بحثاً عن اكثرية يريدها كل فريق لنفسه متناسياً ان في لبنان لا مجال ان ينتصر فريق على آخر الا بدعم خارجي او بقوة السلاح!.



الرئيس ميشال عون يترأس آخر طاولة حوار.

الرئيس ميشال عون يترأس آخر طاولة حوار.

الوزير السابق زياد بارود.

الوزير السابق زياد بارود.