تفاصيل الخبر

عون اختار الحل الوسط بإبقاء الدعوة للحوار مفتوحة وترك التوقيت الى إشعار آخر!!

13/01/2022
الرئيس ميشال عون يستقبل النائب السابق سليمان فرنجية.

الرئيس ميشال عون يستقبل النائب السابق سليمان فرنجية.



عندما وجه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي الى اللبنانيين "رسالة مصارحة" حول الاوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد والتعطيل المتعمد للسلطتين التنفيذية والقضائية، وتعمد الاشارة الى تسلط سلطة على سلطة، وهو يقصد تسلط السلطة التشريعية، رأى أن المدخل الوحيد الممكن لمعالجة القضايا الاساسية والخلافية في البلاد، يكمن من خلال عقد طاولة حوار تتصارح فيها القيادات السياسية اللبنانية قبل فوات الأوان، للوصول الى تفاهم الحد الأدنى الذي يخرج البلاد من النفق المظلم الذي دخلته منذ العام 2019 مع بدء "انتفاضة 17 تشرين" وسقوط المنظومة الحالية ومعها مقومات الاقتصاد الوطني حتى بلغ سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار اكثر من 32 الف ليرة.... وكان الرئيس عون يدرك ان دعوته الى الحوار لن تلقى تأييد الفئات السياسية التي تناصبه العداء وتعمل على تقويض عهده قبل انتهائه في 31 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل. الا انه ظن للحظة ان خطورة المرحلة قد تجعل امكانية التجاوب واردة ولو في حدها الادنى لاسيما وأن العناوين التي وضعها ملحة واساسية ومنها ما هو جديد قديم مثل الاستراتيجية الدفاعية التي  يعود الحديث عنها كلما أراد البعض إثارة مسألة سلاح حزب الله الموصوف بغير الشرعي وتمدد الحزب ودخوله في حروب الجوار من سوريا الى العراق واليمن....

ومع ادراكه باستحالة التوصل الى تفاهم حول الاستراتيجية الدفاعية، الا ان الرئيس عون وضع بندين ملحين، الاول، برنامج التعافي المالي والاقتصادي الذي لم تتوصل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الى اقراره بعد على رغم الحاح القيمين على صندوق النقد الدولي على انجازه كي يتمكن من المباشرة في التفاوض حوله مع السلطات اللبنانية، وبند اللامركزية الادارية والمالية الموسعة التي يعتبرها الرئيس عون المدخل الاساس لتطوير النظام والحد من الطروحات المعتبرة تقسيمية مثل الفيديرالية وغيرها، والتي وردت في وثيقة الوفاق الوطني وظلت مثل غيرها من البنود الاصلاحية اسيرة النسيان المقصود لاسباب مختلفة. لقد هدف عون من ادراج هذه البنود محاولة الوصول الى تفاهم حولها، لانه يعلم انه باستثناء برنامج التعافي المالي والاقتصادي لن يكون من السهل التوصل الى اي خلافات آنية للموضوعين الآخرين، بل سيبقى البحث معلقاً فيهما الى مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة وربما الى ما بعد انتهاء عهده!.

الا ان عون قرر خوض التحدي وهو كان يعرف نتائجه سلفاً، فلم يفاجأ بامتناع الرئيس سعد الحريري عن الحضور ولا رفضه انتداب من يمثل الكتلة السنية الاكبر في مجلس النواب على رغم انه اتصل به هاتفياً بعد طول انقطاع ودعاه الى المشاركة فأتاه الجواب بالاعتذار فوراً من دون حتى ان يأخذ الحريري وقته للتفكير ولو شكلياً. كذلك لم يكن واثقاً من ان رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع سوف يتجاوب مع دعوته بعد الخلافات الكبيرة التي تعصف بين الرئاسة الاولى "والتيار الوطني الحر" ورئيسه النائب جبران باسيل من جهة، وبين معراب من جهة اخرى، لكن - اي عون - لم يتوقع الا يرد جعجع على اتصاله الهاتفي، بل ترك لنوابه واعلامييه مهمة الحديث عن رفض "القوات" الحوار، تاركا لنفسه، بعد انتهاء اللقاءات التشاورية ان يصدر بياناً يصف دعوة رئيس البلاد بـــ"الملهاة" و"تضييع الوقت" وغيرها من العبارات التي استعملها في معرض رفضه الدعوة الى الحوار. اما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كان رحب بالدعوة الى الحوار مفضلاً تفعيل مجلس الوزراء اولا، عاد واعتذر عن عدم الحضور مشيراً الى ان طاولة الحوار "لن تخرج بنتيجة" وان الاجدى هو اجتماع الحكومة، لافتاً الى ان الامتحان الحقيقي يكمن في التعاطي مع المؤسسات الدولية وصندوق النقد الدولي. واعتبر جنبلاط ان المهم يبقى وقف انهيار البلد وهذه بالدرجة الاولى مسؤولية مجلس الوزراء الذي يجب ان يجتمع فوراً....

وفيما الانظار متجهة الى المدعوين الذين قبلوا دعوة الرئيس عون الى استمزاج ثنائي لآرائهم قبل توجيه الدعوة العامة الى الحوار، كانت مفاجأة رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية الذي حضر الى بعبدا ملبيا دعوة عون، لكن اعتذر عن عدم حضور الحوار لانه سيكون بين فريقين مختلفين، في حين رأى فرنجية ان الموجودين على الطاولة سيكونون من توجه واحد ورؤية واحدة وخط سياسي واحد. واللافت ان زيارة فرنجية الى بعبدا، وهي الاولى منذ وقت طويل، لم تمر من دون عتب كبير من فرنجية على المواقف التي اتخذها الرئيس عون وصهره النائب باسيل حيال زعيم "المردة" شخصياً والقاعدة التي يمثلها عموماً. وفي هذا الاطار نقل نائب شمالي ان فرنجية كان في "منتهى الصراحة" في حديثه مع عون عما تعرض له خلال عهده الرئاسي من "إبعاد" و"تهميش" و"تكسير" وغيرها من الممارسات التي يبدو انها تحفر عميقاً في نفس الزعيم الزغرتاوي، وبالتالي فان المشاركة في طاولة الحوار لم تكن واردة لديه مطلقاً وإن كان ابلغ رئيس الجمهورية انه يوافق على ما سيصدر عن طاولة الحوار من توصيات لانها صادرة عملياً - حسب فرنجية - عن جهات من الخط السياسي نفسه والتي تعتقد في الامور الاستراتيجية انها متجانسة ومتوافقة.

وهكذا امتنع اربعة من الاقطاب عن الحضور، فيما ابلغ الرئيس نجيب ميقاتي انه سيحضر الى طاولة الحوار بصفته رئيس الحكومة وليس كممثل للسنة السياسية على اساس ان التمثيل الشعبي السني موجود لدى الرئيس الحريري المقاطع للحوار وانه يرغب في ان يكون بند خطة التعافي الاقتصادي هو الابرز في البحث لأنه يحتاج الى غطاء سياسي كي تتمكن الحكومة من تبنيه. لكن ميقاتي، كما قال مطلعون، لم يبد حماسة في حضور الحوار وإن كان كرر انه اذا اتى فسيكون ذلك بصفته الحكومية وليس اكثر من ذلك.... والبرودة نفسها ظهرت لدى الرئيس نبيه بري الذي لم يحضر الى بعبدا للتشاور ثنائياً مع الرئيس عون واكتفى بالتواصل الهاتفي غير المباشر، ليبرر في اليوم التالي ان حضوره كرئيس للمجلس وزعيم لحركة "امل"، يتأمن اذا كان المشاركون من الصف الاول، علماً ان ثمة من قال بأن هذا الشرط قد يعني عدم حضور بري شخصياً، لانه كان يعرف سلفاً ما ستكون عليه مواقف الاطراف الاخرين ومستوى تمثيلهم. كل ذلك في وقت وافق على الحضور مع بعض الاقتراحات الاضافية، محمد رعد عن "كتلة الوفاء للمقاومة" وطلال ارسلان عن "كتلة ضمانة وحدة الجبل" وفيصل كرامي عن "اللقاء التشاوري" واسعد حردان عن الكتلة القومية واغوب بقرادونيان عن كتلة نواب الارمن وجبران باسيل من "تكتل لبنان القوي". وبذلك يتوزع الحضور عملياً على رئيسي المجلس والحكومة بصفتيهما الرسميتين، فيما يشكل حضور الباقين، حضوراً لفريق واحد ومن خط سياسي واحد.

هذا الواقع سيجعل الحوار، اذا حصل، حواراً بين حلفاء ليس بينهم اي خلاف سياسي، وان كانت لديهم وجهات نظر مختلفة حول اولوية المواضيع الواجب طرحها على طاولة الحوار، ما يعني عمليا عدم الوصول الى ما كان يتمناه رئيس الجمهورية من دعوته الحوارية، اي الاتفاق على خطة انقاذية تتناول المواضيع التي تهم اللبنانيين وتشكل بالنسبة اليهم نقاطاً خلافية لا بد من توحيد الرأي حيالها. وترى مصادر معارضي الحوار انه من غير الوارد كان القبول بالحضور لأن الهدف من هذه الطاولة - حسب اعتقادهم - تعويم العهد في ايامه الاخيرة و "تلميع" صورة النائب باسيل الذي بدا في الآونة الأخيرة "معزولاً" سياسياً، ومثل هذين "التعويم" و"التلميع" ليسا واردين في حساب المعارضين الذين ينادون، كل من موقعه، بضرورة "إسقاط العهد" او على الأقل عدم تمكينه من تحقيق اي "انجاز" سياسي او اقتصادي او اجتماعي في ما تبقى من اشهر ولايته. وثمة من رأى بأنه من الافضل تأجيل انعقاد الحوار الى ما بعد الانتخابات النيابية لقناعة لدى هذا الفريق بأن الاستحقاق الانتخابي سوف يحمل جديداً في المشهد السياسي اللبناني، علماً ان هذا الامر غير مضمون بالمطلق وإن كانت ستحصل مفاجآت في بعض الدوائر الانتخابية في عدد من المناطق اللبنانية.

وسط هذه الاجواء، ثمة من نصح رئيس الجمهورية بالاستمرار في الدعوة الى طاولة الحوار "بمن حضر" لانه من غير الجائز تجاهل دعوة رئيس الدولة من جهة، او تسجيل نقطة ضعف على حسابه، علماً ان لا نتائج عملية ستصدر عن هذا اللقاء غير صورة تجمع حلفاء في غياب خصوم سياسيين بعضهم متحالف مع الاخر، ومع آخرين موجودين على الطاولة مثل الرئيسين بري وميقاتي. ويرى آخرون انه من الأنسب العمل على تأمين توافق لرفع سيف التعطيل عن مجلس الوزراء، وعودة السلطة التنفيذية الى العمل بشكل طبيعي، بدلاً من "تضييع" الوقت في لقاءات حوارية لا فائدة عملية منها. وبدت الصورة بعد انتهاء المشاورات الثنائية أن الرئيس عون امام خيارين كلاهما مر بالنسبة اليه، الاول المضي في الدعوة الى الحوار "بمن حضر" ومن دون نتيجة ما سيشكل نكسة سياسية كبيرة له، والثاني تأجيل الحوار الى وقت لاحق، وفي ذلك ايضاً انتكاسة للعهد في أشهره الأخيرة.... بالمختصر الخيار بين "نكسة" و"انتكاسة"، والخسارة في الحالتين واحدة!.

ويبدو أن الرئيس عون اختار الحل الوسط، اذ أبقى الدعوة للحوار مفتوحة، وترك التوقيت الى إشعار آخر!!

وأعضاء" اللقاء التشاوري".

وأعضاء" اللقاء التشاوري".

والنائب جبران باسيل.

والنائب جبران باسيل.

والنائب محمد رعد.

والنائب محمد رعد.