تفاصيل الخبر

هل يؤدي تكرار التعرض لـــ "اليونيفيل" الى تعديل مهامها... أو انسحابها من الجنوب؟!

12/01/2022
الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتييريس" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.

الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتييريس" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.


 عندما زار الأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو غوتييريس" بيروت الشهر الماضي في "زيارة دولة"، وفق التوصيف الذي أعطي لها، طرح من جملة المواضيع التي أثارها مع المسؤولين اللبنانيين، وضع القوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل" وما وصفه بــ "المضايقات" التي تتعرض لها دوريات هذه القوات من حين الى آخر خلال تنقلها داخل القرى والبلدات الجنوبية التي تنتشر فيها بموجب قرارات مجلس الأمن وآخرها القرار 1701، لافتاً الى ان مثل هذه "المضايقات" تطرح علامات استفهام كثيرة حول مستقبل عمل "اليونيفيل" ودورها في تطبيق القرار 1701. وقال "غوتييريس" بصراحة لافتة للمسؤولين اللبنانيين، إنه في كل مرة من كل سنة، يثير عدد من ممثلي الدول الاعضاء في مجلس الامن ما يصفوه بــ "العراقيل" التي توضع امام القوات في عملها ضمن منطقة انتشارها، ويطالب هؤلاء بتعديل مهامها واعطائها المزيد من الصلاحية وحرية التنقل وغيرها من المطالب التي تعني عملياً تعديلاً للقرار 1701. الا ان هذه المحاولات التي تتكرر في كل سنة يجري خلالها البحث في التمديد، يتم الحد من تأثيراتها السلبية بالتعاون مع فرنسا التي يتولى مندوبها الدائم في الامم المتحدة صياغة مشروع قرار التمديد فيسقط منه العبارات التي يمكن ان تفسر بأنها تشكل تعديلاً لمهام "اليونيفيل".

الا ان "غوتييريس" كان صريحاً مع المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم وكأنه يقول لهم "مش كل مرة بتسلم الجرة" بمعنى ان الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة الاميركية وعدد من الدول المؤيدة لها، قد ينجح في النهاية في الوصول الى مراد هذه الدول لجهة اعادة النظر بدور "اليونيفيل" وحدود صلاحياتها، وهو امر لا يستسيغه لبنان ولا ترحب به قيادات حزبية في مقدمها حزب الله وهو سيخلق توتراً في المنطقة الجنوبية التي عرفت هدوءاً لافتاً منذ ما بعد حرب تموز (يوليو) 2006. واكمل "غوتييريس" مداخلته مطالباً بوجوب وضع حد لحوادث التعرض للقوات الدولية لأن ذلك من مصلحة لبنان والاستقرار في الجنوب والمنطقة اذ تكفي النار المشتعلة في الدول المجاورة للبنان، ولا حاجة بالتالي لاحداث اضطراب في المنطقة الجنوبية لأن تداعياته خطيرة وغير مضمونة. تحدث "غوتييريس" انطلاقاً من رغبته في المساعدة على ابقاء الامن والاستقرار جنوباً، وقال انه صادق في ما يقول لأنه يحب لبنان واللبنانيين ولا يريد لهم المزيد من المعاناة والخوف والقلق، مستعملاً عبارات خلاصتها ضرورة قيام علاقة اكثر تنسيقاً وتعاوناً بين "اليونيفيل" والجيش اللبناني مما هي عليه الآن تراعي قواعد عمل "اليونيفيل" من جهة، و"خصوصية" البلدات والقرى مع وجود العديد من ابنائها المنتمين الى حزب الله فيها.

 لم يشأ يومها "غوتييريس" ان يتوسع اكثر في كلامه عن هذه المسألة الحساسة والدقيقة، الا انه كان صريحاً معتمداً الايجاز المباشر في الكلام، و"النصح الصادق" الذي لا مواربة فيه لأنه يدرك الخلفيات التي تحيط بمواقف بعض الدول الكبرى وتلك المشاركة في "اليونيفيل" والتي تعرض رجالها اكثر من مرة اما للاحتجاز او للضرب او لاعاقة تحركهم من قبل "الاهالي" الذي تعني بالنسبة الى القوات الدولية انصار حزب الله والتي باتت قيادة "اليونيفيل" تسميهم "قوى الامر الواقع" والغريب ان كلام "غوتييريس" لم يقابل من المسؤولين اللبنانيين بالاهتمام الذي يستحق وكان الجواب ان التنسيق قائم بين الجيش اللبناني المنتشر في بقعة العمليات الدولية وبين "اليونيفيل" ولا بد من تعزيزه وتطويره منعاً لحصول اي مواجهات بين الجنود الدوليين و"الاهالي" او من يقف وراءهم. وتقول مصادر دولية تابعت زيارة "غوتييريس" ان الامين العام للامم المتحدة يعرف دقة التركيبة اللبنانية منذ كان يأتي الى لبنان من سنوات، ويعرف تحديدا خصوصية وضع "حزب الله" ومقاتليه المنتشرين جنوبا في البلدات الواقعة تحت القرار 1701 وهو اراد من خلال كلامه ان "ينبه وينصح ويأمل" لعلمه بان هذا الملف سيبقى مفتوحا وقد يشهد مفاجآت لن تكون في مصلحة لبنان والاستقرار فيه اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

بين شقرا وبنت جبيل

لم تمض ساعات على كلام "غوتييريس" حتى وقع حادث في بلدة شقرا مع دورية دولية ومجموعة من "الاهالي" وكان الامين العام للامم المتحدة ما زال على الارض اللبنانية. ثم تكرر حادث مماثل قبل ايام في بنت جبيل من خلال "اشكال" وقع داخل السوق التجاري للمدينة وعدد من "الاهالي" ليضاف الى عشرات الاشكالات المماثلة في قرى وبلدات جنوبية كانت حينا عابرة واحيانا اخرى تتصف بالمواجهات. صحيح ان الجيش سارع الى معالجة ما حصل، كما كان يفعل في كل مرة، لكن الجديد هذه المرة كان الاسلوب الذي اعتمدته القيادة الدولية في الحديث عن "اعتداء" بنت جبيل ووصفها ما حصل بــ "الفعل المنظم" وطالبت بفتح تحقيق "شفاف" في هذا الحادث وخلفياته ومحاسبة المسؤولين والفاعلين، علما ان اجواء حادثة بنت جبيل وصلت الى نيويورك التي اعطت تعليمات للقيادة الدولية في الناقورة بالتشدد في متابعة ما حصل ورفع منسوب الاحتجاج مع استعمال عبارات لم تكن مألوفة في مثل هذه الحوادث التي كانت تحصل سابقا الامر الذي دعا الاوساط الرسمية والسياسية اللبنانية على حد سواء الى التنبه والتساؤل حول اسباب هذا التغيير في اللهجة الاممية، مع الاقرار بأن ما حصل من تحطيم للمعدات والاليات التي كانت في حوزة الجنود اللبنانيين ليس بالامر العابر والبسيط. وبصرف النظر عن الروايات المتناقضة التي ترددت حول ما حصل مع العسكريين الدوليين الذين كانوا يلتقطون على ما يبدو صوراً للسوق التجاري لبنت جبيل ما اثار ريبة "الاهالي" الا ان تكرار هذه الحوادث ولغة بيان القيادة الدولية، جعلا الاعتقاد يغلب بأن وراء الاكمة ما وراءها خصوصا ان دوريات "اليونيفيل" تنفذ يوميا 450 دورية في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني لا يستطيع الجيش اللبناني مواكبة الا 8 في المئة منها مع ارتفاع تكلفة الوقود وصيانة الاليات، وهذا العائق اللوجستي اثير في آخر جلسة عقدها مجلس الامن للاحاطة حول تطور تنفيذ القرار 1701 ما جعل المجلس يوافق على قيام "اليونيفيل" بدعم الجيش بالوقود.

واعتبرت مصادر رسمية ان ما حصل مع القوات الدولية يحتاج الى معالجة سريعة وفاعلة هذه المرة لأن المعالجات السابقة لم تكن على المستوى المطلوب امميا، اضافة الى ان المخاطر تزداد ولهجة القيادة الدولية اختلفت لاسيما عندما دانت من سمتها "الجهات الفاعلة التي تتلاعب بسكان المنطقة خدمة لاغراضها"، وفي تلك العبارة اشارة واضحة الى ان من يسمون عادة بــ "الاهالي" ليسوا سوى انصار حزب الله، علما ان القيادة الدولية تميز بين الاهالي الذين تقيم معهم علاقات صداقة وتعاون، وبين مقاتلي الحزب ولو كانوا من سكان هذه البلدات والقرى الجنوبية الحدودية. لذلك كان صوت القيادة الدولية مرتفعا هذه المرة في المقاربة الاعلامية لما حصل لاسيما من خلال التشديد على ان الجنود الدوليين "يتمتعون بحرية الحركة الكاملة في منطقة العمليات وفي الواقع في جميع انحاء لبنان في اطار اتفاقية وضع القوات مع الحكومة التي كرست ذلك في التشريعات الوطنية التي تعود الى ما يقرب من 30 عاما وتعتبر حرية الحركة مطلبا بموجب قرار مجلس الامن الدولي 1701 وتكررت  في القرارات اللاحقة. وبينما تحترم حريتنا في الحركة في معظم منطقة عملياتنا، فاننا نواجه قيودا فقط في قرى قليلة في حين  ان "اليونيفيل" لا تحتاج الى مرافقة من الجيش عند اداء مهامها، لكن  يتم اطلاعها على كل دورية قبل ان تبدأ"، ورفعت القيادة الدولية من حدة اعتراضها بالقول "إن ما يرويه "الاهالي" فيه من الاكاذيب والمعلومات المضللة الشيء الكثير لانه في بعض الاحيان يكون الجنود الدوليين هم من يتم رصدهم وتصويرهم وليس العكس (....) ولا بد من وضع حد لهذه الجرائم وهي من مسؤولية الدولة اللبنانية".

تعديل مهام "اليونيفيل" وارد

مصادر مطلعة رأت في كلام قيادة "اليونيفيل" اشارات واضحة الى ان السكوت عن "الاعتداءات" على الجنود الدوليين لن يستمر، وان الحديث عن تعديل في منطوق القرار 1701 لن يبقى مجرد طروحات تتكرر مع كل تجديد لـــ "اليونيفيل" في شهر آب (اغسطس) من كل سنة، وفي مقدم هذه التعديلات السماح للقوات الدولية بالعمل والتحرك بمعزل عن الجيش اللبناني واعطاء الجنود الدوليين حق الدفاع عن النفس في حال تكررت الاعتداءات عليهم وغيرها من النقاط التي لا يزال لبنان يتحفظ على بعضها ويرفض البعض الاخر، اذ انه يقرأ في القرار 1701 تأكيده على امرين: الأول يُحظر على هذه القوّة التحرّك خارج بقعة عملياتها المنصوص عليها في متن القرار نفسه (جنوبي الليطاني). والثاني يوجب القرار على "اليونيفيل" ألّا تحرّك دورياتها خارج مقارّها الثابتة إلّا بعد أن تأخذ الإذن من قيادة الجيش في وحدة الارتباط معهم. ويرى البعض أن جوهر القرار 1701 نصّ على أن "اليونيفيل" هي قوّة مؤازرة للجيش الذي هو سيّد الموقف تماماً. لذا يُحظر على هذه القوة أن تبادر الى القيام بمهمّات مستقلة. وثمة خشية من احتمال وقوع حوادث من شأنها جعل العلاقة الطبيعية القائمة منذ زمن بين أهالي الجنوب والقوة الدولية مشحونة بالتوتر والاحتقان خصوصاً أن الجهات المعنيّة والسلطات المحلية في تلك البقعة أي البلديات والمخاتير ولجان الأهل وقوى سياسية تعتزم التصدّي حكماً لأيّ محاولات يشتمّون منها تجاوز منطوق القرار 1701 من جهة وانتهاك خصوصيات المجتمع الجنوبي من جهة أخرى.

غير ان مصادر لبنانية مسؤولة ترى ان الحديث الذي يتكرر في كل مرة عن قيام الجنود الدوليين بالتصوير لم يعد مقبولا ولا هو صحيح لان الوقائع تظهر في كل مرة ان اعتراض عمل دوريات "اليونيفيل" يأتي من شبان يلاحقون تحركات القوات الدولية في تنقلاتها وهؤلاء باتوا يعرفون بـــ "راكبي الدراجات" الذين يتنقلون من مكان الى آخر وفق تحرك الاليات الدولية ويعترضون طريقها عند الحاجة، وبالتالي فإن ما حصل مع الفرقة الفنلندية في بلدة شقرا والفرقة المجرية في بنت جبيل لم يكن سببه القوات الدولية لاسيما ان لا مصالح او اطماع سياسية لفنلندا او المجر في لبنان ما يجعل الاعتداء على الدوريتين عملا مستغربا. وتجدر الاشارة الى ان ثمة من يعتقد ان ما يحصل مع دوريات "اليونيفيل" يندرج في خانة الرسائل السياسية الموجهة للامم المتحدة والتي تقول ان على "اليونيفيل" ان "تتعايش" مع حالة الامر الواقع في جنوب الليطاني وان اي محاولة لتعديل مهماتها ستواجه كما وجهت في شقرا وبنت جبيل وبالتالي من غير المسموح تعديل هذه المهمة.

وتسأل المصادر نفسها هل وصل الى مسامع المعنيين بما يجري في الجنوب مع القوات الدوليين، ما قاله غوتييريس الى المسؤولين عن مخاوفه على مستقبل دور القوات الدولية في الجنوب ومواقف الدول الكبرى في مجلس الامن من استمرار الاعتداءات عليها؟


دورية دولية لليونيفيل في الجنوب والأهالي يعترضون.

دورية دولية لليونيفيل في الجنوب والأهالي يعترضون.

دورية مشتركة بين الجيش اللبناني و"اليونيفيل".

دورية مشتركة بين الجيش اللبناني و"اليونيفيل".