تفاصيل الخبر

10 سنوات مرت على بدء النزوح السوري ولا مؤشرات بأن العودة... قريبة!

24/03/2021
نازحون سوريون في طريقهم الى بلادهم عند نقطة المصنع الحدودية.

نازحون سوريون في طريقهم الى بلادهم عند نقطة المصنع الحدودية.

 مع انتصاف شهر آذار (مارس) 2021، يكون قد مرّت عشرة أعوام على الحرب في سوريا التي لم تترك تداعياتها السلبية على سوريا وحدها، بل "أكل" لبنان نصيبه منها بفعل نزوح ما يزيد عن مليون و 800 ألف سوري الى لبنان هرباً من مخاطر الحرب ومضارها، ناهيك عن ملايين آخرين نزحوا الى تركيا والأردن والعراق، وهذه الدول، مثل لبنان، فتحت أبوابها لاستقبال النازحين لاعتبارات إنسانية وفي اعتقادها أن الحرب السورية لن تطول، وسيعود النازحون الى ديارهم.... إلا أن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر، فامتدت "إقامة" هؤلاء النازحين الى عشر سنوات، لا بل أن اعدادهم صارت تزداد يوماً بعد يوم وأثروا سلباً على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية الخ... صحيح أن هذه التأثيرات شملت كل الدول التي استضافت نازحين سوريين، إلا أن التداعيات الخطيرة التي برزت في لبنان المنهك اقتصادياً ومشرذم اجتماعياً ومنهار مالياً، جعلت فاتورته الأغلى، بالنظر الى الوضع المهترىء، فضلاً عن طبيعة تكوينه الجغرافي والديموغرافي.

وفيما تظهر الأيام والأشهر والسنوات، أن موضوع عودة النازحين السوريين الى ديارهم، لا يزال بعيد المنال لاعتبارات عدة أبرزها عدم دعم المجتمع الدولي هذه العودة تحت حجة استمرار القتال في منطقة واحدة من سوريا، على رغم انتهائه في معظم المناطق السورية التي باتت آمنة، إلا أن ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها أن ملف النازحين السوريين سيبقى معلقاً لاستثماره في البحث عن حل سياسي للأزمة السورية، وهو حل لا يزال هو الآخر موضع تجاذبات وخلافات دولية وعدم الوصول الى تطور مقبول ومعقول، علماً أن الحديث يشتد عن "تغييرات" ستحصل في سوريا ولن تنجو منها دول الجوار....

 في أي حال، ما يعني لبنان أن النزوح السوري بات في رأي خبراء سياسيين، أقرب الى الوجود الاقتصادي منه الى الاسباب الامنية، والدليل أن عدداً كبيراً من النازحين يزور سوريا مرات عدة في السنة، وبالتالي فإن من اعتاد العيش في لبنان لن يعود الى مدن وبلدات مدمرة من دون أي أفق لإعادة الإعمار. والأخطر من هذا كله أن هناك جيلاً ولد في لبنان وكبر ولا يعرف شيئاً عن سوريا وبات يرى طريقة العيش مختلفة عن بلاده، وهذا الجيل قد يفكر مع الوقت بالهجرة الى الغرب لكنه بالطبع لن يعود للعيش كما عاش آباؤه وأجداده. 

 كل تلك العوامل تدفع العدد الاكبر من السوريين الى البقاء في لبنان على رغم اشتداد الأزمة الاقتصادية. خصوصاً أن لبنان يدفع ثمن أزمة سوريا، والوضع في سوريا ليس أفضل حالاً لأن الانهيار يقع هناك ايضاً والدولار يحلق على رغم كل التدابير القمعية التي يتخذها النظام السوري، ومحاولة حلفائه في لبنان وعلى رأسهم "حزب الله" مده بالمواد المدعومة ولعل ما يجعل الأمل بعودة النازحين السوريين الى بلادهم ضئيلاً، ما ينقله سفراء دول وزوار أجانب (قبل انتشار جائحة كورونا) أبلغوا لبنان رسمياً بأن دولهم تتفهم معاناة اللبنانيين في تحمل أعباء النزوح، إلا أنها غير قادرة على فعل شيء في الوقت الحاضر ويطرح عدد من السفراء أمام مسؤولين لبنانيين استحالة العودة في ظل عدم رغبة عربية وأوروبية وأميركية في تمويل مشروع إعادة إعمار سوريا، ما يدفع المنظمات الدولية الى الاستمرار بمساعدة النازحين في لبنان ودول الجوار السوري وعدم طرح حل جذري بإعادتهم وتقديم العون لهم في بلادهم وتلعب روسيا دوراً محورياً في المساهمة في حل هذه الأزمة، لكن الروس يؤكدون أن عودة النازحين تبدأ من إبرام تسوية سياسية كبرى في المنطقة تشارك فيها جميع الأطراف الفاعلة في الأزمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وينتج عنها مؤتمر دولي لإعادة الإعمار وتأمين التمويل اللازم، عندها تبدأ حكماً مسيرة عودة النازحين الى بلادهم.

التحويلات المالية

في المقابل، ثمة من يتحدث عن "فوائد" حققها لبنان من موضوع النزوح تتعلق بالتحويلات المالية التي أتت من الخارج والمخصصة للنازحين السوريين والتي تقدر مصادر مالية أن قيمتها منذ العام 2011، بلغت 7.9 مليارات دولار أميركي أي ما يوازي 67.4% من تحويلات حساب رأس المال و 29.8% من صافي تحويلات المغتربين اللبنانيين التي ترد الى لبنان. ويقول اقتصاديون إنه يترتب على وجود هؤلاء السوريين في لبنان كلفة مرتبطة باستهلاك سلع مستوردة صارت اليوم مدعومة بالدولارات القليلة الباقية التي يملكها مصرف لبنان، لكن هذا لا يعني بأي شكل من الاشكال أن هذه التحويلات لم تتحول مع الوقت الى عامل تغذية للنظام المالي، ولا يعني أيضاً أن الدولة لجأت دائماً الى استغلال نزوحهم الى لبنان من أجل تسول المزيد من الدولارات، لكنها لا تزال عاجزة عن اتخاذ قرار بشأن التعامل معهم.

ويقول البنك الدولي في ورقة عمل أعدت بعنوان "تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للأزمة السورية في لبنان" إن كلفة النازحين السوريين على الخزينة اللبنانية بلغت في الأعوام ما بين 2012 و 2014 نحو 1.1 مليار دولار في الفترة نفسها، جرى تحويل اكثر من 1.7 مليار دولار مساعدات لهؤلاء النازحين. في الواقع، كانت الحكومة اللبنانية تتعامل مع وجود النازحين السوريين باعتباره عبئاً كبيراً القي على عاتقها. استعمل هذا الأمر في مفاصل كثيرة من أجل تسول الدولارات، وخصوصاً أنه في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ 2016، بدأت تلوح في الأفق أزمة مالية بعدما اضطر مصرف لبنان الى أن يعزز موجوداته بالعملات الأجنبية من خلال "الهندسات" وفي السنوات الماضية، لم يوفر لبنان فرصة من أجل الحصول على الدولارات على حساب السوريين، مشاريع التعليم، مشاريع الطبابة، المساعدات المباشرة عبر البطاقات التموينية.... نفذ الكثير من المشاريع في لبنان عبر مفوضية اللاجئين، وجهات أخرى .

ويضيف هؤلاء الاقتصاديون: لم يستفد الاقتصاد اللبناني من الوجود السوري بشكل فعال، فالاستثمارات الصناعية السورية الهاربة لم تستطع أن تجد ملاذاً آمناً لها في السوق اللبنانية، فحرم قطاع الصناعة من فرصة تطوير بعض الصناعات، وحرم ميزان المدفوعات من فرصة دخول استثمارات جديدة، وتحولت العمالة السورية الآتية حديثاً، وهي عمالة ماهرة نسبياً ويمكنها أن تنافس بعض الوظائف اللبنانية، الى عمالة منافسة ترتب أعباء وضغوطاً أكبر على السوق المحلية.

يمثل النازحون السوريون في لبنان نحو 1.4 مليون شخص، أي نحو ربع عدد المقيمين، ورغم أنهم رفعوا معدلات الاستهلاك والانتاج، ورغم التدفقات المالية التي أتت الى لبنان باسمهم إلا أن الاقتصاد اللبناني لم ينمُ سنوياً باكثر من نسبة 1% الى 2% وتعود هذه الزيادة الطفيفة، بشكل رئيسي الى زيادة الاستهلاك الخاص بنسبة 18.2% خلال الفترة الممتدة بين 2012 و 2017 وكذلك زيادة استيراد السلع بنسبة 14.7% لكن انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12% في المتوسط. النصيب الأكبر من الانخفاض كان للنازحين السوريين وباقي الفقراء اللبنانيين والجنسيات الأخرى.

اليوم يصنف السوريون فقراء، مثلهم مثل كل اللبنانيين الذين وقعوا في بطن الفقر بعدما انهارت مداخيلهم وسطت المصارف على مدخراتهم قد يكون السوريون سباقين في النزول نحو الفقر، والفقر الغذائي، فهم أصلاً أنفقوا مدخراتهم في الانتقال والاستقرار في لبنان، صرفوا هذه المدخرات المادية، وتلك غير المادية مثل الذهب وسواه، كل ذلك كان يحصل على مدى السنوات الماضية، ويرى مطلعون أنه سيكون للنازحين السوريين دوافع أقل للعودة الى سوريا إذا استمروا في تلقي المساعدات "الانسانية" من الخارج .

وهذا ما يدفع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى المطالبة دائماً بعودة السوريين الى الأماكن الآمنة في بلادهم لأن قدرة لبنان على احتمال وجود مليون و800 الف نازح لن تعود ممكنة نظراً للوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به لبنان حالياً والمرجح أن يستمر سنوات....