تفاصيل الخبر

وقع الطلاق بين عون والحريري والبلاد أمام أزمة حكم.... أو أزمة نظام!

24/03/2021
اللقاء الـ 18 بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري.

اللقاء الـ 18 بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري.

 باختصار كلي: لا حكومة برئاسة سعد الحريري حتى إشعار آخر، وحكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب كتب عليها أن تستمر في تصريف الاعمال حتى اشعار آخر ايضاً، لكن امر تفعيلها وصولاً الى دفعها الى عقد جلسات لمجلس الوزراء، ليس محسوماً بعد، بل يحتاج الى المزيد من الجهود والمساعي والضغوط على الرئيس دياب ليقبل الدعوة الى جلسة لمجلس الوزراء تدرس الموازنة على الاقل وتقرها وتحيلها الى مجلس النواب.

 باختصار كلي، دخل لبنان نفقاً مظلماً لن يكون من السهل معرفة موعد الخروج منه على رغم النداءات الدولية والدعوات للقيادات اللبنانية كي تلتقي على الحد الادنى وتقبل بتشكيل الحكومة العتيدة والتي كان آخرها كلام دقيق لوزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان حذر فيه من تمادي لبنان في الانهيار داعياً دول الاتحاد الى مواجهة هذا الواقع بدلاً من التفرج عليه.

 وصول لبنان الى هذا الوضع الحكومي المذري ينذر بأزمة حكم لا مفر منها إذا ما استمر رئيس الجمهورية على موقفه غير المعلن رسمياً بعدم رغبته بالتعاون مع الرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة، وإذا ما استمر الرئيس المكلف على تمسكه بالصيغة التي قدمها من دون "زحزحة" أي حرف فيها خلافاً لما كان يعلنه، والذي أدى يوم الاثنين الماضي الى كشف الاوراق وانهيار كل المحاولات التي بذلت على أكثر من خط لتدوير الزوايا والوصول الى صيغة مقبولة من الرئيسين عون والحريري.... لكن رغبة الوسطاء كانت في مكان ونيات الرئيسين في مكان آخر ما يعني عملياً أن إمكانية التلاقي بين الرجلين تحتاج الى أعجوبة.... وزمن الأعاجيب ولى!.

 لعل العودة الى مسار الاتصالات التي كانت قائمة يكشف أن الهوة كانت تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم بين بعبدا وبيت الوسط. وفي كل يوم كانت حجة اضافية تظهر لتعرقل عمل "سعاة الخير" وأبرزهم المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي "زرع" الارض ذهاباً واياباً بين بعبدا وبيت الوسط وعين التينة، وصولاً الى حد خرق "الجمود القاتل" و"المراوحة" في عملية التشكيل من خلال الكلمة التي وجهها الى اللبنانيين ودعا فيها الرئيس الحريري الى المجيء الى قصر بعبدا للبحث في تشكيل الحكومة "وإذا ما كنت تشعر بأن لسبب أو لآخر أنت عاجز او غير قادر على تشكيل الحكومة ينبغي أن تفسح في المجال لكل قادر غيرك". هذه اللهجة غير المألوفة في التخاطب بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف أزعجت الرئيس الحريري التي اعتبرها "استفزازية " وتضامن معه رؤساء الحكومة السابقين الذين اعتبروا أنه ليس من حق رئيس الجمهورية مخاطبة الرئيس المكلف بهذه الطريقة، ومع ذلك "تجاوز" الحريري ملابسات الدعوة عبر شاشة التلفزيون، وصعد الى قصر بعبدا ومعه صيغة الحكومة التي كان اقترحها في اول مشوار التكليف والتي لم يرضَ بها الرئيس عون.

الجلسة بين الرجلين استغرقت 50 دقيقة، وكان الحريري فيها هادئاً ورئيس الجمهورية مستوعباً ما يرمي إليه الحريري من افكاره لاسيما وأنه لم يشأ أن يحدث أي تبديل في الصيغة القديمة التي اقترحها مع "حلحلة" جزئية لجهة قبوله تغيير اسم او اسمين "اذا ما رغب فخامته بذلك" لكن المسألة بالنسبة الى الرئيس عون أعمق من ذلك وتتجاوز تشكيلة الاسماء.

قال الرئيس عون للرئيس الحريري: "أنت ملم بأصول تشكيل الحكومات وإدارة السلطة في لبنان، وهذه مسألة لها اصولها وقواعدها. نحن في بلد يقوم على الميثاقية وهي شراكة بين الطوائف، وأنا في هذه الشراكة أمثل رئيس الدولة ورمز السيادة والمؤتمن على الدستور على المستوى الوطني، كما أمثل الجانب المسيحي في الميثاقية. فيا دولة الرئيس تفضل وشاور عقلك ومن تريد، وعد بصيغة حكومية تعتمد على الآتي: تحديد الحقائب الوزارية بشكل واضح وكيفية توزيعها على المذاهب والجهة التي تسمي الوزراء بحسب الحقائب لأنها تعكس الهوية السياسية داخل المذهب، والتوزيع على المذاهب يوضح مدى التوازن بين الطوائف في توزيع الحقائب". ثم سأله: هل الصيغة التي تحملها مكتملة؟ اجابه الحريري بأنه قدم له صيغة. كرر عون السؤال: "هل هي مكتملة؟ هل تتضمن أسماء وزراء حزب الله؟ اجاب الحريري بأنه طرح اسماء. فسأله عون هل وافق عليها حزب الله؟ فكان رد الحريري بالنفي. عندها بادر الرئيس عون قائلاً: "شاور نفسك وعد يوم الاثنين وفق القواعد التي تحدثت عنها، بعدها تأتي الاسماء فهي مسألة اسقاط ثانوية، لأنه اذا لا القوات ولا التيار الوطني الحر ولا الكتائب معك، فمن يغطيك مسيحياً بحسب الميثاق؟ طبعاً رئيس الجمهورية سيتولى عملية التغطية. لكن اذا كنت تتعامل مع الرئيس على قاعدة انا اترك لك حصة وأعود واتولى منفرداً تسمية وزراء مسيحيين بينما أترك للشيعة والدروز حق التسمية فأنت تكسر الميثاقية والدستور والتوازن".

خرج الرئيس الحريري من قصر بعبدا بعد هذا اللقاء وقال للصحافيين كلاماً فهم منه أنه لم يكن مرتاحاً لمداولات الاجتماع مع الرئيس عون، لكنه وعد بالعودة يوم الاثنين لاستكمال البحث، وهي عودة ظن عون انها قد تحمل صيغة جديدة او صيغة "متطورة" تحمل معها تسوية ما كان يعمل اللواء إبراهيم على تحقيقها. إلا أن حساب الحقل لم يطابق على حساب البيدر إذ بدأ يوم الاثنين حاملاً معه كلاماً لرئيس الجمهورية في إحدى الصحف المحلية خلاصته أنه لن يتنازل عن الثلث المعطل في اي صيغة معروضة، ولا عن تسمية الوزراء المسيحيين ولن يساوم على ما يراه هو من حقه ومن مسؤوليته الدستورية....

هذا الكلام كاد أن يلغي اللقاء إذ أدرك الحريري أن زيارته بعد الظهر لن تسفر عن أي نتيجة وأن الوضع لن يختلف خصوصاً أنه تسلم يوم الأحد رسالة خطية من الرئيس عون ذيلت بعبارة "رئيس الحكومة السابق" ضمنها ورقة فيها منهجية لتشكيل الحكومة تألفت من اسماء الحقائب وتوزيع الطوائف عليها، طالباً أن يملأ الفراغ بأسماء الوزراء المقترحين من قبله، وابقى خانة رابعة للقرار النهائي في جلسة بعد ظهر الاثنين. هذه الورقة لم ترقَ للحريري ايضاً وأعتبرها مسيئة لموقع رئيس الحكومة الذي لا يطلب منه ملء أوراق، بل هو يشكل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية.

لقاء الاثنين – القنبلة

 مرّ الوقت سريعاً في لقاء الاثنين ولم يحصل فيه اي تغيير للمواقف. أصّر الحريري على الصيغة التي قدمها للرئيس عون منذ بداية مشوار التكليف والتشكيل رافضاً تغيير اي شيء فيها. دعاه الرئيس عون الى طي "الاستمارة" التي ارسلها اليه لتعبئتها اذا كان هذا الامر ازعجه، إلا أن الحريري تمسك بموقفه متسلحاً على ما يبدو بمشاورات اجراها قبل توجهه الى بعبدا مع الرئيس نبيه بري ورؤساء الحكومة السابقين، وترك مكتب الرئيس ليدلي ببيان ناري روى فيه قصة الرسالة التي تلقاها من الرئيس عون واعتبر أن هذه المسألة غير مقبولة لانه ليس عمل الرئيس المكلف تعبئة أوراق وصلته، ولا عمل رئيس الجمهورية تشكيل حكومة. وثانياً لأن الدستور ينص بوضوح على أن الرئيس المكلف يشكل الحكومة ويضع الأسماء ويتناقش في التشكيلة مع فخامة الرئيس. وعلى هذا الأساس، أبلغت فخامته، بكل احترام، أنني أعتبر رسالته وكأنها لم تكن وأعدتها اليه، وأنني سأحتفظ بنسخة منها للتاريخ. "وقلت لفخامته أن تشكيلتي الحكومية بين يديه منذ 100 يوم، وأنا جاهز حالياً كما سبق وقلت علناً، لأي اقتراحات وتعديل بالأسماء والحقائب، وحتى إنني سهلت الحل بالنسبة الى اصراره على حقيبة الداخلية، ولكن مع الأسف كان جوابه الواضح "الثلث المعطل".

 وقبل أن يغادر بعبدا مؤكداً أنه "لن يعتذر" وزع على الصحافيين الصيغة الحكومية التي كان اقترحها على الرئيس عون من 18 وزيراً بالأسماء والحقائب، ثم الحقها بعد وصوله الى "بيت الوسط" بالسير الذاتية لكل وزير للتدليل على اختصاصه"!.

 رد الرئيس عون لم يتأخر إذ روى بيان رئاسة الجمهورية سبب ارسال الرسالة الى الحريري معتبراً أنها نصت على منهجية تشكيل الحكومة وتتضمن أربعة أعمدة، يؤدي اتباعها الى تشكيل حكومة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. العمود الأول فيه الوزارات على أساس 18 او 20 وزيراً، والعمود الثاني فيه توزيع الوزارات على المذاهب عملاً بنص المادة 95 من الدستور، والعمود الثالث فيه مرجعية تسمية الوزير، بعد أن أفصح رئيس الحكومة المكلف أن ثمة من سمى وزراءه، على ما تظهره اصلاً التشكيلة التي أبرزها الرئيس المكلف، والعمود الرابع فيه الأسماء بعد إتمام الاتفاق على المذهب ومرجعية التسمية. والورقة المنهجية لا أسماء فيها لكي يكون فيها ثلث معطل، هي فقط آلية للتشكيل من باب التعاون الذي يجب أن يسبق كل اتفاق عملاً باحكام المادة 53- البند 4 من الدستور!

 وأسف البيان الرئاسي "أن يصدر عن دولة الرئيس المكلف، بانفعال إعلان تشكيلة حكومية سبق أن عرضها هو في 9 كانون الاول 2020، وهي اصلاً لم تحظ بموافقة رئيس الجمهورية كي تكتمل عناصر التأليف الجوهرية، فضلاً عن أنها تخالف مبدأ الاختصاص بجمع حقائب لا علاقة لها ببعضها". مؤكداً أن الورقة المنهجية يعرفها الرئيس الحريري جيداً، وهو سبق أن شكل حكومتين على أساسها في عهد الرئيس عون، لكن هذه المرة، اختلف أسلوبه، إذ كان يكتفي بكل زيارة الى القصر الجمهوري بتقديم تشكيلة حكومية في غالب الأحيان ناقصة، وفي كل الأحيان لا تظهر فيها مرجعية التسمية.

رسالة .... وأخرى مضادة

 كان يمكن للامور أن تنتهي عند هذا الحد ويبقى الباب مفتوحاً لتدوير الزوايا، إلا أن الحريري وزع نصاً للرسالة التي قال انه تلقاها من الرئيس عون مغايراً لنص الرسالة - المنهجية التي وزعتها بعبدا، وفيها توزيع للأحزاب على الوزارات ما يعطي انطباعاً بأن رئيس الجمهورية يريد الثلث المعطل. إلا أن دوائر الرئاسة أكدت لاحقاً بأن الورقة التي وزعها الحريري يعود تاريخها الى 9 كانون الاول ( ديسمبر) 2020 وكانت من ضمن الاوراق التي كان يتم تبادلها بين الرئيسين خلال مشاورات تشكيل الحكومة، وهنا اختلط الحابل بالنابل ولم يعد المراقب يعرف أي من الورقتين وصلت فعلاً الى "بيت الوسط" ، ورقة الرئيس المنهجية أو تلك التي وزعها الحريري.

 حيال هذا الواقع المشوب بالمخاطر، بدأ فصل الربيع في لبنان على نار حامية اذ ليس من المعروف الى اين ستصل الامور لاسيما وان كل من الفريقين يعتبر انه سجل نقاطاً على الفريق الآخر. ومع تأكيد الحريري بعدم الاعتذار ونفي مصادر "المستقبل" ما اشيع عن امكانية استقالة نواب " التيار الازرق" من مجلس النواب، يبدو واضحاً أن البلاد سائرة وبسرعة الى أزمة حكم وحكومة وصيغة ربما الى أزمة نظام وصيغة ودستور، وبالتالي فإن أي تنازلات يمكن أن تطلب في اي تسوية او معالجة لا بد أن تبدل في الواقع السياسي في البلاد وفي وضعية مكوناتها الطائفية. كذلك يبقى ماذا سيكون عليه موقف حزب الله هل سيلتزم الحياد أم أنه سيتخذ موقفاً يرجح الكفة بين معسكرين، الأول يضم الرئيس عون و"التيار الوطني الحر" والثاني يضم الرئيس بري والرئيس الحريري والمردة  وقد ينضم إليهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كانت ردة فعله الأولى تجديده التأكيد على التسوية. اما السؤال الأكبر والأخطر في آن: هل تكون التسوية او المعالجة للجمود القاتل المتجدد، "على البارد"، أم "على الحامي"، لاسيما وأن التجارب السابقة لم تكن تحل إلا "على الحامي"؟. كل ذلك يجري ولا يضمن لبنان أن يجد دولة واحدة في العالم مستعدة للالتفات اليه في هذه المرحلة، واستطراداً هل يجد الرئيس عون من يدافع عنه ويقف الى  جانبه (باستثناء تياره السياسي) وكيف سيتصرف إذا وجد نفسه وحيداً مع تصاعد أصوات تقيم توازناً بين رحيل الرئيس الحريري عن السرايا والرئيس عون من قصر بعبدا.

 وثمة من سأل بعد كل الذي جرى عن مصير المبادرة الفرنسية بعد دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الى تشكيل حكومة تكنوسياسية اعتبر "السيد" أنها توفر حماية سياسية لرئيس الحكومة وللحكومة في مواجهة القرارات الصعبة التي ينبغي اتخاذها إذا ما تم السير بخطة وبرنامج صندوق النقد الدولي... ويبقى العنصر الاخطر وهو دخول البلاد في سباق محموم بين الدولار والامن، ذلك انه كلما احتدم مشهد الشارع والسياسة ارتفع الدولار، وكلما ارتفع سعر صرف الدولار ازدادت ردود الفعل الشعبية الساخطة. والسؤال الآخر من سيخرج لبنان من سكة الاضطرابات المفتوح دولاراً وأمناً، وهل أن ما هو آتٍ سيكون الفوضى التي تؤدي بالبلاد الى الارتطام الكبير؟ الثابت حتى الآن أن البلاد امام فصول جديدة من أزمة وطنية كبرى مفتوحة على شتى الاحتمالات لعل أخطرها أن تصبح البلاد في أزمة نظام!.