تفاصيل الخبر

وفد صندوق النقد: هذه هي خارطة الطريق والحلول لن تكون سهلة... ومطلوب وحدة الموقف والشفافية!

16/12/2021
وفد صندوق النقد مع الرئيس ميشال عون في حضور الوزير يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

وفد صندوق النقد مع الرئيس ميشال عون في حضور الوزير يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.


انشغلت الأوساط الرسمية والسياسية والاقتصادية في الأسبوع الماضي بالزيارة التي قام بها الى بيروت ارنستو ريغو راميراز ورئيس البعثة المنتهية ولايته مارتن سيريزولا وعدد من المعاونين والتي استمرت بضعة ايام التقى خلالها اعضاء الوفد مع عدد من المسؤولين. صحيح ان الهدف من الزيارة كان تقديم الرئيس الجديد لبعثة الصندوق في لبنان السيد راميراز، لكن الزيارة كانت ايضا مناسبة "اودع" فيها وفد الصندوق المسؤولين اللبنانيين ملاحظات حول نظرة الصندوق الى الاوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد من شأنها ان تكون خارطة الطريق لعمل اللجنة الوزارية المكلفة التحضير للمفاوضات مع خبراء الصندوق فور انجاز الجانب اللبناني خطة التعافي الاقتصادية التي يفترض ان تنتهي مع نهاية السنة الجارية- مبدئيا- ليصبح  في الامكان البدء بالتفاوض العملي مع بداية السنة الجديدة، مبدئيا ايضا! وتابع الجانب اللبناني باهتمام "ملاحظات" و"نصائح" وفد الصندوق التي قيلت بصراحة متناهية لاسيما وان "جماعة" الصندوق لا يرتدون عادة قفازات خلال احاديثهم مع ممثلي الدول التي تحتاج الى خدمات الصندوق لانتشالها من مآزقها الاقتصادية والمالية، وهم يسمون الاشياء باسمائها من دون مراعاة المعايير الديبلوماسية في العلاقات مع الدول. من هنا كان تشديد وفد الصندوق على ضرورة وضع خطة تعاف مالي- اقتصادي- اجتماعي في اقرب وقت، لان التأخير في الاتفاق على خطة طوال سنتين، زاد الامور تعقيدا وعمق من حدة الازمة، ما يجعل حل الامور في لبنان مهمة غير سهلة.  وركز الوفد على تمتين خمسة قطاعات: الصحة، الحماية الاجتماعية، التربية، تأهيل البنية التحتية، واعادة النظر في نظام الضريبة. ويهتم "الصندوق" باعادة هيكلة الدين العام للوصول الى مستوى يؤمن استدامة خدمة الدين، بالتوازي مع وضع نظام مالي قوي يمنع تكرار حصول العجز. وشملت النقاشات ايضا التركيز على اعادة هيكلة النظام المصرفي، بسبب وجود مصارف مفلسة واخرى تعاني من مشاكل جدية، لاسيما وان عدم معالجة هذه المسألة سيمنع النمو: انطلاقا من هنا، تظهر الحاجة - بحسب وفد الصندوق - الى اعادة تأهيل مصرف لبنان بعد الاعتراف بالخسائر، لان نسبتها لدى المركزي كبيرة جداً. وفي هذا الاطار جرى التطرق الى تعدد اسعار الصرف "الخطير" والمسؤول عن الحد من ثقة المستثمرين الاجانب. في النتيجة، يجد وفد صندوق النقد ان من الضروري وضع خطة تمتد لفترة تصل الى 10 سنوات.


خارطة طريق وفد الصندوق

ولاحظ الذين التقوا وفد الصندوق ان تأخير صدور القرارات من الحكومة اللبنانية فترة طويلة، زاد الامور تعقيدا وجعل اي حلول مقترحة بحاجة الى وقت للتنفيذ، الامر الذي يفرض - حسب وفد الصندوق - تضافر جهود الحكومة اللبنانية والاطراف السياسيين وتحقيق التوافق بين الجميع لوضع خطة اقتصادية شاملة ومتكاملة تعيد الثقة الى النظام الاقتصادي اللبناني من جهة، وتجعل الصندوق ومجلس ادارته في موقف ايجابي حيال المطالب اللبنانية الضرورية لتصحيح الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد بعد الوصول الى مستوى مستدام من الاستقرار الاقتصادي واعادة تأهيل النظام المصرفي وتحسين وظائفه. وشرح اعضاء الوفد للجانب اللبناني ان كل تأخير في انجاز ما هو مطلوب من الحكومة اللبنانية "كلفته عالية" الامر الذي يفرض انجاز خطة ملائمة للبنان بقصد احداث التقدم المنشود في الاقتصاد اللبناني. وابدى الوفد استعداداً للمساعدة في وضع هذه الخطة انطلاقاً من رغبة اكيدة لدى الصندوق بدعم لبنان خصوصاً بعد منح لبنان في العام 2021 ما يزيد عن مليار دولار من حقوق السحب الخاصة يفترض ان تساعد الاقتصاد اللبناني للانطلاق، وكذلك المالية العامة للدولة، مع التأكيد في هذا المجال على اهمية الاصلاحات التي يفترض ان تقوم بها الدولة اللبنانية لاسيما لجهة اصلاح مؤسساتها والشركات المملوكة منها وتحسين وظائف المصرف المركزي. واقر اعضاء الوفد بان الحلول "لن تكون سهلة" نظرا لعمق المشاكل، لكن المهم وضع الخطوة الاولى موضع التنفيذ لان اي تأخير في العمل سوف يعمق المشاكل على نحو ملموس وكلما طالت الازمة كلما ارتفعت كلفة حلها.

وتقول مصادر اطلعت على محادثات وفد الصندوق ان الخطوط العريضة التي اشار اليها الوفد كأساس للإصلاحات تقوم اولا على وجوب التوصل الى استدامة مالية تحقق خفضا لمعدل الدين الى مستويات تمكن لبنان من خدمتها، الامر الذي يعني اعادة هيكلة الديون واقرار اطار مالي بغية تفادي العجز. وركز الوفد في هذا المجال على ان الحاجات التي يريدها لبنان كثيرة في مجالات التربية والصحة والحماية الاجتماعية والبنى التحتية. فضلاً عن اعادة النظر في النظام الضرائبي ليكون في الامكان تغذية الانفاق على هذه الحاجات. اما النقطة الثانية فتتناول، حسب وفد الصندوق، ضرورة اعادة تأهيل النظام المصرفي لاسيما وان معظم المصارف يعاني من مشاكل "عميقة" والعديد من المصارف مفلسة وبالتالي فان تأجيل معالجة هذه المسألة او "اخفاءها" سوف يؤجل المشكلة ولن يحلها ما سيؤثر سلبا على معدلات النمو، لذلك يجب الاعتراف بالخسائر وصياغة استراتيجية لاعادة رسملة المصارف حتى تكون قابلة للاستمرار مجددا. والنقطة الثالثة التي لا تقل اهمية عن النقطتين الاوليين، فهي الحاجة الى اعادة تأهيل مصرف لبنان، مع الاقرار بصعوبة الوصول الى نتائج سريعة لعمل المدققين في حسابات المصرف، لكن تقديرات الصندوق - وفق ما ذكره اعضاء الوفد - تشير الى ان الخسائر في المصرف المركزي كبيرة جدا ويجب اتمام التدقيق في مواعيده وعدم تأجيله ولا بد من الاعتراف بالخسائر بطريقة شفافة، لانه عندما يكون المصرف المركزي قويا فانه بالامكان تطبيق سياسة مصرفية قوية، علما ان تعدد اسعار الصرف كما هو حاصل حاليا، من شأنه ان يخفض مستوى الثقة وصدقية العمل. اما النقطة الرابعة فتتناول الاصلاح من اجل تسريع عملية النمو الاقتصادي، لانه من دون نمو مرتفع فان اي خطة سيتم وضعها لن تنجح وهذا يشمل ايضا اصلاح المؤسسات التي تملكها الدولة بما فيها مؤسسة كهرباء لبنان لتأمين تغذية كاملة بالتيار الكهربائي باسعار يمكن ان يتحملها المواطنون، واصلاح مؤسسات الدولة على رغم الكلفة العالية لهذا الاصلاح. والنمو يأتي من خلال التعاون مع القطاع الخاص ما يفرض ايجاد بيئة جيدة من الاعمال كي يتمكن القطاع الخاص من الاستثمار. وفي قناعة الوفد ان من خلال هكذا خطة يمكن لصندوق النقد الدولي ان يبرمجها مع المجتمع الدولي لان لبنان سوف يحتاج الى قروض ميسرة، لذا على لبنان تقديم "التزام واضح وقوي" للوصول الى خطة تكون على مستوى حاجات لبنان وتطلعات الدولة خلال الاعوام العشرة المقبلة. ولم يفت اعضاء الوفد التشديد على ان "الوقت ثمين" وليس هناك ترف الوقت حتى لا تتأثر النتائج باي تأخير. مع الاخذ في الاعتبار ان الازمات التي واجهت لبنان خطيرة لكنها تشكل فرصة لمواجهة المشاكل الراهنة واعادة بناء الاقتصاد على اسس اكثر استدامة، وبالتالي امام لبنان فرصة لاعادة البناء من جديد على اسس اكثر صلابة. لذلك فان الوصول الى رؤية موحدة حول مستقبل لبنان يمكن ان تخلق ثقة لدى الشعب اللبناني الذي سيكون عليه ان يتقبل القرارات الصعبة التي ستتخذها الحكومة، ووحدة الموقف اساسية في هذا المجال لانها ستساعد الصندوق على دعم اي خطة وليدة وحدة الموقف اللبناني.

بعبدا تشكو من تهميشها

ورأت مصادر رسمية ان الخطوط العريضة التي وضعها وفد الصندوق شكلت خارطة طريق ضرورية لعمل اللجنة الوزارية المكلفة التحضير للمفاوضات والتي لم تحقق بعد خطوات اساسية في هذا المجال مع بروز مسألة تؤشر على عملها، خصوصا بعد ما كشف النقاب من ان فريق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون شكا من عدم اطلاع الرئيس عون على ما تقوم به اللجنة الوزارية التي يرأسها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي ما دفع بقصر بعبدا الى توجيه كتاب الى الامانة العامة لمجلس الوزراء يتمنى فيه تزويده بمحاضر الاجتماعات مع وفد صندوق النقد الدولي، منذ تاريخ بدء المفاوضات وحتى الان، والخطط او الدراسات التي تعرض وتقرير حول مسار المفاوضات. كتاب عون استند الى المادة 52 من الدستور، وتنص على انه "يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. اما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن ابرامها الا بعد موافقة مجلس النواب بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، احيل كتاب عون الى نائب الوفد الحكومي المفاوض، سعادة الشامي، مرفقا بطلب تسليم رئيس الجمهورية المستندات التي يطلبها. هذه الخطوة من بعبدا أتت بعد محاولة الفريق الوزاري المفاوض "عزل" القصر عن المفاوضات، ومنعه من الاطلاع على أرقام خسائر مصرف لبنان والمصارف التي ستُعتمد، وآلية معالجتها. بالإضافة إلى خرق الاتفاق ــــ غير الموقّع ــــ بين عون وميقاتي في أن يُشارك في اجتماعات الفريق اللبناني المفاوض مع صندوق النقد مستشارا الرئيس، شربل قرداحي ورفيق حدّاد. ولكن من أصل 17 اجتماعاً عُقدت مع الصندوق، لم يُدعَ حدّاد إلا مرة واحدة، في حين غُيّب قرداحي عن كلّ اللقاءات بحجّة عدم الرغبة في تسريب معلومات والإبقاء على الطابع السرّي للمداولات. كما أنّ الفريق المفاوض يعتبر أنّه غير مُلزم سوى بالقرار الوزاري الصادر بأن يتشكّل وفد التفاوض من الشامي ووزيرَي الاقتصاد أمين سلام والمالية يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مع دعوة الخبراء حين يكون هناك داعٍ لذلك. توقيت خطوة الرئيس مرتبط أيضاً بالترويج لأخبار عن قرب الانتهاء من تعديل الأرقام وكتابة مسودة خطة التعافي الجديدة، كما لامتلاكه معطيات عن تواصل شبه يومي بين المصرف المركزي وصندوق النقد، في مسعى لابعاد عبء الخسائر عن القطاع المصرفي عبر تحميلها للدولة.


مصادر رئاسة الحكومة، من جهتها، قالت إنّ المادة 52 «لا تُلزم بإطلاع الرئيس يومياً على المشاورات، فحالياً لا يزال الحديث مع صندوق النقد في إطار تبادل الأوراق والمسودات، ولم ترتقِ الأمور إلى مستوى المفاوضات الجدّية. حين يتمّ التوصّل إلى اتفاق، يطّلع عليه رئيسا الجمهورية والحكومة». وتُضيف مصادر رئاسة الحكومة بأنّه «سَبق لسعادة الشامي أنّ زار قصر بعبدا وأطلع الرئيس عون على المعطيات، إضافة إلى أن حداد يشارك دائماً في اجتماعات السرايا، ما يعني عدم إخفاء أي شيء عن رئيس الجمهورية». 

من جهته حرص نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي الى التأكيد على ضرورة وضع رئيس الجمهورية بكل التفاصيل المتعلقة بالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي وقال في حديث اذاعي غداة تسرب المعلومات حول رسالة بعبدا الى الامانة العامة لمجلس الوزراء: "انا زرت الرئيس عون مرتين، واذا كان هناك من سوء تفاهم فانا مستعد للمعالجة سريعا ولزيارته كل اسبوع مرة لاطلاعه على كل تفاصيل التفاوض. ولا اعتقد ان الرئيس بعيد عن المفاوضات، ورفيق حداد شارك معنا باحدى الجلسات وانا شخصيا طلبت ان اراه لكي اطلعه على المواضيع التي تناقش، وهناك مستشارون مقربون من رئيس الجمهورية نستشيرهم ونأخذ رأيهم بشكل متواصل، وموضوع اطلاع الرئيس على المفاوضات اعتقد سنعالجه بشكل سريع، وانا شخصيا المكلف بالتفاوض ومستعد ان اطلعه على كل التفاصيل بشكل مستمر فهذا حق دستوري، ولكن بصراحة نحن لم ندخل بالمفاوضات الجدية بعد، وستكون هناك بعثة موسعة لوفد صندوق النقد الدولي اوائل العام المقبل ندخل فيها بتفاصيل البرامج ونتأمل الوصول لاتفاق نهائي بحدود شهر كانون الثاني، وبالتأكيد سنطلع رئيس الجمهورية على كل المواضيع التي نناقشها. والرئيس ميقاتي على استعداد تام ولا يمانع من اطلاع رئيس الجمهورية على ما يجري في المفاوضات، وهو يقوم بزيارات متكررة وبشكل اسبوعي للقصر الجمهوري، ودائما هناك اتصال بينهما ولا يوجد اي نية بعدم اطلاع رئيس الجمهورية على كل ما يجري، وانا اؤكد هذا الامر". وكشف الشامي "ان ابرز خطوط خطة التفاوض مع صندوق النقد تقوم على حماية المودعين الصغار اولا، اما من استفاد من المودعين من الفوائد العالية سابقا فقد يتحملون اكثر بموضوع سد الفجوة الحاصلة". وقال ان رقم الخسائر التي تم التوصل اليه وهو قابل للتعديل، هو بحدود  68 او 69 مليار دولار وتوزيعها لا يزال قيد الدرس ونعمل كي لا يكون هناك "هيركات " على كبار المودعين، لكن اذا اضطررنا فالاكيد انه سيكون مبررا ومدروساً.