تفاصيل الخبر

أي فائدة ترجى من "إحياء" القرار 1559 في البيان المشترك الفرنسي - السعودي؟

16/12/2021
لقاء الرئيس "ايمانويل ماكرون" والأمير محمد بن سلمان في جدة.

لقاء الرئيس "ايمانويل ماكرون" والأمير محمد بن سلمان في جدة.


على رغم مرور أكثر من أسبوع على البيان المشترك السعودي- الفرنسي الذي صدر بعد محادثات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، والاتصال الذي جرى بينهما مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وفي انتظار ظهور مفاعيل عملية لهذا البيان والوساطة الفرنسية مع السعودية، فقد ظلت الاوساط السياسية اللبنانية تتساءل عن اسباب ورود القرار 1559 في متن البيان المشترك في معرض المطالبة بتطبيق جملة من القرارات الدولية في سياق البيان، والغاية من اعادة احياء هذا القرار الذي لم يكن يلقى صدى ايجابيا في بعض الاوساط اللبنانية حين اثير وعمل على الترويج له السفير تيري رود لارسن الذي تنقل في حينه بين لبنان وسوريا. والواقع ان اشارة البيان المشترك السعودي الفرنسي الى القرار 1559 اعطى للبيان بعداً آخر ولولا تلك الاشارة، لما خرج البيان عن الصيغ التقليدية التي تدعو الى ضرورة تقيد لبنان بضمان سلامة الدول الشقيقة والصديقة، وان يساعد لبنان نفسه كي يساعده الاخرون وغيرها من المواقف التي تتكرر في البيانات المماثلة. ذلك ان العودة الى نص هذا القرار الذي صدر العام 2004 تظهر نقطتين اساسيتين، الاولى الدعوة الى حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها، والثانية ضرورة اجراء عملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية التي كانت ستتم بعد  انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود. كذلك ينص القرار على الدعم القوي لسلامة لبنان الاقليمية وسيادته واستقلاله السياسي  داخل حدوده المعترف بها دوليا، ويعرب عن بالغ القلق من استمرار وجود ميليشيات مسلحة في لبنان مما يمنع الحكومة اللبنانية من ممارسة كامل سيادتها على جميع الاراضي اللبنانية، مع التشديد على ان تتم الانتخابات الرئاسية وفقاً لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من دون تدخل او نفوذ اجنبي. وطالب القرار يومها جميع الاطراف المعنيين بالتعاون تعاونا تاما وعلى وجه الاستعجال مع مجلس الامن من اجل التنفيذ الكامل لهذا القرار ولجميع القرارات ذات الصلة في شأن استعادة لبنان لسلامته الاقليمية وكامل سيادته واستقلاله السياسي. وطلب القرار في حينه من الامين العام للامم المتحدة ان يوافي مجلس الامن في غضون ثلاثين يوما بتقرير عن تنفيذ الاطراف لهذا لقرار وان يبقى المسألة "قيد نظره الفعلي".

المصادر المتابعة لاحظت تعدد الآراء والتحليلات حول اشارة بيان القمة الفرنسية- السعودية الى القرار 1559، فالبعض رأى ان مفاعيل هذا القرار انتهت عند صدوره تبعاً للظروف التي كان يمر بها لبنان، في حين اعتبر البعض الاخر ان ما اشبه اليوم بالامس، بمعنى ان البيان المشترك تحدث عن "الميليشيات" وهو يقصد راهنا حزب الله، فيما ان الحديث عن انتخابات رئاسية حرة ونزيهة ينطبق على الواقع السياسي الراهن حيث ينتظر ان يشهد لبنان في الخريف المقبل بداية "معركة الرئاسة" لخلافة الرئيس ميشال عون على اساس ان النفوذ السوري الذي كان سائداً في العام 2004، استبدل اليوم بالنفوذ الايراني من خلال تأثير حزب الله على مجرى هذه الانتخابات ومسارها. وفي هذا السياق، اعتبرت المصادر ان الشق المتعلق بحزب الله ادرج في البيان المشترك ارضاء للمملكة العربية السعودية التي تعتبر الحزب "عدواً" لها بسبب مواقف قيادته من القيادة السعودية عموماً، ونتيجة تدخله في حرب اليمن خصوصاً. لكن المصادر سجلت في المقابل ان الدول الكبرى التي لم تمارس يوما ضغوطا فعلية وعملية لمواجهة حزب الله، تعلم علم اليقين بأن تطبيق بنود القرار 1559 يبقى من دون تنفيذ في ما خص حزب الله طوال الاعوام التي تلت صدوره، لا تزال قائمة عملياً ما يجعل مصير هذا الشق من البيان المشترك السعودي- الفرنسي غير قابل للتطبيق، ما يدعو وفق المصادر نفسها، الى الاعتقاد بأن التذكير بالقرار 1559 اتى بناء على طلب سعودي لأن استقالة الوزير جورج قرداحي لم تكن كافية في نظر السعوديين، وانه لا بد من ثمن معنوي آخر يطاول واقع حزب الله في لبنان الذي وقف ضد القرار بعد صدوره ولا يزال على موقفه لا بل يبدو اكثر تشدداً.

"انجاز" غير قابل للصرف

وتعتبر المصادر نفسها انه لا يمكن "صرف" هذا "الانجاز" لأن فرنسا والرئيس ماكرون نفسه، فتحا خطوطاً مع حزب الله وتحادثا مع ممثلين عنه في كثير من الامور اكثر من مرة، بما يعني ان باريس تدرك ان الحزب قوة لبنانية لا يمكن ازالتها وان كانت تميز بين الشق السياسي فيه، والشق العسكري، وبالتالي لا بد من التواصل مع قيادة الحزب للوصول معها الى "تسوية ما" في شأن القضايا الاساسية المطروحة. اضف الى ذلك ان السعودية التي جاهرت بادانتها للحزب خصوصا بعد تدخله في حرب اليمن، كانت تكتفي برفع "البطاقة الحمراء" في وجهه وترفع ايضا حدة الخطاب السياسي لفترة طويلة، ولم تنتقل الى المطالبة بنزع سلاحه الا مؤخرا من دون ان تظهر كيف سيتم نزع هذا السلاح عمليا طالما ان فئة كبيرة من اللبنانيين تعتبر ان سلاح هذا الحزب هو شرعي وان هدفه مواجهة العدو الاسرائيلي لمنعه من الاعتداء على لبنان وانتهاك سيادته. ولعل معرفة الجانب الفرنسي بهذا الواقع وتعاطيه معه بواقعية، ما يؤشر الى ان تجاوب ماكرون ومعاونيه مع المطلب السعودي لتطبيق القرار 1559 على حزب الله مسألة صعبة التحقيق لا في الوقت الراهن، ولا في المستقبل القريب ما لم تتبدل المعطيات الاقليمية وتستقر المفاوضات حول الملف النووي بين ايران ودول الغرب على خواتيم واضحة وصريحة.

اما بالنسبة الى النقطة الثانية التي تتمحور حول الانتخابات الرئاسية، فقد وضع الكثيرون الامر في خانة التضييق على الرئيس الحالي العماد ميشال عون، ورأوا فيها دعوة الى عدم التمديد وإلا..... ولا تنفي المصادر نفسها وجود رغبة، لا بل ارادة خارجية بعدم التمديد ليس فقط لرئيس الجمهورية انما ايضا لمجلس النواب، فالدول كلها تصب حاليا جهودها واهتمامها، وحتى اموالها، لاجراء الانتخابات النيابية، وما لم يحصل حدث خارج عن المألوف، فانها ستجرى رغم كل ما يقال، لانه رهان خارجي وبالتحديد اوروبي. اضافة الى ذلك، يعتبر الخارج ان التمديد لمجلس النواب سيفتح الطريق امام التمديد لرئيس الجمهورية، لان التوازنات السياسية ستبقى على حالها ولن يكون من الممكن تغييرها للاتفاق على شخصية جديدة تتولى مهام الرئاسة، وبالتي سيكون اهون الحلين التمديد لان الفراغ ليس الحل، وقد اثبتت التجارب انه غير فاعل ولا يفيد كوسيلة ضغط، بل يساهم في مزيد من الانقسامات في الداخل المسيحي، وتوجه كل قوة مسيحية الى الطوائف الاخرى سعيا لكسب دعمها. باختصار، تستبعد المصادر اعادة احياء هذا القرار بشكل علمي، وان عودته الى الساحة هي من باب تسجيل النقاط فقط، اذ من غير المرتقب وجود سيناريو للتمديد للرئيس عون، لاسباب معروفة داخلية وخارجية، انما الدعوة في البيان الفرنسي- السعودي هي اقرب الى اجراء الانتخابات النيابية التي ستجيب على شرط "تأييد عملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة".

في اي حال، وبصرف النظر عن فائدة المطالبة باحياء القرار 1559 فان مجرد الاشارة اليه في البيان المشترك الفرنسي- السعودي، فتحت الباب امام جدل سياسي في الداخل اللبناني سوف تتكرر المواقف حياله كما حصل حين صدوره، ولن يكون مصير هذا النقاش الذي اشتد في العام 2004 وما بعده، افضل من مصيره في العام 2022 وما يحفل به من استحقاقات نيابية ورئاسية على حد سواء!.