تفاصيل الخبر

اتصال ماكرون وبن سلمان وميقاتي "مفتاح" لأبواب... فهل يقفلها مضمون البيان المشترك السعودي - الفرنسي؟

08/12/2021
لقاء الرئيس ميشال عون مع الشيخ تميم بن حمد في الدوحة.

لقاء الرئيس ميشال عون مع الشيخ تميم بن حمد في الدوحة.

                               

مرة جديدة، بدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حريصاً على مصلحة لبنان واللبنانيين، أكثر من أهل السياسة في وطن الأرز، إذ حمل الهم اللبناني معه في جولة خليجية قادته الى قطر والامارات العربية المتحدة والسعودية حيث حقق خطوة أولى يريد أن تكون بداية حل للأزمة اللبنانية مع دول الخليج التي نتجت في ظاهرها من مواقف وزير الاعلام جورج قرداحي حول الحرب من اليمن، وإن كانت تحمل في الواقع أسباباً أخرى قد تؤخر الحل المنشود أو تلغي حصوله أصلاً. ذهب الرئيس ماكرون الى السعودية حاملاً معه ورقة الاستقالة التي تقدم بها الوزير قرداحي، فأحدث خرقاً تمثل بالاتصال الذي أجراه وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس نجيب ميقاتي فكان أول اتصال سعودي مباشر بمسؤول لبناني رفيع لم تكن الرياض قد هنأته على تسلمه مهامه في رئاسة الحكومة، ولا أبدت أي ترحيب بتشكيل حكومة برئاسته. صحيح أن هذا الاتصال الذي نجح ماكرون بتحقيقه أحدث كوة في الجدار الصلب للعلاقات بين لبنان والسعودية، لكنه بدا في عيون الكثيرين غير كاف لإعادة المياه الى مجاريها، لاسيما وأن البيان المشترك السعودي- الفرنسي حمل في الفقرة اللبنانية منه الكثير من الألغام التي قد تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للتفكيك. لكن مع ذلك ثمة رهان على التأسيس للتواصل الأول بين بيروت والرياض من أجل الوصول الى النتيجة المرجوة وهي عودة التواصل الديبلوماسي بين البلدين، مع إعادة الرياض سفيرها في بيروت وليد البخاري الى مقره في العاصمة اللبنانية، وعودة السفير اللبناني فوزي كباره الى سفارته في الرياض. إلا أن هذه العودة المزدوجة لم تكن سريعة، وقد لا تكون كذلك، إلاأانها تبقى المؤشر الى إمكانية حصول تقدم ولو بطيء في ملف العلاقات بين البلدين.

وبقدر ما بدا الرئيس ميقاتي سعيداً باتصال الأمير محمد بن سلمان به على مسمع من ماكرون، بقدر ما رتب هذا الاتصال مسؤولية كبرى على الحكومة اللبنانية الذي جعل من استقالة الوزير قرداحي باباً مفتوحاً لإعادة وصل ما انقطع مع المملكة، وإن كان ولوج هذا الباب دونه عقبات تحتاج الى وقت كي تذلل الواحدة تلو الأخرى. فالرياض لا يبدو أنها متحمسة لوقف إجراءاتها بحق لبنان وإن كانت "باعت" الرئيس ماكرون انجازاً يبقى محدود الفعالية الى حين يتبين، فعلاً لا قولاً، أن السعودية راغبة فعلاً في جعل الوساطة الفرنسية تصل الى خواتيمها السعيدة. من هنا كان الحذر سيد الموقف لدى المسؤولين في مقاربة "إنجاز" الاتصال الهاتفي، ومع ذلك كان التعاطي معه إيجابياً من أعلى المستويات على أمل أن تزول الغيوم التي تلبدت في سماء العلاقات اللبنانية- السعودية خصوصاً، واللبنانية- الخليجية عموماً، علماً أن الإمارات والبحرين والكويت استجابت للرغبة السعودية في تضييق الخناق على لبنان، فيما بدت دولة قطر بعيدة عن هذا العقاب للبنان، لا بل بالعكس احتفت بزيارة رئيس الجمهورية العماد  ميشال عون الذي انتقل الى الدوحـــة حيث التقى أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وشارك في افتتاح بطولة كأس العرب فيفا 2021 في كرة القدم. في وقت ظلت فيه سلطنة عمان على موقفها التقليدي بالنأي بالنفس عن الخلافات العربية- العربية بصرف النظر عن أسبابها والجهات المعنية بها.


عقد في مضمون البيان المشترك

ولأن استثمار أي تحرك ديبلوماسي، هو استثمار طويل الأمد ولا تظهر نتائجه بسرعة، فإن الحكومة اللبنانية سارعت بتوجيه من رئيسها الى التجاوب مع بعض ما ورد في البيان المشترك السعودي- الفرنسي، خصوصاً في ما يتعلق بمسألتي التهريب ومكافحة إرسال المخدرات الى السعودية ودول الخليج من خلال إعادة تفعيل الإجراءات لضبط الحدود لمنع التهريب، وإطلاق العنان لسلسلة تدابير وقائية تمنع لبنان من أن يكون ممراً لأي عمل يخرب الانتظام المجتمعي في السعودية ودول الخليج. لكن الرئيس ميقاتي، وهو السياسي المخضرم، يعرف أن للرياض مطالب أخرى من الصعب الاستجابة لها، في الوقت الحاضر على الأقل، لذلك فقد تعاطى ميقاتي بواقعية مع الاتصال الهاتفي، فلم يقلل من أهميته، لكنه في المقابل لم يبالغ بالتفاؤل وإن كان رجح في مواقفه كفة الإيجابيات على كفة السلبيات وتصرف على هذا الأساس، حيث لاقاه في منتصف الطريق الرئيس عون الذي لم يكن "مرتاحاً" لمضمون البيان المشترك، لكنه "عضّ" على جرحه وارتضى أن يجاري رئيس حكومته في أن استقالة الوزير قرداحي شكلت عاملاً ايجابياً ترك صداه لدى الرئيس ماكرون فأقدم على "المغامرة" مرة أخرى من أجل لبنان، تماماً كما فعل في مرات عدة وصلت الى حد تقديم مبادرة في الأول من أيلول (سبتمبر) 2020 في قصر الصنوبر في بيروت باتت ويا للأسف، في خبر كان خصوصاً بعد تشكيل الحكومة الميقاتية على الشكل الذي شكلت فيه.

ويرى مطلعون أن ما لم يقله الاتصال الهاتفي يكشف ميقاتي مضمونه، أفرط البيان السعودي- الفرنسي في الإعلان عنه وبيّن مباشرة لبّ المشكلة عندما كشف بأن مواقف الوزير المستقيل قرداحي لم تكن سوى الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وأن وراء الأكمة ما وراءها. ذلك أن البيان المشترك تناول كل ما يشير الى مجمل أزمة النظام اللبناني الراهن وموقع الدولة وهزالها وانهيارها الوشيك. كذلك رسم البيان سقفاً لكل ما تعتبره المملكة شرطاً لعودتها الى لبنان ولرفع الاجراءات الحضارية عنه من خلال العودة الى السماح بإدخال السلع اللبنانية إليها، ومنها الى دول الخليج لاسيما التي تضامنت مع المملكة، أي الكويت والإمارات والبحرين. والى أن تتحقق هذه الاجراءات ويتجدد التواصل الكامل بين بيروت والرياض، فقد بدا بوضوح أن المشكلة الأكثر تعقيداً تبقى في موقع حزب الله في المعادلة الداخلية اللبنانية، كما في تمدد نشاطاته الى خارج الاراضي اللبنانية، كما في مقاربة المعضلات المستعصية الحل حتى إشعار آخر سواء بالنسبة الى القرار 1559 (سلاح الحزب) غير المطبق منذ صدوره قبل 17 عاماً، والقرار 1680 (ترسيم الحدود مع سوريا) غير المطبق منذ صدوره قبل 15 عاماً، والقرار 1701 المطبق جزئياً منذ صدوره قبل 15 عاماً. مع أن اللبنانيين أنفسهم، منذ صدور القرارات الثلاثة هذه، منقسمون على تفسيرها وليس على تطبيقها فحسب، الأمر نفسه في المشكلة العالقة منذ اتفاق الدوحة عام 2008 حيال ما يتعلق بحصر السلاح في يد الدولة والشرعية.

وقرأ مراقبون في البيان المشترك أمرين في غاية التعقيد يعنيان المملكة بشكل مباشر، الأول ما تصفه الرياض بـ"الأعمال الإرهابية" التي تنطلق من لبنان لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها في إشارة واضحة الى حرب اليمن ومسؤولية حزب الله في دعمه للحوثيين، معنوياً ولوجستياً عند الضرورة، والثاني تهريب المخدرات المتهم حزب الله سعودياً بالضلوع فيه، وكلا الأمرين، كما بالنسبة الى القرارات الدولية، لا يملك لبنان أن يقدم أياً منها. وفي رأي المراقبين أن الموافقة الفرنسية لما تضمنه البيان المشترك تشكل سابقة خصوصاً أن باريس تجنبت مراراً الخوض في تفاصيل كهذه لأنها تدرك أن الخوض في هذه التفاصيل يعني الدخول المباشر على خط السجال الداخلي اللبناني الذي حاولت باريس أن تبقى بعيدة عنه سنوات نظراً للاصطفافات الداخلية التي تجعل من باريس طرفاً مع هذا الفريق ضد ذاك، وهو أمر سعت الديبلوماسية الفرنسية على التأكيد مراراً على أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، لكن البيان أخرج باريس، في نظر من استهدفهم مضمون البيان، من موقع الوساطة الايجابية والبناءة التي حاول ماكرون الاضطلاع بها في لبنان وبإزائه، أكثر من مرة: أولاها بالمساعدة على الإفراج عن الرئيس سعد الحريري في الرياض في تشرين الثاني 2017. والمرة الثانية عندما تطوّع لحمل وزر مساعدة لبنان على تجاوز انهياره الاقتصادي والنقدي بدءاً بمؤتمر سيدر عام 2018. والمرة الثالثة لملمة آثار انفجار المرفأ والدور الطويل الذي اضطلع به ولا يزال حيال تأليف حكومة اصلاحات. فبدا محايداً بين الأفرقاء اللبنانيين، ومثابراً على التواصل والحوار مع الحزب. في البيان المشترك أخيراً، سلّم بكل ما تطالب به المملكة، ووقف الى جانبها في كل ما عنتها إشاراتها السلبية الى حزب الله. والملفت في هذا السياق أن بعض مَن تلقف بيان جدّة، يحاول تصويره كما لو أن السقف السياسي الذي يرسمه لاستعادة العلاقات اللبنانية - السعودية، هو السقف المناسب لإرساء تسوية داخلية جديدة تُبنى على المقتضيات التي أوردها. فضلاً عن أن محاولة فرض خيارات جديدة على حزب الله، من شأنها أن تجعل من رفضه المتوقع والحتمي لها، انخراطه في مواجهة جديدة مع الأفرقاء الآخرين المناوئين له، وهو في السنة الأخيرة في ولاية حليفه رئيس الجمهورية ميشال عون، وعلى أبواب انتخابات نيابية عامة يحتاج فيها الى حلفاء مقدار حاجة هؤلاء إليه، من أجل الإبقاء على الأكثرية الحاكمة حالياً.

كسر الجليد لا يكفي....

من هنا، يرى مراقبون أنه لا يكفي أن يكون التواصل الهاتفي بين ميقاتي وولي العهد السعودي قد كسر الجليد وشكل أول اعتراف سعودي رسمي بالحكومة ورئيسها منذ ولادتها، لأن المهم يبقى في مرحلة ما بعد هذا التواصل، ذلك أن الربح الذي حققه ميقاتي حتى الآن هو تكتيكي وموضعي قد ينفعه نسبياً في التقاط الأنفاس وكسب "هدنة" مع السعودية، لكنه لا يكفي من أجل أن تبادر دول الخليج الى تأمين "ملاءة سياسية" للحكومة خصوصاً أن شروط "التطبيع" السعودي مع لبنان تفوق قدرة ميقاتي، بل البلد كله، على التحمل لاسيما في الجانب المتصل بحزب الله وتطبيق القرار 1559. وفي هذا السياق تقول مصادر متابعة إن الرياض تعرف- مثل باريس- إن ما لم يتحقق بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخلال حرب تموز (يوليو) 2006، لن يتحقق الآن بطبيعة الحال خصوصاً أن موازين القوى الخارجية والداخلية لا تسمح حالياً بانتزاع سلاح الحزب عنوة. وعليه فإن ثمة خشية من أن يكون التجاوب السعودي مع طلب ماكرون تحقيق التواصل الهاتفي حدوده الاتصال الهاتفي فقط، ما لم يقترن بخطوات عملية من جانب لبنان والسعودية على حد سواء اذا ما توافرت فعلاً لا قولاً، إرادة حقيقية في اعادة المياه الى مجاريها بين البلدين، خصوصاً أن "العواطف" لا تصنع وحدها حلولاً ولا ترفع حصاراً او تفك مقاطعة.... بل أن المطلوب مواكبة اي مبادرة خارجية بسلوك مسؤول يجيد لبنانياً التقاط الفرصة وليس إهدارها، والمطلوب سعودياً التخفيف من "قساوة" مواقفها حيال لبنان الذي يلتقي اكثر من طرف خارجي على الاعتبار أنه مغلوب على أمره....

في أي حال، مبادرة ماكرون التي ترجمها الاتصال الهاتفي، شكلت مفتاحاً على اللبنانيين معرفة استخدامه بعناية لفتح الأبواب المغلقة، والمأمول العمل الفعلي للاستفادة من هذه الفرصة التي وفرها زخم المبادرة الفرنسية السعودية، ليكون المكسب، ليس للرئيس ميقاتي شخصياً، بل للبنان!.


"ماكرون" مع الرئيس نجيب ميقاتي في غلاسكو.

"ماكرون" مع الرئيس نجيب ميقاتي في غلاسكو.

لقاء الرئيس "ايمانويل ماكرون" والأمير محمد بن سلمان في الرياض.

لقاء الرئيس "ايمانويل ماكرون" والأمير محمد بن سلمان في الرياض.