تفاصيل الخبر

"غوتيريس" في بيروت خلال أيام حاملاً معه "هواجس ومخاوف"... وطلبات!

08/12/2021

في النصف الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري، يزور لبنان رسمياً الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريس

الرئيس ميشال عون خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو غوتيريس" في تونس عام 2019 على هامش مؤتمر القمة العربية.

الرئيس ميشال عون خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو غوتيريس" في تونس عام 2019 على هامش مؤتمر القمة العربية.


في النصف الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري، يزور لبنان رسمياً الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريس" تلبية لدعوة تلقاها من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي خلال لقائه به في قمة دول المناخ في غلاسكو في اسكوتلندا الشهر الماضي. وتكتسب هذه الزيارة اهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تولي الأمم المتحدة بمختلف منظماتها السياسية والانسانية والاجتماعية، اهتماماً خاصاً بالوضع في لبنان يحرص "غوتيريس" على التعبير عنه في اكثر من مناسبة، لاسيما خلال استقباله مسؤولين دوليين يعربون هم ايضاً عن اهتمامهم بوطن الأرز ويؤكدون العمل على مساعدته للخروج من الظروف الصعبة التي يمر بها، الا ان "غوتيريس" لا يأتي الى لبنان للتعبير فقط عن تضامن الأمم المتحدة معه والتأكيد على استمرار دعمه، بل يأتي للفت المسؤولين اللبنانيين الى مسائل عدة "تزعج" المنظمة الدولية التي تطالب بتصحيحها او ايجاد حلول لها. وفي هذا السياق يقول مصدر ديبلوماسي ان "غوتيريس" الذي يعرف لبنان جيداً لأنه عمل فيه لفترة غير قصيرة، يدرك ايضاً مكان الخلل فيه وسبل المعالجة التي يعرف كيف تفرض على اللبنانيين ان هم رفضوا التزامها طوعاً. وهو يسعى من خلال ممثليه في لبنان والمسؤولين عن المنظمات الدولية الى وضع خريطة طريق يمكن ان تشكل مخارج للكثير من الانفاق التي دخلها لبنان في الاونة الاخيرة.

ولخص المصدر نفسه الاولويات اللبنانية بالنسبة الى الامين العام للمنظمة الدولية في هذه المرحلة من خلال اضاءته على الاستحقاق الانتخابي النيابي الذي يدعو "غوتيريس" الى ضرورة انجازه في موعده، ويدعو المعنيين في الحكومة ومجلس النواب الى اعطاء الاولوية للاستعدادات التقنية والادارية والتشريعية اللازمة للانتخابات، مشجعاً على توضيح الاطار الانتخابي الواجب التطبيق وتدابيره المحددة بما فيها الحصص وغيرها من التدابير الخاصة الموقتة الرامية الى تسريع مسار مشاركة المرأة والشباب والاشخاص من ذوي الحاجات الخاصة في العملية السياسية. وهو لهذه الغاية ابلغ المعنيين عن أمله في ان تتيح الانتخابات المقبلة بذلك فرصة لزيادة تمثيل المرأة في مؤسسات البلاد بما فيها مجلس النواب. ولان غوتيريس يدرك انه يجب اعطاء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الفرصة لتتمكن من تنفيذ "خطة اصلاح ملموسة" تلبي حاجات الشعب اللبناني وتطلعاته، لذلك ابلغ المسؤولين اللبنانيين، حتى قبل زيارته الى بيروت، ان استمرار الوضع السياسي على ما هو عليه بعد تعطيل عمل المؤسسات الدستورية، سواء مجلس الوزراء او مجلس النواب الذي لا يلتئم الا بعد جهد جهيد، سوف يفقد لبنان يوماً بعد يوم خصائص مهمة يمتلكها لتذهب الى دول اخرى جارة كانت ام بعيدة . من هنا كان القلق الذي أبداه حيال الاثر الحاد للازمة على الخدمات الاساسية الضرورية بما فيها الرعاية الصحية والغذائية والماء والكهرباء.

هواجس ومطالب والجنوب والمحكمة الدولية

ويضيف المصدر أن "غوتيريس" اضاف الى لائحة المسائل التي تقلقه، ما سماه "استقطاب" الآراء السياسية حول التحقيق في انفجار مرفأ بيروت وتداعياتها والتي كان آخرها المواجهات الدامية التي حصلت الشهر الماضي في منطقة الطيونة عند الخط الفاصل بين الضاحية الجنوبية ومنطقة عين الرمانة، حيث يرى "غوتيريس" خطراً في استخدام الاسلحة خارج نطاق سلطة الدولة، اضافة الى ما يصفه  بـ"ممارسة الضغط السياسي على السلطة القضائية"، مطالباً السياسيين اللبنانيين بـ"تمكين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة من أداء مهماتها بكفاية من دون تدخل وفي احترام لسيادة القانون". وإذ يثني"غوتيريس" على الجيش اللبناني لمساهمته في استعادة الهدوء، يكرر نداءاته من أجل "إجراء تحقيق نزيه وشامل وشفاف في الانفجار المدمر" الذي وقع في مرفأ بيروت. وطالب الحكومة أيضاً بأن تواصل التحقيقات المعلنة سابقاً في "الانتهاكات والتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك ما يتعلق بقتل لقمان سليم".

اما الوضع في الجنوب فله مكانة خاصة في اهتمامات "غوتيريس" الذي ينوي مفاتحة المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته في الايام القليلة المقبلة، الى خطورة اي عمل عدائي تجاه اسرائيل مثل اطلاق الصواريخ والرد الاسرائيلي وكلاهما يعتبران خرقا للقرار 1701، وصولاً الى الغارات الاسرائيلية واستعمال حزب الله قاذفات صواريخ متعددة الفوهات. وسيثير مع الجانب اللبناني ادانته للانتهاكات المستمرة للمجال الجوي اللبناني من قبل الطيران الاسرائيلي وذلك لقصف مواقع داخل سوريا، وكذلك الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض وتزايد موجة الطائرات المسيرة التي تبعث قلقاً شديداً. ولن ينسى "غوتيريس" ان يذكر المسؤولين اللبنانيين ان امتلاك اسلحة غير مسموح بها خارج نطاق سيطرة الدولة وفق ما يعلنه حزب الله دائماً وكذلك جماعات مسلحة اخرى، كل ذلك يشكل انتهاكاً مستمراً وطويلاً للقرار 1701 وسوف يدعو الحكومة الى اتخاذ كل الاجراءات اللازمة حتى لا تكون هناك اي اسلحة في لبنان غير اسلحة الدولة اللبنانية او سلطة غير سلطتها، بما في ذلك من خلال التنفيذ الكامل للاحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف والقرارين 1559 و1701 اللذين يطالبان بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان. وسوف يجدد "غوتيريس" مطالبة الحكومة اللبنانية بــ "التزام سياستها المتمثلة في النأي بالنفس، بما يتفق مع اعلان بعبدا لعام 2012"، داعياً كل الاطراف اللبنانية والمواطنين اللبنانيين الى "الكف عن المشاركة في النزاع السوري وغيره من النزاعات في المنطقة". ولم تجزم المصادر الدولية ما اذا كان "غوتيريس" سوف يثير مع المسؤولين اللبنانيين موضوع تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تتولى النظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط (فبراير) من العام 2005، لاسيما وانه كان عبّر قبل ايام عن "قلق بالغ" من الاوضاع المالية السيئة للمحكمة، وطلب من الجمعية العامة للامم المتحدة الموافقة على اعانة مالية قيمتها اكثر من 8 ملايين دولار لاستكمال اجراءات هذه المحكمة خلال العام المقبل في سلسلة الاغتيالات ومحاولات القتل التي شهدها لبنان. يذكر ان المحكمة كانت توقعت ان تنجز كل أعمالها القضائية بحلول نهاية عام 2022 "رهناً بتوفير التمويل اللازم. وظلت المحكمة تواجه صعوبات مالية كبيرة في عام 2021". وفي إطار الميزانية المقترحة للأمم المتحدة خلال السنة المالية 2022، قدم الأمين العام تقريراً عن استخدام الإعانة لعام 2021 وطلب تقديم إعانة للمحكمة الخاصة بلبنان لعام 2022، مشيراً إلى "الصعوبات المالية" التي لا تزال المحكمة تواجهها، وطلب تخصيص اعتماد قيمته 24.7 مليون دولار لعام 2021، علماً بأن الجمعية العامة وافقت على 15.5 مليون دولار. وطلب موافقة الجمعية على "تخصيص اعتماد لتقديم إعانة للمحكمة بمبلغ قدره 8.3 ملايين دولار لعام 2022"، وقال في تقريره إنه "كان لجائحة "كورونا" تأثير سلبي على تأمين التبرعات، كما أن الوضع الاجتماعي والسياسي في لبنان أدى إلى تدمير اقتصاد البلد، فتعذر جذب التمويل اللازم لتغطية تكاليف الميزانية المعتمدة لعام 2021 بالكامل".

وأضاف: "كان اعتماد الجمعية العامة مبلغ 15.5 مليون دولار من إعانة لتكملة الموارد المالية المتبرع بها أمراً أساسياً لعمل المحكمة، ولكنه أقل بكثير مما كان مطلوباً لتغطية كل أعمالها القضائية المقررة أصلاً"، مؤكداً أنه "رغم التواصل المكثف مع المانحين المحتملين ولجنة إدارة المحكمة، لم ترد أي مؤشرات أخرى على وجود تبرعات كافية من لبنان أو الدول المانحة التي تقدم تبرعات لتمويل الميزانية المعتمدة بالكامل لعام 2021، ولم ترد أي تبرعات معلنة لعام 2022". ولفت إلى أنه "نتيجة لذلك، خفَّضت المحكمة، بعد إجراء مشاورات مع لجنة الإدارة التابعة لها، ميزانيتها المعتمدة لعام 2021 باعتماد خطة إنفاق منقحة لعام 2021 تتماشى مع انخفاض الإيرادات المتوقعة. ونقَّحت المحكمة برنامج عملها، بما في ذلك الانتقال إلى المهام المتبقية في منتصف عام 2022 في ضوء وقف الإجراءات القضائية في إحدى القضايا نظراً لنقص التمويل". وأوضح أن "النفقات تقلصت بشكل كبير في عام 2021 عندما شرعت المحكمة في الخفض التدريجي لعملياتها في النصف الثاني من العام".

ورحب "غوتيريس" بالتقدم الذي أحرزته المحكمة منذ إنشائها، مشيداً باستجابتها الأخيرة لوضعها المالي من خلال تكييف نطاق عملها ومتطلباتها من الموارد، لكنه شدد على أهمية استكمال إجراءات الاستئناف أمام المحكمة، وضمان الخفض التدريجي للنشاطات بصورة منظمة، وضمان الوفاء بالالتزامات المتبقية المحدودة الجارية على نحو يتفق وأحكام الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية. وكذلك رحب بتوفير حكومة لبنان 49 في المئة من التمويل على مرّ السنين، ويعترف بالتزامها تجاه المحكمة رغم الأزمة الاجتماعية - الاقتصادية والمالية التي يواجهها البلد. وعبّر "غوتيريس" عن "قلق بالغ" لأن المحكمة "لا تزال تواجه تحديات مالية خطيرة في ذات المرحلة الحرجة التي تنتهي فيها من عملها القضائي في مرحلة الاستئناف"، مؤكداً أنه "لا يزال من الأهمية بمكان أن يكفل المجتمع الدولي أن تكون لدى المحكمة الوسائل المالية اللازمة لإتمام إجراءات الاستئناف وتأمين الأدلة وحفظها، وضمان حماية المواد السرية وحماية الضحايا والشهود".