تفاصيل الخبر

ملابسات التحقيق في جريمة المرفأ وتشعباته أكدت أن السياسة نخرت الجسم القضائي...

08/12/2021

يوماً بعد يوم تزداد حالة الإرباك التي يعيشها القضاء في لبنان بفعل الضغوط السياسية التي يتعرض لها والتدخلات المباشرة التي تكاد تفقده

رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.

رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.



يوماً بعد يوم تزداد حالة الإرباك التي يعيشها القضاء في لبنان بفعل الضغوط السياسية التي يتعرض لها والتدخلات المباشرة التي تكاد تفقده توازنه، وأدت الى إدخاله في البازار السياسي ما جعل الثقة بالقضاء تهتز. وإذا كان أساس الحملة على القضاء، الملابسات التي ترافق عمل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار المكلف التحقيق في جريمة مرفأ بيروت، فإن الارتجاج أصاب السلطة القضائية التي كانت الى الأمس القريب ملاذ الناس لحماية حقوقهم والدفاع عن مصالحهم وتحقيق العدالة. وفي الواقع لم يعد القاضي البيطار وحده هدف الحملات التي يتعرض لها الجسم القضائي بل وصل الأمر الى رأس السلطة القضائية رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود وكبار قضاة محاكم الاستئناف والتمييز بحيث لم تبق "خيمة" فوق رأس أحد، وهو ما كان حذر منه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في أكثر من مناسبة وأبلغه الى اعضاء مجلس القضاء انفسهم حين لفتهم ان التساهل في مقاربة الحملات التي يتعرض لها رئيس الجمهورية، قد يؤدي الى استسهال التطاول ايضاً على القضاة انفسهم. يومها لم يأخذ اركان السلطة القضائية كلام الرئيس عون كما ينبغي ان تكون مقاربته.... الا ان الوقائع الراهنة تؤكد ان القضاء اللبناني صار اليوم أسير المماحكات السياسية وصولاً الى حد تعطيل جلسات مجلس الوزراء على نحو غير مسبوق للمطالبة بتنحية القاضي البيطار او اتخاذ اجراء يؤدي عملياً الى إبعاده عن ملف التحقيق في مرفأ بيروت، او إبعاد الوزراء والنواب السابقين عنه وجعل مثولهم امام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذي يضم قضاة ونواباً على حد سواء.

ولا يختلف اثنان على ان التدخل في العمل القضائي ليس وليد الساعة ولا هو اتى نتيجة ملابسات التحقيق في جريمة المرفأ، بل هو متجذر في سلوك السلطة السياسية لأن المجال امام السياسيين للتدخل في تسمية القضاة سواء تعيين بعض القضاء بموجب مراسيم تصدر عن مجلس الوزراء، او من خلال التشكيلات القضائية. وفي هذا السياق يقول احد الخبراء الحقوقيين إن الخطورة في ذلك، هي أن هذا التدخل يقيد القضاة في ملاحقة الفاسدين خصوصاً اذا كانوا من السياسيين الذين يفترض ملاحقتهم، مذكراً ان التدخل السياسي في التشكيلات القضائية والتعيينات، يخالف نص المادة 20 من الدستور اللبناني التي تمنح المحاكم اللبنانية الاستقلالية والحياد وسلطة الحكم باسم الشعب اللبناني. ولا يجد هذا الخبير سبيلاً للخروج من هذه المعضلة، الا بتصحيح هذه الممارسة، وتفعيل مبدأ عدم نقل القضاة الا بطلبهم او موافقتهم، وتنظيم آلية الترشيح للمناصب العليا، ووضع مؤهلات محددة للتقدم للمنافسة على المناصب القضائية، والتعهد بعدم تبوؤ مناصب دستورية او مقاعد وزارية مكافأة على مسايرتهم الطبقة السياسية خلال مسيرتهم القضائية، داعياً في الوقت نفسه الى التوقف عن تخصيص رئاسة محاكم لطوائف محددة وبالتالي لمرجعيات سياسية تتلطى وراءها. ولعل خير دليل على ذلك وجود اربعة قضاة في الحكومة الحالية، والطموح الدائم للقضاء لتعيينهم في مراكز إدارية مثل المحافظين او المديرين العامين في وزارات "مدهنة"، بحيث اصبح القاضي يعمل على مرضاة السياسيين للوصول الى مراكز غير قضائية يمكن ان يستمر فيها الى حين بلوغه سن التقاعد وهو عند القضاة 68 سنة، في حين سن التقاعد للموظفين الاداريين هو 64 سنة!.


المواجهة مستمرة بين السياسة والقضاء

في اي حال المواجهة بين بعض السلطة السياسية والسلطة القضائية مرشحة للتفاعل وهي ارتفع منسوبها الاسبوع الماضي بعد القرارات التي أصدرتها قبل أيام الهيئة العامة لمحكمة التمييز (أعلى هيئة قضائية عدلية) برئاسة القاضي سهيل عبود، والتي ردت فيها كل الدعاوى المقدمة ضد البيطار وأعادت الاعتبار لمفهوم العدالة ولو بالحد الأدنى، ويرى مصدر قضائي رفيع يتابع مسار ما يتعرض له القضاء أن هذه الحملات "ليست إلا جولة في حرب طويلة تواجهها العدالة في لبنان، وتنذر بتصاعد وتيرتها مع اقتراب التحقيق بملف المرفأ من نهاياته، وترقب صدور القرار الاتهامي، الذي سيكشف كل الملابسات المحيطة بهذه القضية"، مؤكداً أن "العدالة في لبنان تمر بأصعب وأدق مراحلها ذلك ان القاضي الذي لا يكاد راتبه يكفيه لبضعة أيام، ويعاني من تراجع التقديمات الاستشفائية والتعليمية، يجد نفسه بمواجهة الحملات السياسية والإعلامية التي تشكك في سلوكه وفي مصداقية قراراته"، علماً أن المراجع القضائية تتفهم صرخة بعض القضاة، خصوصاً الذين تقدموا باستقالاتهم مؤخراً، وتعمل على طمأنتهم إلى أن الأزمة لن تطول، لكن ذلك لا يلغي واقع القلق الاجتماعي والمعيشي وحتى الأمني الذي يعيشه أغلب قضاة لبنان سواء بين أسرهم أو في مكاتبهم. ويتحدث المصدر القضائي عن ان العلة ليست في القوانين التي ترعى العمل القضائي بل في سوء التطبيق وعدم الاحتكام لمبدأ فصل السلطات علماً ان اغلب الدول الاوروبية ذات الديمقراطيات القديمة، تلعب السلطة التنفيذية او التشريعية دوراً مهماً في تعيين القضاة، فتتخذ الحكومة او الرئيس، قراراً بشأن تعيين القضاة، لكن في هذه البلدان فإن ثمة ثقافة قانونية تقضي بعدم إجراء التعيينات بناء على معايير سياسية، بل وفق معايير تقوم على الجدارة والكفاءة والمنافسة على اساس المؤهلات الخاصة.


لكن السؤال يبقى، هل ان القضاء في لبنان قادر على حماية نفسه من التدخلات الخارجية؟ يقول المصدر القضائي نفسه إن تلك الحماية ممكنة اذا ما أصر القضاة على استقلاليتهم ورفضوا التدخلات من اي جهة أتت وآثروا عدم "الاستزلام" لمرجعيات سياسية او رسمية... لكن الواقع الراهن لا يبشر بالخير لأن التركيبة السياسية والطائفية في البلاد تحد من استقلالية الجسم القضائي الأمر الذي جعل حالة الاحباط لدى "حراس العدالة" في ارتفاع مستمر بدليل الاستقالات التي تتوالى من الجسم القضائي، وما يحصل في ملف التحقيق في جريمة المرفأ خير دليل على أن القضاء في لبنان ليس بخير وأن السياسة "نخرته" والأمل يبقى بألا تنحره!.





المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.

المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.